العنوان إسرائيل من الحرب العسكرية مع العرب إلى الحرب الاقتصادية
الكاتب د. مأمون فندي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
مشاهدات 84
نشر في العدد 1181
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
- السيادة الإسرائيلية على المناطق العربية تحولت من سيادة عسكرية مكلفة إلى سيادة اقتصادية مربحة
في السابع والعشرين من ديسمبر (1995م)، تبدأ من جديد محادثات «السلام» بين «سوريا وإسرائيل»، هذا ما أعلنه وزير الخارجية الأمريكي « وارن كريستوفر» بعد زيارته الأخيرة للشرق الأوسط، تمثل هذه المحادثات نهاية للصراع بين الدول العربية و «إسرائيل» وكلما نقترب من خط النهاية لابد من طرح أسئلة أساسية حول تلك المفاوضات، وأول هذه الأسئلة هو: السلام لمن لإسرائيل أم للعرب؟ بعبارة أخرى: هل تغيرت المواقف «الإسرائيلية» العنصرية تجاه العرب أم تغير اسم اللعبة السياسية؟
وكما هو معلوم للكثيرين جاءت عملية «السلام» بين «إسرائيل» والدول العربية في إطار تغييرات كبرى على المستوى «العالمي» وعلى المستوى «الإقليمي»، وكذلك نوعية المشاكل المحلية التي تواجهها «إسرائيل» وكذلك «الدول العربية»، وكذلك يجب التساؤل أيضًا عن «حلم إسرائيل الكبرى» ودعوة «الصهيونية» المتمثلة في مقولة "من النيل إلى الفرات" هل نسبت « إسرائيل» هذه المقولة من أجل تعايش سلمي أم هو تغير في الاستراتيجية مع ثبات الأهداف؟
- تحديات ما بعد الحرب الباردة
على المستوى «العالمي» انتهت الحرب الباردة بين المعسكر « الاشتراكي » والمعسكر «الرأسمالي» ، والتأكيد هنا على كلمة «المعسكر» ، فهو هنا يعني أن العسكرة كانت دفاعًا عن النظام « الرأسمالي » في مواجهة نظام اقتصادي آخر يطرح وجهة نظر مختلفة « اشتراكية » إذن ما هزم في تلك الحرب لم تكن العسكرية السوفييتية، وإنما ما هزم هو « النظام الاشتراكي» كنظام اقتصادي، وبذلك تتجلى سيادة الرأسمالية ليس في أمريكا وأوروبا الغربية فقط ، ولكن في العالم بأسره، أي تغيرت طبيعة الصراع من شكله «العسكري » إلى شكله «الاقتصادي » ، وتبعت هذه التغيرات كذلك إعادة تعريف ما يسمى بـــــــــــ«الأمن القومي» فهو الآن بالنسبة لأمريكا لم يعد أمنًا عسكريًا بقدر ما هو أمن اقتصادي بحت، وقد جيشت «أمريكا » من أجل هذا الأمن كل أدواتها للتعامل مع معطياته الجديدة، وجاء التجسس على التكنولوجيا والاقتصاد على رأس قائمة القضايا الأساسية المخابرات المركزية الأمريكية "CIA" ، كما أن التكنولوجيا العسكرية من الصواريخ عابرة القارات، وكذلك تطور الأسلحة النووية، والتي تتواجد في المستودعات العسكرية الأمريكية والقادرة على تدمير العالم أكثر من مائة مرة كل ذلك أدى إلى تناقض في أهمية الأرض في التصور «الاستراتيجي» الحديث لكل ذلك دلالات على تغيير الاستراتيجيات السياسية وابتعادها من العسكرة إلى الاقتصاد .
هذا التغير على المستوى «العالمي» هو إحدى دوافع التغير في التوجه على المستوى «الإقليمي»، وربما كان له دور أساسي في دفع عملية السلام، ولكن المستوى «العالمي» ليس كافيًا التحريك قضايا محلية، فالمستوى «الإقليمي» له دور أساسي أيضًا، فما الذي حدث على مستوى المنطقة؟ وما دلالاته على طبيعة السلام القادم؟
- منطلقات «إسرائيل» في الانسحاب
ما حدث في حرب الخليج وضح جليًا لإسرائيل تناقص القيمة الاستراتيجية للأرض سواء من خلال رؤية صواريخ «الباتريوت» التي تتعامل مع صواريخ «سكود» في الجو، أو من خلال سقوط صواريخ «سكود» في مناطق داخل «إسرائيل» كانت تظن إسرائيل، أنها مناطق بعيدة المنال، وإن امتلاك سوريا المخزون كبير لهذه الصواريخ يقلل من القيمة الاستراتيجية لأرض «مرتفعات الجولان» التي كانت «إسرائيل» تتمسك بها في السابق؛ لحماية عمقها الاستراتيجي.
كذلك سابقة الانسحاب من سيناء أكدت «لإسرائيل» أن نوعية الاتفاق أعطت «إسرائيل» وكذلك «أمريكا » حق « فيتو » على عدد الجنود المصريين المتواجدين في سيناء، فمثلاً لا تستطيع مصر أن تضع أكثر من (٢٠) ألف جندي في المنطقة (أ) «خط العريش ورأس محمد» ، أما في المنطقة «ب» «خط بئر العبد سانت كاترين» ، فهي منطقة مخصصة لحرس الحدود المصري ، "أي أنه فعليًا تنتهي الحدود المصرية في سيناء عند سانت كاترين جنوبًا، وبئر العبد شمالاً"، أما المنطقة (ح) فهي منطقة لا يحق لمصر فيها أي تواجد عسكري، فقط يوجد بها شرطة مصرية ومدنيين مثل هذه الترتيبات أو ربما أكثر صرامة منها هي ما سوف يطبق في الجولان السورية.
