; إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي (٤) الدعوة والسياسة | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي (٤) الدعوة والسياسة

الكاتب د عبد الحميد أحمد أبو سليمان

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2012

مشاهدات 47

نشر في العدد 2019

نشر في الصفحة 44

السبت 15-سبتمبر-2012

توظيف كلا المجالين بشكل فعال لإعادة بناء المجتمع وتحقيق غايات الإسلام وقيمه 

العمل الدعوي تربية وتعليم قيمي أخلاقي ورعاية اجتماعية للضعفاء والمحتاجين

من مبادئ الحزب الإسلامي: العدل والمساواة والتكافل وحفظ الحقوق والحريات واحترام خيارات الأمة

العمل السياسي: برامج تهدف إلى إدارة الحياة العامة بما يخدم مصالح الجمهور بفئاته المختلفة

الإشكال الأكبر الذي تواجهه مؤسسات الحركة الإسلامية في جل البلاد الإسلامية هو مشكلة الفهم الصحيح لطبيعة العملين الدعوي والسياسي ومناهج ووسائل ومجالات كل منهما، فبالفهم الصحيح يمكن للأمة أن توظف كلًا منهما بشكل فعال في إعادة بناء المجتمع والأمة، وتحقيق غايات الإسلام وقيمه ومفاهيمه ومقاصده.

العمل الدعوي: فعمل الدعوة هو التربية والتعليم القيمي الأخلاقي الاجتماعي والرعاية الاجتماعية للضعفاء والمحتاجين ولا يتعارض هذا الدور مع دور مؤسسات تعليم القدرات والمهارات الحياتية الضرورية الرفاهية الأمة وتوفير حاجاتها.

العمل السياسي: أما العمل السياسي فيتعلق بالبرامج التي يجب أن تهدف إلى إدارة الحياة العامة، بما يخدم مصالح الجمهور بفئاته المختلفة، دون إجحاف باية فئة. 

ويأتي دور جماعات الدعوة في الأساس في تعليم ثوابت الدين وقيمه ومفاهيمه ومقاصده بالأسلوب الصحيح الذي ينطلق من خطاب حب الله الهادي الغفور الودود الذي يحب المؤمن ويرعاه، لأن المؤمن يعمل من أجل تحقيق العدل والإصلاح، ويعتقد بفطرته السوية أن الله يكره الظلم والظالمين والعدوان والمعتدين المصرين المعاندين قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:86)، وقال أيضًا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:57)، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة:51)، لأن ظلام نفوسهم يمنعهم من تلقي نور هداية العدل ورحمة الرحمن الرحيم.

قاعدة انطلاق

والدعوة بهذا المفهوم هي قاعدة الانطلاق في مجال «السياسة الإسلامية» التي تبني ضميرها بما يجعلها تحرص على بناء مؤسسات أنظمة الحكم وإدارتها، وكذلك برامج الأحزاب السياسية، لتكون قادرة على تحقيق المصالح الحياتية على أساس من القيم والمقاصد الإسلامية السامية. 

فالمعركة الحقيقية لإعادة بناء المجتمع الإسلامي تكمن في استعادة الأمة لحقوقها وواجباتها في حرية العمل وحرية الاختيار وحرية العقيدة وحرية الفكر، وحرية الدعوة إلى المبادئ والقيم والمقاصد الإسلامية القرآنية التي لا يختلف عليها جمهور أبناء الشعوب الإسلامية كالإيمان بالله ورسله وكتبه وقصد العدل والمساواة والإخاء والتكافل والإحسان والإتقان والسعي بالإعمار، وضمان حق الحرية والاقتناع وحمل واجبات المسؤولية وأداء الحقوق والتزام كرامة الإنسان، ورفض جميع الوان الاستبداد والفساد ونبذ ممارسات الظلم والعنصرية.

قيم الإسلام

ومن هنا فإن على مؤسسات الدعوة الا تنشغل إلا بأعمال الدعوة الخالصة إلى قيم الإسلام والسلام في علاقات الحياة العامة دون أن تملي على أحد أي خيار أو رؤية باسم المقدس لبرنامج حزب أو آخر، أو جماعة أو أخرى، أو أي فرد بعينه، بل على الدعاة ومؤسسات الدعوة أن تحترم عقل كل مسلم وكل مواطن، وأن تحترم خياره ليقرر ما يراه محققًا لذاته وقيمه ومصالحه.

ومن هنا فلا يصح لأية سلطة أن تأمر أي مواطن أو تلزمه كيف يكون خياره، فالناس في حق الاختيار سواء، وخطاب الشورى في الشأن العام موجه إلى جميع المسلمين، وليس إلى فئة دون أخرى، أو قائد وتابع أو عالم وجاهل أو سيد ومسود، وتنحصر مسؤولية الدعوة في هذا أن تحرص ما أمكنها على أن يكون جميع أبناء الإسلام واعين ومؤمنين بقيم دينهم ومبادئه ومقاصده وثوابته، ولا يكون العلاج إن كان هناك قصور بسلطوية الأمر، ولكن بمزيد من جهد التربية والتوعية ولا غير ذلك.

أقلية معزولة: إن ما يتصل بالسياسة ونوعية برامجها المستمدة من قيم الإسلام ومبادئه - إن صح التعبير عنها - هي ما يتفق بشأنها جمهور المواطنين من مسلمين وغير مسلمين والفرق هو أن المسلم يعد الالتزام بقيم الإسلام ومقاصده التزامًا دينيًا وأخلاقيًا، وليس التزامًا مصلحيًا، وعند ذلك فلا خوف من المنحرفين عن جادة الحق، فلن تصغي لهم الجماهير، وسيبقون دائمًا أقلية معزولة. 

أما قانون الأحوال الشخصية فهو الذي تختلف فيه فئات المواطنين مسلمين وغير مسلمين، وهذا الأمر يترك للخيار الشخصي ولا مجال فيه للإكراه، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقر256)، وكل مسؤول عن خياره.

فطرة سوية

ولو أحسن الدعاة دعوة الأمة إلى الإسلام دين الإنسانية، وأحسنوا خطاب الكرامة والحرية والود والعدل والتكافل، لكان خيار النفوس السوية هو القبول لقيم الإسلام الفطرية السوية الذي يهدف إلى العمل الخير، والسعي لأن يكون الإنسان خليفة مكرما بالإصلاح والصلاح في الحياة الدنيا «إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر » (۱)، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90).

تراجع دعوي

علينا أن نقر أنه ما كان لخير أمة: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ۱۱۰) أن تكون على ما هي عليه من فردية وأنانية وتخلف ومهانة، إلا بسبب ما أصاب فكرها وفهمها لإسلامها جراء تراجع جهود الدعوة في تاريخها، والذي أدى إلى تشوه فكر الأمة وثقافتها، وكان هذا بسبب تجنيد «نقابات الفراعنة» لـ «نقابات الكهنة» من المثقفين ومن المهنيين والإعلاميين، ومن الذين لبسوا زورًا وبهتانًا لبوس الدين، لتكون نقابات الكهنة هي الناطقة زورًا باسم المقدس واحتكار المعرفة والصواب، خدمة لـ «نقابات الفراعنة». وتمكينها من احتكار السلطة والثروة على ما رأينا وما نرى في تاريخنا، وفي كثير من البلاد الإسلامية في عصرنا الحاضر.

اختيار الأصلح

إن الأمم التي تمسك بمقاليد اختيار من يحكمها، تختار من يحترم قيمها ويلتزم مبادئها، وتختار من يقدم البرامج التي تخدم مصالحها بكفاءة، ويتصف رجاله بأكبر قدر ممكن من القدرة والنزاهة. 

ولن يتحقق هذا في المجتمع إلا إذا أدت الدعوة دورها في التبليغ والتربية والتعليم. 

وخيار الجمهور لا يقتصر على ما تستند إليه برامج الأحزاب من القيم والمفاهيم والمبادئ والمقاصد، بل يمتد بالقدر ذاته من الأهمية، إلى ما تمثله برامج الأحزاب وقياداتها لمصالحه التي تتفاوت القيادات السياسية وبرامجها في تقديرها، وفي القدرة على تنفيذها، وبهذا تصبح الأمة هي الوصي على السلطة وعلى رجال الحكم، وذلك من أهم الأسباب التي تمنع الفساد والاستبداد وتحول دون استيلاء الحكام على الثروات واحتكارهم لها باحتكار السلطة.

وبهذا يكون الدين القيم وقيمه جزءًا لا يتجزأ من فكر الأمة ومن خياراتها السياسية وتوجيه لبرامج الأحزاب السياسية.. ولا مجال هنا إلى أي ادعاء يهدف إلى أي فصل أو تغيب لدور الإسلام في مجال السياسة.

برامج الأحزاب

كيف تبنى برامج الأحزاب الإسلامية السياسية؟

إن ما يحدد هوية الحزب الإسلامي هو إعلان مبادئه، التي تكون هي المبادئ والغايات الإسلامية الأساسية العليا: العدل والمساواة والتكافل وحفظ الحقوق والحريات، بما في ذلك حرية الأديان، والاحتكام إلى جمهور الأمة واحترام خياراته.

وينبغي أن يأتي إعلان مبادئ الحزب واضحًا، وتكون منطلقاته وغاياته الدستورية واضحة، بحيث يجمع ولا يفرق، ويعبر عن منطلقات الإسلام وثوابته الأخلاقية الشاملة في إدارة الحياة العامة، دون اقتصار النص في إعلان هوية الأحزاب الإسلامية على العبارات الفضفاضة مثل عبارة: التزام أحكام الشريعة الإسلامية، لأن السؤال الذي يترتب على ذلك: ماذا يعني الحزب بالشريعة الإسلامية وأحكامها؟ ووفق أي مذاهب الأمة وطوائفها وفقهائها ومجتهديها تلتزم هذه الأحكام؟

قدرة مهنية

وعلى هذا، فإن على جماعات الحركات الإسلامية، أن تتخصص في أعمال الدعوة وتربية الناس، وتترك أمر الحزبية السياسية لمن يرغبون في العمل السياسي، ولمن تميزوا بالقدرة المهنية السياسية، التي تستوجب التعامل مع الواقع وتقدير المصالح والتعامل مع أهون الضررين وأن تتعدد الأحزاب السياسية الإسلامية بتعدد الرؤى، لأنها وإن اتفقت في التوجه الإسلامي والتزام مبادئه إلا أنها تتفاوت في الرؤى والقدرات في خدمة مصالح الأمة.

ولهذا يجب أن ندرك أن الحزب السياسي ذا الهوية الإسلامية إنه يعمل لمصلحة الوطن وجميع المواطنين، فإن من الطبيعي أن يضم الحزب «الإسلامي» أعضاء من المواطنين غير المسلمين ما داموا يقرون ويؤمنون بمبادئه ومن الضروري أن يكون جمهور هذا الحزب خليطًا من المواطنين المسلمين وغير المسلمين وأن على الحزب أن يعامل جميع أعضائه وفقًا لكفاءتهم والتزامهم بقيم الحزب الفطرية الإسلامية ومبادئها ومقاصدها.

الهامش

(۱) الطبراني، المعجم الكبير، ج ۲، ص ۱۷۱.

الرابط المختصر :