; إريتريا: التي ضيعها أبناؤها | مجلة المجتمع

العنوان إريتريا: التي ضيعها أبناؤها

الكاتب د. عبد الله عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979

مشاهدات 122

نشر في العدد 427

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 09-يناير-1979

        ما هدف الثورة الإريترية وعلي أي شيء قامت؟

       ما مستقبل الثورة الإريترية؟ وما هو طريقها الصحيح إلى النصر؟؟

إريتريا ذلك البلد المسلم الذي يمتد ألف كيلومتر على الشاطئ الغربي الجنوبي للبحر الأحمر، الأمر الذي يعطيه تلك الأهمية الاستراتيجية العظمى بالنسبة إلى العالم بعامة، وإلى الصهيونية بخاصة، وتتضح هذه الأهمية إذا عرفنا أن البحر الأحمر سيتحول إلى بحر إسلامي بكامله إذا ما استعادت إريتريا استقلالها.

متى عرفت إريتريا الإسلام؟ 

إريتريا ليست بلدًا حديث الإسلام وإنما عرفت الإسلام منذ بدئه، إذ هاجر إليها الصحابة رضوان الله عليهم هجرتهم الأولى قبل هجرتهم إلى المدينة المنورة، ثم أرسل إليها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - حملة لنشر الإسلام فيها، ثم صارت في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان جزءا من الدولة الأموية، ثم تعاقبت عليها الدول الإسلامية إلى آخر دولهم وهي الدولة العثمانية.

إريتريا والصليبيون

ظل العلم الإسلامي يرفرف في سماء إريتريا إلى أن احتلها الإيطاليون عام 1885م على الرغم من مقاومة أهلها الشديدة لهم، ثم احتلها الإنجليز عام 1941م الذين أعطوا وعدا لهيلاسيلاسي إمبراطور الحبشة شبيها بوعد بلفور يقضي بضم إريتريا إلى الحبشة، وباركت هذا الوعد الدول الاستعمارية جميعها، الأمر الذي جعلها تستصدر قرارا من الأمم المتحدة رقم 390 يقضي بأن يقوم اتحاد فيدرالي بينها وبين إثيوبيا وتم هذا الاتحاد التعسفي عام 1952.

لم يكن هذا سوى تمهيد لاحتلال إثيوبي كامل لإريتريا، فقد ألغت إثيوبيا عام 1962م هذا الاتحاد الفيدرالي واحتلتها احتلالًا عسكريًا معلنة أنها المقاطعة الرابعة عشر من مقاطعاتها.

وكان نصيب أمريكا من هذه اللعبة قاعدة عسكرية متطورة جدًا بالقرب من أسمرة، بينما كان نصيب الصهيونية منها أن اتخذت الأراضي الإريترية مسرحًا لمخابراتها ومدخلًا اقتصاديًا وفكريًا لأفريقيا وقاعدة عسكرية تحمي أسطولها في البحر الأحمر.

الثورة الإريترية 

بدأت المقاومة الإسلامية منذ أن وطئتها الجيوش الصليبية الاستعمارية واشتدت عند إصدار قرار الأمم المتحدة، وأنشأ المسلمون حزب «الرابطة الإسلامية» وطالبوا باستقلال تام من إريتريا، إلا أن بريطانيا وإثيوبيا أسكتتا هذه الأصوات بقوة السلاح والإبادة الجسدية.

وبعد ذلك قامت الثورة الإريترية على أكتاف المسلمين خارج إريتريا عام 1958م ثم أعلنت الجهاد المسلح في جبال إريتريا نفسها عام 1961 م وكان هدفها الحفاظ على العقيدة الإسلامية وصيانة الأعراض المسلمة، ومن مؤسسيها وقادتها الشهيد حامد إدريس عواتي ، والشهيد محمد سعيد شمس وغيرهم من خريجي الأزهر الشريف الذين أطلقوا أول رصاصة في إريتريا في سبيل الإسلام، والدليل على إسلامية الثورة من بدايتها أنه كان من قوانينها:

1- أن من ترك الصلاة يفصل فورًا من التنظيم.

2- أن من تعرض لامرأة أجنبية لا تحل له يقتل رميًا بالرصاص.

3 - أن على كل ثائر أن يعرف القراءة والكتابة بالعربية وأن يحفظ شيئًا من القرآن وأن يجعل المصحف رفيقه دائمًا.

ولقد شنت حربًا لا هوادة فيها ضد الاحتلال الإثيوبي الذي لم يستطع أن يخمدها على الرغم من المساعدات اللا محدودة التي تلقاها من الصليبية والصهيونية، الأمر الذي كان عاملًا هامًا في إسقاط الإمبراطور هيلاسيلاسي فيما بعد. 

واستمر هذا الطابع الإسلامي على الثورة الإريترية إلى سنة 1963م، حيث استطاع العدو الصليبي والصهيوني والماركسي أن يحرف مسارها شيئًا فشيئًا كما سوف نری.

إثيوبيا والماركسية

استطاع الاتحاد السوفياتي من خلال الضباط العسكريين الذين أمسكوا دفة الحكم في إثيوبيا أن يتسلل إلى الحكم ثم أن يتفرد به بعد أن قتل رجل أمريكا القوي الجنرال آمان ميكائيل أندوم في 25/11 /1974 واستلام منغستو هيلا مريم الحكم.

أمريكا والثورة الإريترية

كان هذا الواقع اليساري الجديد في إثيوبيا دافعًا قويًا للولايات المتحدة لتفكر جديًا في مصير مصالحها في إثيوبيا بعامة وفي إريتريا بخاصة فحركت القضية الإريترية على الرغم من الوجه اليساري الذي تتقمصه حركاتها الثورية، وأيدتها إعلاميا وعن طريق حلفائها الذين شجعتهم لمساعدة فصائل الثورة الإريترية. 

وكان من المفروض أن تستفيد الثورة الإريترية من ذلك الواقع الجديد كل الاستفادة وأن تصل إلى الاستقلال وإعلان قيام دولة إريتريا، إلا أنها لم تصل إلى هذا الهدف وإن اقتربت منه بعض الشيء.

لماذا لم تنجح الثورة الإريترية؟ 

لم تكن تلك التحركات الأمريكية سوى تكتيك بحت يهدف فقط إلى تحقيق المصالح الأمريكية دون أن تتحرر إريتريا، فاستطاعت الصليبية والصهيونية أن تزرع في هذه الثورة التي قامت على أيد إسلامية مخلصة ولأهداف إسلامية خالصة، أن تزرع فيها بعض العناصر الصليبية أو المصلحية المغرضة التي تخفت تحت شعار الماركسية والتقدمية والوطنية وغير ذلك، الأمر الذي أدى إلى انقسام الثورة إلى جبهات ثلاث هي:

  1. جبهة التحرير الإريترية -المجلس الثوري- وهي ذات خط ماركسي ونسبة المسلمين فيها 50%.

2 - الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا وهي صليبية تتستر بوجه ماركسي ونسبة النصارى فيها 90%.

3 - قوات التحرير الشعبية الإريترية وهي ذات أكثرية إسلامية إلا أنها بعيدة عن الإسلام والرؤيا الإسلامية غير واضحة أبدًا. 

وكان من نتاج ذلك أمور عجيبة جدًا أهمها:

- رفض الفكر الإسلامي رفضًا باتًا ولقد اطلعت على ذلك بنفسي.

- القضاء على العناصر الإسلامية الموجودة في الثورة الإريترية سواء بالقتل غدرًا أو بالاعتقال ولا ذنب لهم سوى رفض التبعية لشرق أو لغرب.

- وأصبحت كل جبهة تتباهى بالعلمانية والماركسية محتجة بما يسمى بالوحدة الوطنية حتى أن «قوات التحرير الشعبية الإريترية» ذات الأكثرية الإسلامية أعلنت في أحد مؤتمراتها في فبراير عام 1977 ما يلي: «يجب أن نجد صيغة وطنية وميثاقًا وطنيًا تقدميًا يتجاوز الطائفية ويجنب إريتريا حالة لبنان ويقرر فصل الدولة عن الدين مع إقرار حرية العبادة والتعليم الديني».

كان بأسهم بينهم 

قامت محاولات كثيرة لوحدة هذه الجبهات، ولكن سوء النيات وتعدد التبعيات والأسس العقائدية الخاطئة وغير ذلك جعلت هذا الأمر مستحيلًا، ودخلت الحرب ضد القوات الإثيوبية متفرقة دون تنسيق أو تفاهم بينها، وغرتها انتصاراتها التي كانت بسبب الحالة السيئة في إثيوبيا وانتقالها من الحكم الإمبراطوري إلى الحكم الديكتاتوري العسكري، ولم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما تجاوزه إلى حرب بين فصائلها أدت إلى مقتل الآلاف من الإرتيريين، كما أدت أيضًا إلى إهمال العدو الإثيوبي إهمالًا مطلقًا أو شبه مطلق.

هل هذا بداية النهاية؟

استفاد منغستو هيلا مريم من هذه المتناقضات والأخطاء في الثورة الإريترية واستطاع بدعم مركز قوي بالعتاد والرجال من موسكو وهافانا وعدن وواشنطن أيضًا، يوحدهم على اختلافهم عدائهم للإسلام وللمسلمين استطاع أن ينقض على الثوار وهم مختلفون متفرقون وأن يقضي على انتصاراتهم ومكاسبهم وأن يشردهم مع الشعب الإريتري المسلم في جبال إريتريا وفي ملاجئ السودان.

ماذا تعني زيارة صدام حسين لموسكو وهافانا؟

بعد هذا الواقع المؤسف الذي آل إليه الأمر في إريتريا قام صدام حسين برحلة مفاجئة إلى موسكو ومنها إلى هافانا واتجهت كثير من الأنظار إليه، وتوقعت هذه الأنظار أن يذكر صدام حسين الرفاق الذين يدعون مناصرة الشعوب وحركات التحرير بأن إريتريا تريد التحرر من الاحتلال الإثيوبي.

ولكن - وعلى الرغم من الترحيب الحار جدا الذي لقيه صدام حسين في موسكو وهافانا - فلم يسمع شيئًا ذا بال عن القضية الإريترية، فقيل لعل في الأمر اتفاقات سرية حول هذا الموضوع ستتضح شيئًا فشيئًا، ولكن العمليات العسكرية الإثيوبية المدعمة من الرفاق استمرت حتى سقطت جميع المدن الإريترية الهامة في أيديها، وانسحب الثوار إلى الجبال والكهوف والوديان الشمالية استعدادًا لمواصلة الكفاح ضد الاحتلال الإثيوبي.

وبعد أن خسرت الثورة الإريترية الكثير وصارت في وضع لا تحسد عليه قد خذلها كل من الشرق والغرب اجتمعت في الخرطوم بحضور أبي القاسم إبراهيم، نائب الرئيس السوداني من أجل التوصل إلى صيغة وحدوية وتشكيل وفد موحد للتفاوض مع إثيوبيا للتوصل إلى حل سلمي للمشكلة الإريترية يتناسب مع طموحات الشعب الإريتري حسب ادعائهم، والمصالح المشتركة مع الشعب الإثيوبي.

إن هذا ما أسفرت عنه رحلة صدام حسين، ونتساءل الآن: أي سلم سيكون هذا السلم بين المنتصر الإثيوبي والضعيف الإريتري؟ إنه لن يعني إلا استسلامًا وتبعية. وهل هذا ما كانت تبغيه العصبة المؤمنة التي أطلقت أولى الطلقات معلنة عن إشراق الثورة الإريترية؟ وهل هذا ما كانت تبغيه الألوف المؤلفة من قوافل الشهداء الإريتريين الذين ضحوا بدمائهم رخيصة على التراب الإريتري المسلم.

كلا ليس هذا ما كان يبغيه هؤلاء المخلصون وإنما هذا الواقع المؤلم ليس إلا نتاجًا لتخبط هؤلاء الثوار على المستوى العقائدي والفكري والاستراتيجي واعتمادهم على غير الله تعالى، ناسين أن النصر كل النصر من عند الله تعالى.

وبالإضافة إلى ذلك، فهذا نتاج للاعتماد على من يسمون ثوريين وليسوا في الحقيقة سوى أذناب للصليبية والصهيونية والماركسية الذين لم يكن لهم من عمل داخل فصائل الثورة الإريترية إلا أن يدمروها. 

ما الطريق؟

أيها الإريتريون المسلمون..  لقد رأيتم ما جنت عليكم السفارات التي رفعتموها أو رفعها بعضكم من علمانية وماركسية، ورأيتم ماذا يعني الاعتماد على الشرق أو الغرب فكلاهما لكم عدو لسبب واحد بسيط وهو أنكم مسلمون وحكام إثيوبيا نصرانية، وليس هذا ادعاء ندعيه فانظروا ما صرح به عثمان صالح سبي، رئيس المجلس المركزي لجبهة التحرير الإريترية، في مقابلة له:

«من المفيد أن يعرف العالم بأن موقف الدولتين «روسيا وأمريكا» في هذه المنطقة تحكمه سياسة الوفاق الدولي ونظرة أمريكا الثابتة هي منع استقلال إريتريا حفاظا على ما تسميه بوحدة الإمبراطورية الإثيوبية على أن الدول الغربية إجمالًا تحبذ أطلال إثيوبيا على البحر الأحمر كدولة نصرانية بدلًا من قيام دولة إريترية مستقلة ترتبط بالضرورة بالأمة العربية».

لذلك أيها الإريتريون المسلمون ارجعوا إلى الله واعتصموا بحبله وانصروه حتى ينصركم ويثبت أقدامكم، ارجعوا إلى الإسلام عقيدة ومنهاجا وابتعدوا عن كل ما هو غير إسلامي على الصعيدين الداخلي والخارجي، أيها الإريتريون المسلمون استفيدوا من أخطائكم في مسار ثورتكم واعلموا أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. وإلا كان ما نخشاه جميعًا، ولا حول حول ولا قوة إلا بالله.

الرابط المختصر :