وبذلك تنحصر السيادة «السورية» الفعلية إلى كيلو مترات قليلة خارج دمشق، أما ما عداها فهو خاضع للرقابة «الإسرائيلية» أولاً، والرقابة «الأمريكية» ثانيًا، مثل ذلك مثل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية والمنطقة إما بمستوطنات تخضع للسيادة الإسرائيلية أو بحدود تحميها «إسرائيل»، إن الانسحاب الإسرائيلي سواء من سيناء، أو من غزة والضفة أو ما سيحدث في الجولان هو انسحاب مشروط وخاضع «لفيتو إسرائيلي»، فما هي تلك الشروط ؟
- الشروط الإسرائيلية للانسحاب
الشروط الإسرائيلية الأمريكية تتمثل في سيادة منقوصة على تلك المناطق، «أي أن السيادة الكاملة لمصر هي فقط من قناة السويس غربًا» أما الشرق فهو شبه سيادة، كذلك الحال ستحدد السيادة السورية إلى كيلو مترات خارج « دمشق » وتبقى «الجولان » منقوصة السيادة نفس الشيء يحدث في المناطق الفلسطينية، ولكن يمكن للفيتو الإسرائيلي - الأمريكي على هذه المناطق أن يكون أقل سفورًا إذا ما شارك العرب إسرائيل، رؤيتها الشرق أوسطية الجديدة.
- من السيادة العسكرية إلى السيادة الاقتصادية
إذن مقولة "من النيل إلى الفرات" لم تمت.. ما مات هو وسيلة فرض السيطرة الإسرائيلية، فبدلاً من السيطرة العسكرية على الأرض المحتلة، ربطت أوسلو واحد، الاقتصاد الفلسطيني رباطًا محكمًا بالاقتصاد الإسرائيلي، كذلك طرح «بيريز» مشروع الشرق أوسطية، الذي سيربط الاقتصاد العربي وخصوصًا الخليجي منه بالأسواق الإسرائيلية والاقتصاد الإسرائيلي، بعبارة أخرى تغيرت سيادة إسرائيل على تلك المناطق من سيادة عسكرية مكلفة إلى سيادة اقتصادية مربحة.
وتطرح « إسرائيل» الآن مؤشرات تدل على عدم تخليها عن رؤية إسرائيل الكبرى "من النيل إلى الفرات"، هذه المؤشرات واضحة في أجندة المفاوضات الإسرائيلية، فنأتي «قضية المياه» مثلاً على رأس القضايا التي تناقشها «إسرائيل» مع لبنان وسوريا، ومصر وتركيا، وربما كانت «قناة السلام» التي طرحت أثناء اتفاق «كامب ديفيد» أول مؤشر لتلك الاستراتيجية التي تصور للعالم أن الصراع القادم في الشرق الأوسط ليس على البترول، وإنما على «المياه» إذن لم تتغير المواقف الإسرائيلية، فقط تغيرت الاستراتيجية المتمثلة في أولوية الاقتصاد على العسكرة والاحتلال، وحتى الثانية مازالت «إسرائيل» أكثر تقدمًا فيها من العرب ؛ لأنها مدعومة من أمريكا بضمانات تحمي التفوق العسكري الإسرائيلي، إن ما يحدث الآن هو تغير في اسم اللعبة، ولكن المكاسب تظل في النهاية هي مكاسب إسرائيل، على حساب الاقتصاد العربي والسيادة العربية.
- ما العمل؟
إذا كان ما يحدث هو تغير في «الوسيلة» وليس في «الأهداف» وبالتالي فإن على القادة العرب أن يفطنوا إلى أن اللعبة «الإسرائيلية» - الآن - اقتصادية وليست عسكرية، حتى لا يقعوا في الفخ الإسرائيلي للمرة الثانية، كانت المرة الأولى عندما جاء التصور العربي لــ«فلسطين» كنسخة من التصور « الإسرائيلي» ، فعندما جاء «الإسرائيليون» إلى «فلسطين» أدعوا بأن «فلسطين» هي "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" في هذا التصور كانت الأرض هي المحور، فلعب العرب اللعبة حسب التصور الإسرائيلي، ودافعوا عن الأرض، ولم يدافعوا عن حق الإنسان الفلسطيني، أو قدسية القدس، وبذلك هدرت حقوق الإنسان الفلسطيني والعربي من أجل الأرض، كذلك اليوم يتناسى العرب قدسية القدس بالنسبة للعرب مسلمين ومسيحيين من أجل الأرض نفس الفخ يطرح مرة أخرى - وتصور إسرائيل للعرب - أن السؤال الآن هو الانسحاب العسكري من الأرض حتى نموه على استراتيجياتها المتمثلة في السيطرة الاقتصادية.
إن الهدف من السيطرة الاقتصادية ليس رفاهية «إسرائيل» وحسب، وإنما هي إدخال العالم العربي في سوق «رأسمالي» سيكونون فيه الخاسرين دائمًا؛ ذلك لنقص قدرتهم التقنية، ونقص قدرتهم على المنافسة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل