; إشكاليات دعوية وحركية في غيبة المرجعية الراشدة المرشدة (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان إشكاليات دعوية وحركية في غيبة المرجعية الراشدة المرشدة (1 من 2)

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

مشاهدات 75

نشر في العدد 1179

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

هناك قواسم مشتركة كثيرة في الإسلام تمثل أرضية لتلاقي واجتماع المسلمين أجمعين

أليس جريمة في حق الإسلام والمسلمين أن تتهيأ إسرائيل للهيمنة على الأمة.. فيما يقتتل بعض المسلمين على طول اللحية والجلباب وموضع اليدين في الصلاة؟

من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، أن الإسلام هو خاتم الرسالات والذي يمثل قمة الكمال والإكتمال للرسالات والنبوات جميعا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة:3).

والدعوة إلى الإسلام من هذا المنظور، ومن خلال هذا المنطلق تعتبر فريضة شرعية وضرورة بشرية، ليس للمسلمين فحسب، وإنما للناس أجمعين، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (المائدة: 67)، هذا مفهوم لا يختلف عليه أحد من المسلمين خاصتهم وعامتهم.

إنما الإختلاف واقع في تصور الدعاة والعاملين للإسلام لطرائق العمل الإسلامي وأساليبه ومناهجه، بل لكثير من مبادئه وشروطه.

هذا الإختلاف أدى إلى تعدد المدارس والتيارات الإسلامية، وإلى نشوء مشكلات كثيرة بعضها كبير وخطير، ليس على الدعوة الإسلامية فحسب، وإنما على الإسلام كرسالة حضارية الهدف منها إنقاذ البشرية مما تعاني منه من بؤس وشقاء ومشكلات ومعضلات على كل صعيد

  1.  جماعةٌ من المسلمين لا جماعةُ المسلمين

ونبدأ الكلام بتناول قضية أساسية من خلالها تتوالد المشكلات وتتكاثر الأخطاء والمعضلات وتتعاظم الخلافات والصراعات على الساحة الإسلامية، وهي قضية اعتبار كل فريق يدعو للإسلام أنه يمثل الإسلام، ويمثل جماعة المسلمين، وليس جماعة من المسلمين، وهذا ما يؤدي في معظم الأحيان إلى الغلو والتطرف والاستكبار، ومحاولة كل فريق العمل على إلغاء الفريق الآخر، مع أن المنظور الشرعي يخالف هذا النهج تمامًا، من خلال قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ (المائدة:2)

  1.  قاعدةُ تَغَيُّرُ الأحكامِ بتغيرِ الزَّمانِ 

وإذا كانت الهجمة على العرب والمسلمين شرسة وضارية، وعلى مستوى عالٍ من التخطيط والوعي والدقة، فإن ذلك يقتضي مواجهتها بعمق وتخطيط وبعد نظر، ومعرفة بالعصر، وعلى قاعدة وجود تغير الأحكام بتغير الأزمان، وفي ضوء فقه الأولويات وفقه التوازنات.

 إن الدعوة وخطابها ومشروعها يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كل الظروف المحيطة من تركيبة المجتمع إلى تعدديته الحضارية والثقافية، إلى انتماءاته السياسية، إلى قدراته ومشكلاته الإقتصادية، إلى علاقاته الإقليمية والدولية وإلى غير ذلك من الإعتبارات.

 إن الدعوة الإسلامية حتى تتحقق أهدافها القريبة والبعيدة يجب أن يحملها مشروع عقلاني علمي، يراعي مقتضيات الواقع ومتطلبات المرحلة، ضمن بعد استراتيجي مبدئي وثوابت شرعية موثقة وقطعية الثبوت والدلالة.

إنه ليس من السياسة الصحيحة للعمل الإسلامي تلك التي تجنح، ثم تضطر إلى التراجع، وتلك التي تتطرف فتضطر إلى التساهل، وتلك التي تغالي فتضطر إلى الاعتدال فالسياسة النبوية كانت تقوم على قاعدة ثابتة هي "أن رسول الله r ما خُيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا». (الصحيحين)

إن السياسة الصحيحة للعمل الإسلامي هي التي تحقق استمرارية العمل ونوعية الأداء ولو بفاعلية وحجم أقل، انسجامًا مع التوجيه النبوي الخالد: القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.

  1.  ثوابتٌ لاَ بُدَّ من النزولِ عندها

في الإسلام قواسم مشتركة كثيرة جامعة وموحدة، وثوابت متعددة تمثل أرضية لتلاقي واجتماع الشرائح الإسلامية والمسلمين أجمعين وليس في الإسلام ما يفرق ويمزق، وما يكفر وينفر، لماذا نقفز أحيانًا فوق ما يجمعنا وصولًا إلى ما يفرقنا ويمزقنا؟ أليس في ذلك مخالفة لآيات قرآنية صريحة منها على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. (آل عمران:١٠٥)، وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران :۱۰۲)، وقوله: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦). 

إن في الإسلام ثوابت لم تكن في يوم من الأيَّامِ موضع خلاف بين المسلمين فضلاً عن العاملين والدعاة والعلماء العاملين، منها:

  • إن الدعوة إلى الإسلام مبدأ ثابت لا يجوز استبداله تحت أي ظرف أو مبرر بالدعوة إلى أية فكرة أو فلسفة، أو نظرية وضعية مخالفة للشريعة الإسلامية.
  • وإن العمل من أجل إقامة حكم الله في الأرض، وتحكيم شرعه على الوجه الذي فعله رسول الله r، ووفق القواعد والأصول التي اعتمدت، مبدأ ثابت لا يخضع لاجتهاد مجتهد أو تأوَّيل متأوِّل.
  • وإن العمل على تحقيق وحدة المسلمين على أساس الإلتزام بالإسلام، والتقيد بأحكامه، والتحلي بأخلاقه وأدابه، ووفق خصائص الإسلام في التكامل والشمول والواقعي والعلمية والعالمية والتخطيط والتنظيم، يعتبر مبدأ ثابتًا لا يجوز أن يكون محل خلاف بين المسلمين. 
  • إن السعي إلى بناء الفرد المسلم والجيل الإسلامي، وتأهيله للإضطلاع بحمل الرسالة ونقلها قولًا وعملًا وجهادًا، وتحقيقًا في البيت والمجتمع، مبدأ ثابت لا يجوز التهاون فيه أو الإقلال من قيمته وشأنه. 
  • إن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منظور الشريعة وأولويات أحكامها، مبدأ ثابت لا يجوز تعطيله أو إلغاؤه إن دعوة أولي الأمر للجهاد في سبيل الله، وما يلزم ذلك من إعداد على كل مستوى وصعيد، وامتلاك أسباب القوة المتكافئة مع مهمات وأعباء المواجهة مع العدو مبدأ ثابت كذلك.
  • إن اعتبار أن الأصل في الدعوة إلى الإسلام، هو سبيل الإقناع بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة، وليس سبيل الإكراه والعنف، مبدأ ثابت في الإسلام.

والإسلام ترك إلى جانب هذه الثوابت مساحات اجتهادية، تغطي كل الإحتياجات، وتتصل بأحوال وظروف وقدرات وأوضاع المسلمين لدى تطبيق الأحكام الشرعية، بما لا يشكل عبئا على العاملين وعنتًا للمسلمين، وهو الذي كان محل اجتهاد وتباين في الرأي بين علماء الأمة، والذين اتفقوا جميعًا على أن من خالف مضمون نص لم يبلغه أو معنى نص غير قطعي الدلالة، لأنه لم يظهر له، أو بذل جهده في استبانة مراد الشارع في مسألة، فرجح عنده فيها شيء فعمل به مخطئاً، فهو معذور.

وهذا يفرض ملاحظة ما يلي:

أ - إن تطبيق الحكم الشرعي يلزمه توفر شروطه.. فالدعوة إلى الإسلام فريضة ولها شروط والجهاد فريضة وله شروط. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وله شروط..وإقامة حكم الله في الأرض فريضة ولها شروط... إلخ.

ب - إن الأصل في الأحكام الشرعية أنها تنظر إلى كل الحالات والظروف، وليس إلى حالة وظروف محددين والمجتهد الحق هو من عرف عصره وحسنت سيرته وسريرته. 

ج - إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها.. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل... فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه .

 

  1.  بين الوحدة والتعددية

وحدة الساحة الإسلامية فريضة شرعية

إن مما لا شك فيه أن الأصل في الشريعة هو وحدة المسلمين ووحدة العمل الإسلامي، ووحدة الصف الإسلامي، وليس تعدده وتشرذمه، وإن هذه الوحدة تعتبر فريضة شرعية من عدة وجوه: 

أ - الأصل وحدة المسلمين ووحدة الأمة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:۹۲)، وقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: ٥٢)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم وأحمد). 

ب - والأصل في الشريعة الحض على الوحدة والبعد عن الخلاف، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:۱۰٥)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام:١٥٩)، وقوله r: "من فرق ليس منا يد الله مع الجماعة، وإنما يأكلُ الذئب من الغنم القاصية" (الطبري) 

ج - والأصل التزام جماعة واحدة، وإن كان المسلمون جماعات فلا بُدَّ لهم من إطار جامع يتم خلاله التعاون بينهم لقوله ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا ما كان (رواه مسلم). ولحديث:«دعانا النبي فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا تنازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (رواه البخاري)

وحدة الساحة الإسلامية ضرورة بشرية

وفضلاً عن كون وحدة الساحة الإسلامية فريضة شرعية، فإنها كذلك ضرورة بشرية للمسلمين وغير المسلمين، ذلك لأسباب كثيرة منها:

  1.  إن العمل الإسلامي وأهدافه الكبيرة ومقاصده العظمي، يستلزم تضافر قوى المسلمين جميعًا في مسيرة واحدة، وضمن خطة موحدة، في حين أن تشرذم هذه القوى سيحبط العمل، ويعرقل المسيرة، ويجعل الإنتاج محدودًا على كل صعيد. 
  2.  إن وحدة التواطؤ والتأمر على الإسلام وبخاصة وحدة المشروع الأمريكي الصهيوني يفرض وحدة التصدي من المسلمين، ووحدة المجابهة والإعداد منهم، الإحباط ما يُعدُّ لهم من مؤامرات على كلِ صعيد. 
  3.  أن تفكك الصف الإسلامي من شأنه أن يجعل بأس المسلمين بينهم، ويفتح في صفوفهم وبلادهم ثغرات يتسلل منها إليهم أعداء الإسلام، وهذا ما يجري اليوم من خلال التهافت على التطبيع مع العدو الصهيوني.

 وإذا ما انتقلنا إلى واقع الساحة الإسلامية لاستكشاف حالتها وسبر أغوارها لطالعتنا الكثير من المشكلات، نذكر منها ما يلي: 

  1. خلل في البنية الفكرية

فهنالك خلل في البنية الفكرية جعل الساحة الإسلامية في كثير من الأحيان تحفل بالشعارات، ولكن من غير محتوى، وتحفل بالنظريات، ولكن من غير تطبيق، وتحلق في سماء الأماني والأمنيات إن لم نقل الأحلام والأوهام، ولكن على غير واقعية.

وهنالك خلل في البنية الفكرية، جعل بعض شرائح الساحة الإسلامية يضيقون ما وسعه الله، ويحرمون ما أحله الله، ويسيئون إلى جمال الإسلام وجماليته بقصد وبدون قصد. 

بل جعل البعض يعيش حالة من الإهتمام البالغ بمفردات وجزئيات لا تمت إلى جوهر العقيدة في شيء ولا إلى جوهر الشريعة في شيء، وكلها أمور من فروع الدين المختلف عليها منذ فجر الإسلام، بدل الإنشغال في القضايا الكبرى التي لم يختلف عليها سلف الأمة ولا خلفها.

أليس جريمة في حق الإسلام والمسلمين نشوء خلاف بل صراع بلغ حد الإقتتال على الساحة الإسلامية حول جواز استعمال «السبحة» وطول اللحية والجلباب، وموضع اليدين في الصلاة وغيرها، في وقت تتهيأ فيه إسرائيل للهيمنة على الأمة، عبر مشروع النظام الشرق أوسطي الذي يهدد وجودنا ومصيرنا، فضلًا عن شخصيتنا وتراثنا؟!

  1. الخلل في البنية النفسية

وهنالك خلل في البنية النفسية، حيث يتحكم الهوى والمزاج بالتصرف بدل الشرع والعقل، ويتحكم الجهل بالمسار بدل العلم والمعرفة، فإذا بالساحة الإسلامية وقد استحالت جزارًا يسفك الدماء، ويروع الآمنين، ويقدم صورة بشعة مقززة عن الإسلام والمسلمين، لا تمت إلى حضارة الإسلام بصلة، من هنا جاءت القاعدة النبوية تحدد شروطا صارمة للدعاة، وأوصافًا دقيقة للعاملين، تتجلى في قوله r: "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُوُلُةُ، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". 

 ولكن في حال فقدان المرجعية الضابطة للأداء تصبح الساحة الإسلامية غابة يتشابك فيها المشروع مع غير المشروع، والجائز مع غير الجائز، ويضحى فيها الإسلام الخاسر الأكبر، ومن أبنائه قبل أعدائه.

  1. غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة
  • في غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الإعتدال والوسطية، ويصبح الغلو عنوان التدين والمتدينين، مع استرذاله واستقباحه من قبل من بعث رحمة للعالمين وهو القائل: لا تغلوا في دينكم.. والقائل: ألا هلك المتنطعون والقائل إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.
  • وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الحكمة، وتصبح الشدة والغلظة رمز الشجاعة، وعنوان البطولة، مع نهي رسول r عنها وتحذيره منها، وهو القائل: «يسروا ولا تعسروا. وبشروا ولا تنفروا .. ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، وبالرغم من النص الصريح في كتاب الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:159) ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل :125) ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ( العنكبوت:46). 
  • وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه المعرفة ويصبح كثير من الدعاة والعاملين في حقل الدعوة جاهلين لأبجديات العلم فضلًا لأولوياته، ويخلطون بين الأهداف والوسائل، ولا يعرفون شيئًا عن جغرافية ساحة العمل، فضلًا عن الساحات الأخرى وتضاريسها ومشاكلها، والقوى المتواجدة فيها، فضلًا عن الأعراف والتقاليد والأنظمة والقوانين التي تحكمها.

 فمن هؤلاء من يود القفز فوق نواميس الحياة، وقوانين الطبيعة والسنن الكونية، ويحسبون أن الحكم بالإسلام يمكن أن يتم بانقلاب خاطف أو سحر ساحر، وأن دور الإعداد التربوي والبناء الفكري، والثقافي، والإجتماعي، والإقتصادي، والإعلامي، يمكن أن يأتي في مرحلة لاحقة، وفي وقت لا يملك هؤلاء مشروعًا للأداء الدعوي الناجح، فكيف برعاية شؤون الأمة المختلفة، وعبر أداء سياسي، وتشريعي وإداري واقتصادي ناجح وفي واقع فاسد. 

إن هذا النهج، وهذه الظاهرة تصطدم اصطدامًا كليا مع القاعدة الربانية التي تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ(الرعد: ۱۱).

  • وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الولاء، ويمكن أن تعتبر بعض الجماعات أو الجمعيات أو المنظمات نفسها «غاية وهدفًا» بحد ذاتها، بحيث تصبح الدعوة إلى التنظيم لا إلى الإسلام، ويصبح الولاء للتنظيم لا لله، في حين يجب أن يعتبر الجميع أنفسهم وسائل لتحقيق أهداف الإسلام وغاياته القريبة والبعيدة.
  • وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة، يغيب فقه المكاشفة، وتتراجع حالة النقد الذاتي، ويغلق باب الحوار والمناصحة، وتتفاقم حالة الشذوذ الجماعي، وتتوقف فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخليًا، في حين تنشط وبشراسة خارجيًا، وقد يصل الأمر بالبعض إلى حالة التستر على المشكلات والعلل الداخلية التي يعاني منها، بينما هو لا يتورع عن تتبع مشكلات الآخرين وكشف سوءاتهم، وهذه إحدى صفات اليهود، وليست صفة إسلامية بحال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ۷۹،۷۸).
  • في غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه القدوة، وتتعطل التربية بالقدوة وهي التربية الأكثر أثرًا مع الآخرين، والأكثر جذبًا للناس إلى الدعوة من الكلمات والخطابات والنظريات، وفي الأثر إن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، وعن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه: «من نصب نفسه إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، ومعلمٌ نفسه، ومهذبُها، أحق بالإجلال من مُعلم الناس ومهذبُهم.
  • وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الإخلاص ويصبح العمل للإسلام احترافًا لا احتسابًا، ويمكن أن يصل الأمر إلى حد توظيف الإسلام والدعوة لخدمة الفرد والتنظيم وخدمة أغراضه، بدل أن يوظف الجميع لخدمة الإسلام.

وَلَكَمْ أعجبني قول القائل: (إن الجماعات والجمعيات التي تدعو للإسلام ليست مراكز احتكار له بعيدة عن جماهير الأمة ومنفصلة عن جسمها وأهدافها، وإنما هي مجموعات ترجو أن تكون أكثر كسبًا للقضية الإسلامية وأشد اهتمامًا بها، يجب أن تكون مراكز متقدمة تتمثل الإسلام، وتعطي نموذجًا عمليا للحياة الإسلامية، وتدرب على المعاني الإسلامية، وتمثل الإسلام بصورة عملية لتغري بسلوكها الجاهلين بحقيقة هذا الدين، وتكون لهم دليلًا ومرشدًا، ولا تحتكر الخير، وتنتهي إلى تشكل غريب في جسم الأمة، بعيد عن حمل أهداف الجماهير والدفاع عنها، والتحمل في سبيلها، (كتاب: نظرات في سيرة العمل الإسلامي العمر عبيد حسنة).

 

الرابط المختصر :