الثلاثاء 07-ديسمبر-1982
جنود صهاينة في لبنان وراء الفتنة الطائفية.
لماذا لم تنزع «إسرائيل» سلاح الدروز؟
وراء محاولة اغتيال جنبلاط مذبحة استعدت «إسرائيل» لتنفيذها.
«إسرائيل» غير مستعجلة على تحقيق الصلح مع لبنان.
محاولة اغتيال وليد جنبلاط.
الصراع المرير الذي تدور رحاه هذه الأيام على جبل لبنان بين الدروز والموارنة ما أبعاده؟ وإلى أين سينتهي؟
أصوات كثيرة كانت تقول: إن التواجد الفلسطيني المسلح في لبنان هو سبب المأساة التي يعاني منها لبنان.. وقد خرج الفلسطينيون المسلحون من بيروت وجنوب لبنان، ولم يتواجدوا أصلًا في الجبل، لأن الدروز لم يسمحوا لهم بذلك، فهل انتهت مأساة لبنان؟
الموارنة استدعوا القوات الإسرائيلية لتنقذ لبنان من «الغرباء» وتحقق الأمن والسلام في ربوع لبنان فهل تنعم لبنان اليوم بالهدوء والاستقرار؟
الانفجار الذي أودي بحياة بشير الجميل اتخذ ذريعة للقضاء على البقية الباقية من الفلسطينيين في بيروت، وكان من نتيجته المذابح في صبرا وشاتيلا، فما المجزرة التي كان يجري الإعداد لها فيما لو قتل وليد جنبلاط؟
بل ما المؤامرة التي يجري تنفيذها الآن في لبنان بعد خروج الفلسطينيين واستقرار القوات الصهيونية.
صراع قديم:
لا شك أن الصراع بين الدروز الذين يبلغ تعدادهم في لبنان اليوم حوالي نصف مليون نسمة وبين الموارنة ليس صراعًا مستحدثًا، وإنما هو صراع قديم يرجع إلى عهد الدولة العثمانية، حيث تمركزت الأقلية الدرزية وقتئٍذ في الجبل وكذلك الأقلية المارونية، أما المسلمون السنة وهم الأكثرية فقد انطلقوا إلى الساحل والبقاع حيث لا مخاطر تهددهم.
وكثيرًا ما كان ينشب الصراع بين الدروز والموارنة، وكان صراعًا مريرًا، ولكن هذا الصراع تجمد خلال سنوات الحرب بين الفلسطينيين والقوى الوطنية اللبنانية من جهة، وبين الموارنة والتحالفات الكتائبية من جهة أخرى، بالرغم من أن الزعيم الدرزي كمال جنبلاط ومن بعده وليد جنبلاط كان زعيمًا للحركة الوطنية والقوات المشتركة.
ومنذ الغزو الصهيوني للبنان بالاتفاق مع الموارنة الذين استقبلوهم بالورود، لوحظ أن جيش العدو الصهيوني لم يكتف فقط بإبقاء السلاح في أيدي حلفائه الكتائبيين، ولكنه أبقى السلاح في أيدي الدروز، أيضًا بالرغم من أنه جرد القوى الوطنية اللبنانية الأخرى من سلاحها.
ولم يعتقل وليد جنبلاط في قصر المختارة الذي وصلته القوات الصهيونية، وإنما جرى الاتصال به والتباحث معه من قبل اليهود الذين أرسلوا إليه الشيخ أمين طريف الزعيم الروحي لدروز «إسرائيل»، ثم أرسلوا إليه «شمعون بيريز» الزعيم الاشتراكي باعتبار جنبلاط زعيمًا اشتراكيًا، ثم نقلوه إلى بيروت وجرت مصالحة مع رئيس الدولة «أمين الجميل» وفك ارتباطه بالفلسطينيين والقوى الوطنية، بل أعلن حل الجبهة الوطنية والتمسك بما يسمى الشرعية اللبنانية!!
الصلح مع «إسرائيل»:
وبالرغم من الصرخات التي ينادي بها زعماء الموارنة بضرورة الصلح مع «إسرائيل» المنقذة، إلا إن النظام الحاكم في لبنان لا يرى الوقت مناسبًا لذلك، لا سيما وأنه موعود من دول عربية بالمساعدة على إعمار لبنان بعد جلاء القوات الصهيونية.
كما أن «إسرائيل» لیست مستعجلة على هذا الصلح في الوقت الحاضر، لأن هناك مآرب أخرى أهم من الصلح القادم، وهي إنشاء مجموعات من دويلات الطوائف العاجزة ذاتيًا والتابعة عمليًا «لإسرائيل»، والمسخرة لتحقيق الأمن والأمان للكيان الصهيوني، ولعل أمريكا أيضًا غير مستعجلة على تحقيق الصلح بين لبنان و«إسرائيل»، لأنها ترغب وتسعى وتخطط ليكون الصلح جماعيًا بين كل العرب واليهود.
أما وليد جنبلاط الذي لا يخرج من جلباب الطائفيين رغم الواجهة العقائدية والحزبية، فإنه يحن لكيان درزي مميز، ولكنه يرفض أن يكون هذا الكيان «تابعًا «لإسرائيل» وحارسًا لها» وهذا ما صرح به مؤخرًا.
استنفار القوات الصهيونية قبل الاغتيال:
ومن هنا يبدو أن إسرائيل قررت التخلص من وليد جنبلاط وقبل اليوم المحدد لنسفه واغتياله ببضعة أيام، وضعت قواتها في الشوف في حالة استنفار للقيام بعملية اجتياح للشوف وعالية فور مقتل جنبلاط الذي أكدت له... بحجة الحفاظ على الأمن مثلما فعلت مع حلفائها الكتائبيين في غرب بيروت بعد مقتل بشير الجميل، الذي تشير كل الدلائل على أن «إسرائيل» قامت بقتله لتقوم بذبح الفلسطينيين وتصفيتهم وهو هدف مشترك بين اليهود والكتائبيين.
وفيما لو قتل جنبلاط كان من الممكن أن تحصل مذبحة بين الدروز والموارنة، وفي هذه الحالة لا بد أن يستنجد أحد الطرفين أو كلاهما «بإسرائيل» التي تكون جاهزة للمساعدة، ولكن بثمن باهظ وإن كان يبدو براقًا أمام كثير من الطائفيين الذين يحلمون بكيان مميز لطائفتهم، يحقق لهم الأمن والأمان، وما دام الحديث بالحديث يذكر، فإن المذابح التي جرت للفلسطينيين على أيدي اليهود وأعوانهم وحراسهم جعلت كثيرًا من الفلسطينيين وحتى من قادتهم ينشدون الأمان والاستقرار في دويلة.. أو كيان متميز لهم حتى ولو كان في مدينة مثل أريحا.
وطبعًا هذا الهدف المحدود ناتج عن يأس وضغط شديدين.
وعندما يصل اليائس المزموت إلى هذه النتيجة يكون الطرف الآخر وهو في هذه الحالة «إسرائيل» قد حقق الهدف الذي يسعى إليه، فإسرائيل في هذه الحالة تكون أشبه برجل المخابرات، والشعب اليائس يكون أشبه بالمعتقل الذي واجه صنوف القهر بما لا طاقة له بتحمله ثم انهار، وهو يحسب أنه عثر على الخلاص وأنه «ليس في الإمكان أبدع مما كان!!» وكما يعلم أساطين علم النفس الاجتماعي، فإن الأسير في هذه الحالة سواء كان فردًا في زنزانة، أو شعبًا في دويلة يكون قد ملك نفسه لعدوه يضع فيه ما يشاء برضى زائف وتبرير مفتعل.
انسحاب «إسرائيل» واشتباك بالمدفعية:
نعود إلى لبنان.. ففي الوقت الذي جرت فيه محاولة اغتيال وليد جنبلاط انسحبت القوات الصهيونية من عدة قرى في الشوف وعالية لتفسح المجال لاشتباكات عنيفة بين الدروز والموارنة، ومنعت قوات لبنانية من التوجه إلى المنطقة لفض الاشتباك بين المتقاتلين، والأمر الذي استجد بعد ذلك أن الاشتباكات تطورت لتصبح بالمدفعية الثقيلة.
ولعل الاشتباكات التي حدثت بين قرية «عينات» الدرزية وقرية «سوق الغرب» الكتائبية بعد ساعات من انسحاب القوات الصهيونية يشير بوضوح إلى دور «إسرائيل» في هذه الفتنة الطائفية.
ولا نريد هنا أن نورد تصريحات رئيس الدولة اللبنانية ولا تصريحات وليد جنبلاط عن دور اليهود في هذه الفتنة، فالأمر لا يحتاج إلى شهود إثبات، فطبيعة اليهود العنصرية الطائفية لا تستقر إلا بإيجاد مجموعة من دول الطوائف تحيط بها كحزام أمني يمنع أي وحدة إسلامية تكون قادرة في المستقبل على استئصال هذا السرطان الصهيوني الخبيث.
«إسرائيل» تصول وتجول في الساحة اللبنانية هذه الأيام، لأنها تعرف ما الذي تريده بالضبط، أما نحن فلا نعرف ما تريده «إسرائيل» ولا نريد أن نعرف، ولذلك نقع في أحابيلها ونتخيط في شباكها، وهي ترفع الشعار المناسب في الوقت المناسب، هي التي دخلت لبنان بالاتفاق مع بشير الجميل ثم قتلته بعدما انتهى دوره لتستغل قتله في تحقيق مآرب أخرى.
وهي التي أخرجت الفلسطينيين من بيروت ولم تطاردهم إلى البقاع والشمال، ولم تلح على خروجهم مع السوريين من لبنان الآن، لأن خروجهم يفقدها مبرر بقائها بعد ذلك في لبنان، وهي التي تلوح بالدولة الدرزية وتقسيم لبنان ليخضع الموارنة الذين يطمحون لحكم كل لبنان، ليخضعوا لمطالب «إسرائيل» ويقبلوا بالحماية الإسرائيلية، وهي التي توعز للموارنة بضرب الدروز بحجة عدم تقسيم لبنان، ليشعر الدروز بحاجتهم إلى کیان مستقل محمي من «إسرائيل»، ولذلك فمن المتوقع ازدياد الصراع الطائفي في لبنان مع استمرار التواجد الإسرائيلي حتى ترضخ لبنان موحدة أو مجزأة للهيمنة الصهيونية، ويجري عليها ما جرى لمصر من خضوع واستكانة، وبعد ذلك تنتقل «إسرائيل» إلى جبهة أخرى حتى يتحقق حلمها التاريخي «من النيل إلى الفرات ملكك يا «إسرائيل»».
فكيف يمكن وقف هذه الهجمة الصهيونية الشرسة المدعومة بالدول الكبرى؟
يتم ذلك بالإسلام حين يعمر القلوب فيحول الإنسان من كائن خامل غافل إلى طاقة فعالة متحركة واعية لذاتها عارفة لأعدائها ،مستعينة بالله، ترفض المذلة والهوان، وتعمل من أجل العزة والحرية، أما الطائفية البغيضة ضيقة الأفق التي تستعين بأعداء الله وأعداء الأمة لكي تصبح شيئًا ذا بال فإنها لن تقبض إلا الريح، ولن تحصد إلا الهشيم.