العنوان إشكاليات الأدوار المتداخلة.. بين الواعظ والجمهور (۲ من۲)
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007
مشاهدات 67
نشر في العدد 1757
نشر في الصفحة 66
السبت 23-يونيو-2007
جمهور الوعاظ في المجتمعات الإسلامية جمهور واسع وعريض، وله حضوره في كافة الشرائح الاجتماعية، وهذا الإقبال على الوعظ والإرشاد الديني هو نتيجة طبيعية لتدين المجتمعات، وتجذر الأثر الوعظي في نفوس الناس، وهو أثر إيجابي يتسق مع فطرة الإنسان، ويشبع حاجة الروح المتمردة دومًا على مادية الحياة المعاصرة.
وهذا ما يفسر ظاهرة بروز المرشد والواعظ الديني كنجم حين يحسن الدخول على كوامن القلوب، ويجيب عن الأسئلة الحائرة الغائرة في أعماقنا جميعًا، فالبرامج الفضائية والكتيبات والأشرطة تشهد بهذا التنامي المطرد مهما حاول منافسوهم من التيارات المضادة تبرير هذا الحضور الوعظي وتهميشه بالظروف السياسية المحبطة والتدهور الاقتصادي والضمور الفكري لدى أولئك العوام المتلهفين.
أمام هذه الحالة الراهنة للعلاقة المتينة بين الواعظ وجمهوره أجد أن هناك حاجة ماسة لنقد سلبيات هذه العلاقة وترشيدها إيجابيًا بدلًا من افتعال خصومة عقدية مع كل محاولة للتجريد أو الترشيد، والذي ينبغي أن تتسع له الصدور بدلًا من أن تحاربه وتتخندق ضده، هناك ملاحظات عدة أدت إلى تداخل الأدوار بين الواعظ وجمهوره، فأصبح الوعظ لدى البعض هو ما يريده الجمهور من تفسخ وميوعة للثوابت الدينية، أو إشباع لميوله الظرفية وحاجاته الآنية، ولو كانت مآلاتها المستقبلية خطيرة مثل توجيه الناس لمواقف سياسية أو شحنهم للمواجهات الصدامية مع المخالفين والمتربصين بالتيارات الإسلامية والتي قد تكون -للأسف- انتصارًا لشخص الواعظ في قالب الدفاع عن الإسلام، وقد يتقمص الجمهور حالة الواعظ وربط النجاة الأخروية به، فيعمد الجمهور مهما كان تنوعه الثقافي والتخصصي إلى تقليد الواعظ في تفاصيل حياته حتى اليومية، وهذا ما جعل عددًا من الأطباء والمهندسين يتجه إلى ممارسة الوعظ الديني من غير التمكن الكفائي لأداء هذا الدور مع تضييع الثغر الذي قد لا يسد من غيرهم.
أما عن الخطاب الوعظي المعاصر فقاعدته التي يجب أن يرجع إليها عند حدوث النوازل والمستجدات، وتسارع المتغيرات على المجتمعات، هو ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام من الإيجاز في الوعظ بدلًا من الإطالة والإكثار الممل، والتبشير والتيسير بدلًا من التشديد والتنفير، وتغليب خطاب الرحمة والرجاء بدلًا من خطاب الوعيد والتخويف في كل حال ومقام، والجمع بين البناء الواعي لفكر المتلقي والتأثير العاطفي في الأسلوب والحديث، مع ضرورة النزول من علياء الترفع باسم المفاصلة والعزلة عن الغوغاء والعوام إلى محاكاة جميع أفراد المجتمع في أعرافهم المقبولة والتقرب من واقعهم المشهود والسماع منهم والحوار مع المخالفين منهم، والتبسط في التعايش معهم، وكم ألحظ وللأسف أن بعض فضلاء الوعاظ من يتعمد المسير ضمن الأتباع وتكلف الحماية من الحاشية والرفاق، ولا يصله أحد من المحبين والمعجبين إلا بعد معاناة، وقد لا يحظى منه إلا بكلمات معدودة أو دقائق محدودة.
أعتقد أن الوعظ المعاصر في ظل تغير أنماط وميول الجمهور في الوقت الحاضر يحتاج إلى رسم حدودي يضبط العلاقة بين أقوى عناصر التأثير داخل المجتمعات المحافظة، ويستدعي التطوير الدائم للخطاب الوعظي ليس في أدواته السماعية، بل في محتواه الفكري ومضمونه الدعوي، خصوصًا أن الحدود الجغرافية لهذا الخطاب بدأت تتلاشى لتصل إلى مجتمعات قاصية تختلف كليًا عن واقع الواعظ الجغرافي، مما يجعله أمام مهمة ليست بالهيئة أو السهلة في مراعاة هذا التنوع وتجاوز محدودية الانكفاء على صورة واقعه المحلي، وأن الكلمة التي تقال في محفل أو جامع أو في لقاء تلفزيوني عابر لن تتلاشى من أذهان الحاضرين عند مغادرتهم لأبواب الجامع أو بعد إقفالهم لجهاز المشاهدة، بل ستتلقفها أذهان ونفوس شعوب ومجتمعات تعلم أنها تسمع الإسلام الحقيقي دون مناقشة وستطبقها ربما بدون فهم.
لقد أصبح الواعظ في بعض الأحيان هو الطبيب والسياسي والمهندس والمفكر والناقد، والدخول في هذا المعترك المتشابك والمعقد يجدد بشكل مستمر أزمة الأدوار المتداخلة والمراوحة في مكانها، والتاركة للمزيد من الثغور، المتكشفة للأدعياء والمتربصين.