العنوان «زينب الحصني» ... حصن الثورة السورية المنيع !
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1971
نشر في الصفحة 13
السبت 01-أكتوبر-2011
«زينب الحصني» ... حصن الثورة السورية المنيع !
مشاهد يشيب لها الولدان.. ويكاد يجن منها العقل، ولم يرو التاريخ مثيلاً لها إلا في عهود محاكم التفتيش الفاشية، وعهود الظلام الوحشية.. فقد أصيب القلب بزلزال وهو يشاهد جثمان الطفل الشهيد «حمزة الخطيب»، وقد بترت أعضاؤه التناسلية بعد أن أتخن جنود إبليس في دمشق جسده بالتعذيب، وشرحوه تشريحًا وهو ما يزال حيًا.. لكن زلزالاً أشد قد أصاب كل ذي عقل أو ضمير وهو : يشاهد جثمان «زينب الحصني» ، الطاهر ابنة التاسعة عشر ربيعًا، وقد قطعت يداها من كتفيها، وأحرق وجهها، وسلخ جلدها، وفوجئ بها أهلها وهم يبحثون عن شقيقها الذي ذهبوا لاستلام جثته فوجئوا وقد فككوا جسدها الطاهر قطعة قطعة - تعذيبًا - لكي تفصح عن مكان أخيها الشهيد الذي كان مطلوبًا .
توقفت طويلاً أمام مشهد جثمان الفتاة وأنا أكاد أفقد توازني ودارت في رأسي مسيرة تاريخ طويل من قافلة الجهاد المباركة ضد الظلم والطغيان والكفر والبهتان، وتذكرت أن ما يجمع هؤلاء جميعًا هو اليقين بالحق حتى تصبح النفس رخيصة من أجله.. نظرت إلى وجهها المحروق فتذكرت أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار ثابتًا على التوحيد، ومتحديًا كفرهم وشركهم وشاهدت يديها المقطوعتين فتذكرت سيدنا جعفر بن أبي طالب مرة وهو ممسك ببيرق الجهاد في غزوة «مؤتة» ولم يفرط فيه، رغم أنهم قطعوا ذراعيه قطعة قطعة، ولم يسقط منه (البيرق) إلا عندما بقروا بطنه فسقط شهيدا.
وشاهدت جلدها المسلوخ فتذكرت سيدنا بلال بن رباح وكفار قريش يقومون بشواء جسده في صحراء مكة الملتهبة.. تذكرت السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وهي تشد من أزر ابنها المجاهد عبد الله بن الزبير وهو ثابت في ساحة الجهاد ضد «الحجاج»، قائلة له قولتها الشهيرة ، «يا بني إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها »... تذكرت سحرة فرعون عندما ذاقوا حلاوة الإيمان، وانقلبوا من سحرة وكهنة لفرعون إلى مؤمنين بالله فرد عليهم، ﴿لأقطَعَنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خلاف ثُمَّ لأَصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)﴾ (الأعراف: 124)، فردوا عليه في ثبات ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنما تَقْضِي هذه الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾ (طه: 72).
وتذكرت العاقبة السوداء لأولئك الطواغيت ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطَرَانِ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) ليجزي الله كل نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (50)﴾ (إبراهيم: الآيات من 49 ل 51)... شاهدت جثمانًا اجتمعت عليه كل ألوان التعذيب والتمثيل، وهو جثمان ليس لقائد من قواد الثورة، وإنما لفتاة صغيرة لا حول لها ولا قوة سوى التعبير عن رأيها والمطالبة بحقوقها مع المطالبين !! يا لجبروت «آل الأسد» ، وطغيانهم ووحشيتهم.
إن إقدام أطفال وفتيات في مقتبل العمر على الشهادة في سبيل الحق والحرية ومقاومة الطغاة، مقدمين حياتهم وقودًا للثورة، ودماءهم لإرواء شجرتها، هو المؤشر الأهم على أن جذوة الثورة لن تنطفئ إلا بالنصر أو الشهادة.
و «زينب»- ورفيقاتها - تسجل في التاريخ صورة من أنصع صور جهاد المرأة السورية، وسيذكر التاريخ أن نساء سورية وفتياتها كن المحرك الأكبر لتلك الثورة، فإذا خرجت المرأة وضحت بنفسها بهذا الشكل فهل سيتخلف زوجها أو أبوها أو شقيقها ؟.. إن خروج المرأة إلى ساحة الجهاد ضد حكم الطائفة الباغية والعائلة المتسلطة وعقيدة «البعث» الفاسدة هو خروج الشعب كله، وهذا ما نشاهده اليوم في شوارع سورية.. إنها ملحمة يقف المرء أمامها بكل احترام واعجاب ودعاء بالنصر.. «زينب الحصني»، بأشلائها صارت حصنًا منيعًا لثورة الشعب السوري سيتحطم عليه حكم الطغاة إن شاء الله..
د. عبد القادر حجازي
رحل أخي الكبير الدكتور عبد القادر حجازي رئيس لجنة الإغاثة الإنسانية في نقابة أطباء مصر بعد صبر طويل مع المرض، وقد صاحبته - يرحمه الله - عام ۱۹۹۰ م في أول زيارة لوفد عربي للبوسنة والهرسك إبان المجزرة المجرمة التي شنها الصرب على المسلمين هناك، وكان بصحبتنا فضيلة الشيخ جمال قطب مندوبًا عن شيخ الأزهر والدكتور عبد الحي سليمان الخبير الإغاثي - يرحمه الله - والدكتور أشرف عبد الغفار.
وقضينا هناك ما يقرب من ثلاثة أسابيع نتجول بين اللاجئين في العاصمة الكرواتية زغرب ومدن البوسنة التي شهدت مجازر يندى لها جبين الإنسانية، وكان الدكتور عبد القادر هو أول المقدمين على خوض غمار المصاعب بالذهاب إلى أماكن القتال دون مبالاة بأي مصير. واستطعنا الوصول إلى خطوط النار في «توزلا»، وعلى مشارف سراييفو، وأشهد أنه طوال تلك الفترة لم يترك مصحفه من يده، ومازرته في غرفته بالفندق منذ نزلنا في فرانكفورت، ثم زغرب ثم سبليت إلا وجدته ممسكًا بمصحفه وابتسامة عريضة تعلو وجهه وهو يرحب بزائره.. قضينا عشرين يومًا، وعدنا بحب كبير في الله ما زادته الأيام إلا عمقًا وصفاء. أسال الله له الرحمة الواسعة، وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل