العنوان “سد النهـضة”.. وما وراء تَعـثُّر المفاوضات
الكاتب روضة علي عبدالغفار
تاريخ النشر الاثنين 01-يونيو-2020
مشاهدات 70
نشر في العدد 2144
نشر في الصفحة 46
الاثنين 01-يونيو-2020
حالة العالم الإسلامي
القاهرة راهنت على إنقاذ الوساطة الأمريكية لها وهو ما تحقق لوقت قصير قبل أن يتحول لمأزق أكثر خطورة
بعد رفض إثيوبيا الوساطة عادت عملية التفاوض إلى المربع الأول وازداد الموقف تعقيداً
واشنطن حرصت ألا يبدو تدخلها إنهاءً لمسار المفاوضات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان
نقلُ مصر الملف إلى واشنطن والجامعة العربية يمثل ضغطاً على إثيوبيا ويكشف تعنتها أمام الرأي العام العالمي
تكلفة بناء السد العالية تبقى سهلة في نظر الإثيوبيين نظراً إلى ما سيدر عليهم من عوائد
تصوُّر مصر أن السد يمثل تهديداً لأمنها المائي لكن السودان يبدو أقل قلقاً لإمكانية تعظيم فوائده
على أطول أنهار العالم ينشب النزاع، وعلى مياه النيل تقف الدول الأفريقية الثلاث؛ تقول مصر والسودان: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وترد إثيوبيا: تجري الرياح كما تجري سفينتنا، نحن الرياح ونحن البحر والسفن!
بعد سلسلة طويلة من المفاوضات أصبحت أزمة «سد النهضة»» أشد تعقيداً وجموداً؛ بسبب التباين الشديد في مصالح الأطراف المعنية، فنتائج الجولات تصب في مصلحة إثيوبيا التي ترى السد نقلة نوعية ستخرج البلاد من مأزقها الاقتصادي، في حين تؤكد مصر والسودان الحقوق التاريخية لهما في مياه النيل؛ وأن السد سيحرمهما من قدر كبير من المياه وسيقلل توليد الكهرباء من السد العالي وسدود السودان.
لماذا تعثرت المفاوضات بشأن «سد النهضة»؟ وما الذي أضافه تدخل واشنطن بعملية التفاوض؟ وما الخيارات المتاحة لكل من مصر والسودان؟ وهل يمكن أن تنجرف الأطراف للحل العسكري؟ في هذا التحقيق نتعرض لهذه القضايا.
ترجع الأصول التاريخية لفكرة «سد النهضة» إلى أربعينيات القرن العشرين، عندما حدد مكتب الاستصلاح الأمريكي 26 موقعاً لإقامة سدود في إثيوبيا، على رأسها أربعة سدود على النيل الأزرق، كان ضمنها «سد النهضة» الحالي، وأقدمت إثيوبيا على إنشاء السد نظراً لما تعانيه من مشكلات مع المياه بسبب طبيعتها الجغرافية والجيولوجية، وصعوبة التضاريس التي تمنع نقل المياه حال تخزينها، وطبيعة الصخور البركانية وتأثيرها على إمكانات تخزين المياه ونوعيتها، وضعف تكوين مياه جوفية، وتكرار مواسم الجفاف.
ومنذ اللحظة الأولى التي طرح فيها رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق «ميليس زيناوي» التعجيل بتنفيذ مشروع «سد النهضة»، ارتكز خطاب الدولة على بث روح وطنية للاحتشاد في وجه تهديدات خارجية تقوم بها قوى لا تريد نهضة إثيوبيا، والإشارة في هذا الخطاب كانت تذهب بطبيعة الحال إلى مصر التي تؤكد حقوقها بمياه النيل، ودفع هذا الخطاب بحملة استكتاب كبرى لتمويل السد ذاتياً؛ ما أغرى النظام في أديس أبابا بالظن أن في إمكانه استثمار السد لاستعادة بعضٍ من جماهيرية مفقودة كانت قد غيبتها الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات المتوالية.
وفي هذا السياق، يقول د. حمدي عبدالرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، في تصريحات لـ «المجتمع»: إن أسلوب المراوغة والمماطلة يمثل نهجاً إثيوبياً متواتراً منذ أن بدأت أديس أبابا في عهد «ميليس زناوي» من جانب واحد في بناء «سد النهضة» الإثيوبي، في أبريل 2011م، ومنذ ذلك الحين، أجريت سلسلة من المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان على مستوى الخبراء والوزراء ورؤساء الدول، وذلك من أجل التوصل لاتفاق ينظم مسألة ملء وتشغيل السد ومعالجة الآثار السلبية المحتملة على دولتي المصب.
وفي أواخر فبراير الماضي، فشلت المفاوضات بوساطة واشنطن، ولم تنجح في تسوية النزاع القائم بين مصر والسودان وإثيوبيا، وانسحبت إثيوبيا من طاولة المفاوضات، وازدادت إصراراً على حقها بمياه النيل، وأعلنت أنه لا قوة يمكن أن تمنعها من بناء السد.
ويضيف عباس محمد صالح، الباحث في الشؤون الأفريقية، لـ «المجتمع»: إن الأطراف قبلت وساطة واشنطن، في نوفمبر الماضي، بعد وصول جولات التفاوض لطريق مسدود، وكان لمصر مقصد يختلف عن إثيوبيا بخصوص هذه الوساطة؛ فالقاهرة راهنت على أن تكون الوساطة الأمريكية بمثابة المنقذ لها، وهو ما تحقق لوقت قصير قبل أن تتحول إلى مأزق أكثر خطورة، بينما قبلت أديس أبابا بهذه الوساطة؛ لأنها لن تتنازل عن ثوابتها المستندة إلى «إعلان المبادئ»، الموقّع في أغسطس 2015م بالخرطوم، كما أن الطرفين المصري والإثيوبي يختلفان في تفسير كثير من القواعد الحاكمة للتفاوض بينهما.
ويرى الباحث صالح أن بعد إعلان إثيوبيا رفضها مسودة الوساطة تكون بذلك عملية التفاوض حول «سد النهضة» قد عادت إلى المربع الأول، وازداد الموقف تعقيداً؛ فإثيوبيا سترفض أي مبادرة تتعارض مع ثوابتها فيما تراه حقها المطلق في استخدام موارد المياه دون الإضرار بمصالح الآخرين.
في حين يرى د. حمدي أنه على الرغم من الانسحاب الإثيوبي من مفاوضات واشنطن، فإن هناك فرصة لاستئنافها بعد إجراء الانتخابات الإثيوبية، في أغسطس 2020م، وأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالوساطة لحين التوصل إلى اتفاق نهائي.
الوسيط الجديد
على الرغم مما يبدو على السطح من أن واشنطن دخلت على خط الأزمة استجابة لطلب مصر، فإنها ليست المرة الأولى التي تحاول فيها واشنطن القيام بدور في قضية «سد النهضة»؛ إذ حاولت عرض خبرتها في إدارة «سد هووفر»، أكبر سدودها، على وزيري الري في مصر وإثيوبيا، كما زار مساعد وزير الخارجية لشؤون أفريقيا «تيبور ناجي» البلدين، واستمع إلى إفادات من المسؤولين بشأن موقفيهما من الأزمة، والبادي أن مشاورات مصرية أمريكية جرت سابقاً فيما يتعلق بإمكانية قيام واشنطن بدور رئيس في العملية التفاوضية.
كانت واشنطن حريصة ألا يبدو تدخلها إنهاءً لمسار المفاوضات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان، وأعلنت دعمها لهذه الجهود، وقال بيان خارجيتها: «إن لكل بلدان وادي النيل الحق في التنمية الاقتصادية والازدهار، ولأجل ذلك على جميع الأطراف إظهار النوايا الطيبة بغية التوصل إلى اتفاق يحفظ تلك الحقوق، مع إيلاء الاحترام المتبادل لحقوق بعضها بعضاً في مياه النيل»، وهو البيان الذي رحبت به الرئاسة في مصر على لسان المتحدث باسمها.
وبالتالي، لم يمس البيان الأمريكي موضع الخلاف بين رؤيتي مصر وإثيوبيا، إذ ترفع مصر مبدأ الحقوق التاريخية، وتستند إلى اتفاقها مع السودان عام 1959م، في حين ترفع إثيوبيا مبدأ الحق في التنمية المتكافئة، وترفض أن تلزمها أي معاهدات ترى فيها تعطيلاً لهذا الحق، واكتفى البيان بعبارة دبلوماسية عن «الاحترام المتبادل لحقوق بعضها بعضاً في مياه النيل».
ومن جهته، يقول د. حمدي عبدالرحمن، رداً على تعثر المفاوضات بوساطة واشنطن: إن المشكلة في اتفاق «إعلان المبادئ» أنه يحدد الوساطة أسلوباً وحيداً لتسوية المنازعات بين الدول الثلاث، على أن الخطوة المصرية بنقل الملف إلى واشنطن ثم الجامعة العربية يمثل ضغطاً على إثيوبيا، ويكشف تعنتها أمام الرأي العام العالمي، ولا يمكن لإثيوبيا أن تقوم بملء وإدارة السد بإرادتها المنفردة سواء طبقاً لـ «إعلان المبادئ» أو قواعد القانون الدولي، كما أن واشنطن تربط عملية الملء بالتوقيع على الاتفاق النهائي.
بينما يوضح الباحث صالح، لـ «المجتمع»، أن واشنطن ستكون في مأزق حقيقي؛ لأنها لم تستطع إرغام إثيوبيا على قبول المسودة التي أعدها خبراء وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، وبالتالي مخرجات الوساطة التي قادتها صفر، كما أن هناك دوائر أمريكية عديدة تعارض موقف إدارة «ترمب» ومحاولة إرغام إثيوبيا بالقبول بمسودة الاتفاق، كما أن ممارسة أي ضغوط على الجانب الإثيوبي سيباعد بينها وبين واشنطن، حيث تجمع بينهما أجندة إقليمية مهمة في القرن الأفريقي بشكل خاص.
ما وراء موقف إثيوبيا
بعد كل فشل يعقب جولة تفاوضية، كان الطرفان يتبادلان توجيه أصابع الاتهام، فالجانب الإثيوبي يتهم الجانب المصري بتعمد تعطيل المشروع؛ ومثال ذلك عندما اشترطت مصر على إثيوبيا عند ملء سدها ألا يقل ارتفاع المياه في بحيرة ناصر خلف السد العالي عن 165 متراً؛ وهو ما رأته إثيوبيا مستحيلاً؛ إذ يعني ذلك إطلاق 40 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق سنوياً، وهي نسبة ستعطل بلوغ المعدلات المطلوبة لملء الخزان المائي خلف «سد النهضة»، وقد وصفت القاهرة موقف إثيوبيا بـ «المتعنت»، في حين وصفت أديس أبابا المطلب المصري بأنه «عبور للخط الأحمر».
إن بواعث إثيوبيا لتحدي الموقف المصري كثيرة، لكن يبقى أهمها هو الطموح الاقتصادي، فالدولة التي عانت عقوداً من التراجع الاقتصادي الحاد، يحدوها أمل في تبوؤ قمة سوق تصدير الطاقة الكهربائية في أفريقيا؛ إذ يَعِد «سد النهضة» بتوليد ما مقداره 6450 ميجاوات من الكهرباء، وتتوقع إثيوبيا أن المردود الاقتصادي لهذه الكمية سيدفع باقتصادها إلى مستوى البلدان المتوسطة الدخل بحلول عام 2025م، وبهذا فإن تكلفة السد العالية التي تناهز 5 مليارات دولار أمريكي، تبقى تكلفة سهلة في نظر الإثيوبيين، نسبة إلى ما سيدر عليهم من عوائد.
ويزيد من رغبة إثيوبيا في الإسراع بإنجاز هذا السد؛ إقبال الدول المجاورة لها على طلب الكهرباء، وتوقيع عدد منها عقوداً طويلة الأمد، منها: كينيا، والسودان، وجيبوتي، وجنوب السودان.
فليس مستغرباً أن يصور الخطاب الوطني الصاعد في إثيوبيا المتعلق بمشروع «سد النهضة» على أنه قفزة صوب الحداثة، ونقلة نوعية ستخرج البلاد من مأزقها الاقتصادي الممتد، وحتى بين الخبراء الدوليين ثمة من يربط بين المشروع وقدرة إثيوبيا على استعادة الاستقرار ووقف الاضطرابات التي تضرب البلاد منذ أكثر من عقدين.
الخيارات المتاحة لمصر والسودان
أوضح د. حمدي، لـ «المجتمع»، أن تصوُّر مصر الرسمي والشعبي هو أن السد يمثل تهديداً لأمنها المائي، في حين يبدو السودان أقل قلقاً لإمكانية تعظيم فوائده من مصادر المياه والطاقة؛ فوافق السودان ضمنياً على رغبة إثيوبيا في بناء السد، متوقِّعاً فوائد جمة من وجود سد قريب من حدوده يمكنه من السيطرة على الفيضانات وتنظيم مستويات المياه طوال العام، ومع ذلك ظلت مخاوف دولتي المصب ترتبط بمعدل الملء الأول للسد وتشغيله، وإمكانية انهيار السد المحتملة بالإضافة إلى آثاره البيئية.
وبقيت مصر تتبنى موقفها في الخلافات بشأن تقسيم مياه النيل على مبادئ ثلاثة؛ أولها: مبدأ الحقوق التاريخية وأولوية احترامها من بلدان المنابع؛ تطبيقاً لمبدأ وراثة الالتزامات الدولية، وثانيها: تغليب مبدأ النيات الحسنة وعدم الإضرار، عبر الإخطار المسبق بأي إنشاءات ومشروعات تؤثر في تدفقات النهر، وثالثها: مبدأ الإجماع بجعل أي تصويت يتعلق بتعديل الاتفاقيات الدولية محكوماً بتوافق تام بين بلدان المصب وبلدان المنابع.
وتعاملت مصر مع هذه المبادئ باعتبارها محددات لأمنها المائي.
وبعد تعثر مفاوضات واشنطن، سعت مصر إلى أداة ضغط جديدة، فأحالت القضية إلى جامعة الدول العربية، وأكدت الجامعة، في 4 مارس 2020م، حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، ورفض أي إجراءات أحادية إثيوبية، في حين رأى السودان أن القرار ليس في مصلحته ولا يجوز إقحام الجامعة العربية في هذا الملف، وأبدى تخوفه مما قد ينتج عنه هذا القرار من مواجهة عربية إثيوبية، وبالمقابل ردت مصر أن الجانب السوداني سعى إلى إفراغ مشروع القرار من مضمونه.
وتعليقاً على هذا الموقف، يقول الباحث صالح: إن تحفظ السودان كان موضوعياً ومتسقاً مع مواقف الحكومات السودانية التي تعاقبت منذ بدء مسار التفاوض حول «سد النهضة»، ولكن المشكلة تكمن في طبيعة الإدراك المصري للسودان كبلد، وإدراك قضية السد كقضية مصيرية يجب أن يراها العالم من هذا المنظور، وكذلك الإدراك المصري لدورها الإقليمي الذي ظل مؤخراً يتغير، بينما هو ثابت لا يتزحزح في عقل نخبة الدولة المصرية، وهذا ما يفسر كل ردود الأفعال الغاضبة والانفعالية هذه.
وبصدد إمكانية استمرار الحل الدبلوماسي أو الانجرار للحل العسكري، يوضح د. حمدي أنه على الرغم من مقولة حروب المياه، فإنها لم تحدث، ومن ثم التعويل على الحل الدبلوماسي لا يزال يمثل المخرج الآمن للجميع، فالمشكلة الأساسية المتعلقة بـ «سد النهضة» تتمثل في سنوات الجفاف الطويل والشديد التي من شأنها أن تخلق مخاطر على تدفقات المياه أثناء وبعد ملء «سد النهضة»، ونظراً لأن الجفاف المطول سيحدث حتماً في مرحلة ما في المستقبل، يجادل كثير من خبراء المياه بأنه يتعين إدارة آثار وتبعات الجفاف بعناية، وأنه ينبغي معالجة احتمالها بشكل صريح في المفاوضات الجارية بشأن مياه النيل.
ويصرح د. حمدي، لـ «المجتمع»، أن البديل الأفضل -من وجهة نظره- هو العمل بجدية على وضع إطار مؤسسي شامل للإدارة المتكاملة لموارد النيل وتطويرها لمصلحة جميع الدول المشاطئة، وتبدو مسودة الاتفاقية معقولة بما يكفي لتقسيم عملية ملء السد وتشغيله على مرحلتين، كما أن هناك توافقاً كبيراً حول المرحلة الأولى من ملء الخزان ليصل إلى ارتفاع 595 متراً فوق سطح البحر من أصل 632 متراً، وهي تستغرق نحو عامين، مما يمنح مصر والسودان وإثيوبيا فرصة من الوقت لصياغة إطار تعاون أكثر شمولاً ولا سيما في حالة تأجيل اختبار السد وبدء الملء الأول إلى موسم الفيضان القادم في عام 2021م.
ويضيف أنه من الناحية المثالية يجب أن تكون الاتفاقية شاملة بما فيه الكفاية لتوفير إطار تعاوني لإدارة -ليس فقط «سد النهضة»- وإنما غيره من المشاريع المستقبلية المحتملة على النيل، في هذه الحالة يمكن الاعتماد على المعايير الدولية لإدارة المياه عبر الحدود، والاستفادة من التجارب الأخرى الناجحة؛ مثل لجنة نهر الميكونج في جنوب شرقي آسيا.
وتظل خيوط التفاوض قائمة، ويبقى الأمل عنواناً للشعوب؛ شعب يأمل في عدم انتقاص حقه من الماء، وشعب يريد التنمية والازدهار، وبين هذا وذاك؛ هل نرقب تسوية قريبة تُرضِي أطراف النزاع ويَعم بها السلام في المنطقة، أم يحمل لنا المستقبل المزيد من المفاجآت؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل