العنوان إريتريا بين الحــديد والنار
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2008
مشاهدات 53
نشر في العدد 1783
نشر في الصفحة 13
السبت 05-يناير-2008
بينما يرزح الشعب الصومالي تحت محارق الاحتلال الإثيوبي ويعيش المسلمون في إثيوبيا (51%) من السكان في حلقات متشابكة من التضييق والحصار يقاسي الشعب الإريتري المسلم (٦٥%) من السكان حكم الحديد والنار الذي يفرضه عليه نظام الرئيس أسياسي أفورقي.
والحقيقة أن معاناة الشعب الإريتري لا تنحصر في المسلمين فقط، وإنما تمتد إلى كل من يمثل خطرًا على بقاء هذا النظام ليظل جاثمًا على أنفاس الشعب الإريتري ولذا فقد طال بطش النظام رفقاء السلاح من قادة الجيش ووزراء وسفراء ومسؤولين وفر بعضهم من ذلك البطش إلى الخارج ضمن أفواج المهاجرين ألفًا رين الذين بلغت جملتهم خلال عام ٢٠٠٧م ٢٩ ألفًا إلى السودان و ٢١ ألفًا إلى إثيوبيا ومن ۱۲۰۱۰ألفًا إلى اليمن عبر البحر الأحمر، إضافة إلى أعداد قليلة إلى جيبوتي.
ويفرض النظام ستارا من التعتيم على سياساته القمعية ويساعده في ذلك تجاهل النظام الدولي ودول الجوار لما يجري انشغالاً بأحداث أكثر أهمية في بقاء عديدة من العالم، ويبدو أن السياسة الدولية الاستعمارية تهدف إلى ترك منطقة القرن الإفريقي الحيوية والاستراتيجية نهبًا للصراعات الداخلية والحروب الإقليمية، حتى تنهكها تمامًا وتهبط بها إلى ما تحت الصفر حتى تكون سهلة الالتهام عندما تحين اللحظة الاستعمارية المواتية.
وقد التقيت في الأسبوع الماضي وفداً إريتريا برئاسة الأستاذ خليل محمد عامر، الأمين العام للحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية، حيث دار حوار مطول عما يجري داخل إريتريا من سياسات وحملات منظمة بحق المسلمين خاصة، والمعارضين بصفة عامة وقد بلورت حصيلة اللقاء الذي امتد لأكثر من ثلاث ساعات جملة من الحقائق تجري على الساحة الداخلية الإريترية، أعتقد أن من حق القارئ الاطلاع عليها.
سياسة مخطط لها جيدا وتقوم على تنفيذها قياداتالدولة بإشراف أفورقي نفسه تهدف إلى طمس الهوية الإسلامية لبلد غالبية سكانه مسلمون (٦٥%) حسب إحصاءات المسلمين 50% حسب إحصاءات النظام الحاكم وتهدف كذلك إلى تغييب الثقافة الإسلامية واللغة العربية، حيث تم هدم العديد من المساجد خاصة التاريخية العريقة القائمة التي تقع وسط كثافة سكانية إسلامية وتمثل شاهداً حياً على عراقة الإسلام في تلك الديار ففي عام ٢٠٠٤م تم هدم أربعة مساجد تاريخية في مدينة من دفر، وفي عام ٢٠٠٦م تم هدم مسجد عريق في مدينة مصوع، وفي نوفمبر الماضي تم تحويل مسجد، إم بيرم، إلى ثكنة عسكرية، وعندما اعترض المسلمون تم زج أعيانهم وقياداتهم في السجون، ويصاحب عمليات هدم المساجد تمزيق للكتل السكانية المسلمة المحيطة بها بإعادة تخطيط الحي الذي تتواجد فيه، حيث تتم عمليات زرع كتل سكانية نصرانية مقابل تشريد أعداد من المسلمين إلى مناطق أخرى يكونون فيها أقلية وقد شهدت منطقتا بركة، والجاش الواقعتان غرب إريتريا وتتميز أراضيهما بخصوبة عالية شهدتا حملة تغيير ديموجرافي واسعة ضد الوجود الإسلامي، حيث تم توطين حوالي ٦٥٠٠ أسرة نصرانية فيها، وتقوم على رعايتها شركات استثمارية متخصصة في الاستثمار الزراعي مقابل إهمال ما بقي من المسلمين، وقد كانت ذريعة توطين هذا العدد الكبير من النصارى أنهم نازحون من متضرري الحرب بين إريتريا وإثيوبيا (1998-2000م).
يقول الأمين العام للحزب الإسلامي الأستاذ خليل محمد إن من حق أي إريتري أيا كانت ديانته السكن في أي مكان يختاره في الأراضي الإريترية ولكن ليس على حساب تشريد الآخرين.
طمس الثقافة الإسلامية واللغة العربية بإلزام أبناء المسلمين تعلم اللهجات المحلية التي تعد في حكم الميتة (وهي لا تكتب أصلا بل يكتب بعضها باللاتينية والبعض باللغة التيجرينية) وهي لغة غير قابلة للحياة ولذا فشلت الخطة وتم الزج بمن عارضها في السجن ومنهم أب عري، وهو من كبار المثقفين وأحد كتاب النظام.
أما المعاهد الإسلامية فقد تم إغلاق بعضها وأجبر الباقون على تبني المناهج الدراسية الحكومية، كما تم حظر تلقيها أي دعم من الخارج حتى يتم خنقها تماماً، علما بأن هذه المعاهد كانت تعمل بكل حرية خلال فترة الاحتلال الإثيوبي لإريتريا.
وفي نفس الوقت فإن علماء ودعاة (حوالي ٥٠ عالماً ومعلما) تمزجهم في السجون في عامي ۱۹۹۱ م و١٩٩٤م، ومازالوا خلف القضبان حتى اليوم ولا يعرف إذا ما كانوا على قيد الحياة أم تمت تصفيتهم؟ وما زالت الحملة مستمرة دون توقف، فالنظام مقتنع بأن الحفاظ على اللغة العربية يرسخ الإسلام ويقوي المسلمين وهذا ما يرفضه ويحاربه.
وهكذا فهناك سياسة حديدية لضرب الوجود الإسلامي وهي سياسة تشبه إلى حد بعيد سياسة النظام الشيوعي ضد المسلمين في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
وأصبح حديد النظام وناره يطال كل المعارضين حتى أولئك الذين كانوا يوماً من أركانه ثم اختلفوا معه فوزير الخارجية هايلي ولد تنساي الذي وقع اتفاقية الجزائر عام ٢٠٠١م لوقف الحرب الإريترية مع إثيوبيا تم سجنه وكذلك وزير الداخلية ووزير الحكومات المحلية محمود شريفو إضافة إلى آخرين من المسؤولين، وقد تمكن العديد من قيادات الحزب الحاكم الذين اختلفوا مع النظام من الهرب وعلى رأسهم وزير الدفاع السابق سفن حافوس، الذي شكل الحزب الديمقراطي المعارض في الخارج.
ألا ترى معي أن منطقة القرن الإفريقي تعيش على بركان كبير ضحيته الأولى هم المسلمون؟! فالإسلام دين غالبية سكان هذه المنطقة، ولن يهدأ البركان حتى يتم تغيير الخريطة ديموجرافيًا وجغرافيًا لصالح نفوذ الاستعمار الحديث وسماسرته.