; إشكالية التراث والحضارة | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية التراث والحضارة

الكاتب أحمد محمد كنعان

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996

مشاهدات 67

نشر في العدد 1212

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 13-أغسطس-1996

إن التاريخ  -بمنظور الإسلام- هو المختبر لصواب الفعل البشري، وبما أن الحضارة لا تكون من غير صواب، فقد كان استشراف التجربة البشرية عبر التاريخ أمرًا لا بد منه للتعرف على إشكالات الماضي، لاستنباط سنن النهوض الحضاري وسنن السقوط.

 ولقد أسس القرآن الكريم «أصول الفقه الحضاري» في كثير من آياته الكريمات، ومنها قوله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (الروم: 9).

ولست أعني بمصطلح «الحضارة» هنا الحضارة بمفهومها المادي الذي يدور في فلكه كثير من الباحثين اليوم في هموم الحضارة، وإنما أعني بالحضارة ذلك التفاعل الخلاق بين الإنسان ورسالة السماء، فالحالة المتولدة من هذا التفاعل هي وحدها التي تستحق -بمنظور الإسلام- وصف «الحضارة» ويستحق الإنسان المتفاعل على صورتها وصف «المتحضر» لأن سلوكه آنذاك يكون قد انسلك مع الناموس الرباني الذي أراده الله -عز وجل- ليحكم هذا الوجود وما فيه.

عندما يختل التفاعل:

وأما عندما يختل هذا التفاعل فعندئذ تحدث الأزمة، وتبدأ الأمة مرحلة السقوط، ثم لا تلبث أن تغيب عن الساحة.. وهذا الغياب قد يكون ماديًّا كما حصل لكثير من الأمم التي بادت واندرست، ولم تحفظ سجلات التاريخ إلا بعض رسومها! وقد يكون غيابًا معنويًّا، فيظل الإنسان: اللحم والشحم والدم فيما يغيب الإنسان الفكرة والفعل والعطاء، وهذا ما هو حاصل اليوم في ديارنا الإسلامية المترامية كالجزر النائية فوق هذا الكوكب!. 

ولقد حاول «بعضهم!» أن يستغل هذا الغياب الحضاري لأمتنا الإسلامية، فجاء يصطاد في الماء العكر، زاعمًا أن الخلل راجع إلى المبادئ التي جاء بها الإسلام، ومن ثم فقد أصبحت الحاجة ملحة  - في زعمه- للبحث عن بديل!!.

وإن لنا أن نسأل هؤلاء الصيادين سؤالًا واحدًا فنرى ما يجيبون عليه فنقول: إن كان الأمر كما زعمتم، فما الذي جعل إذن ذلك البدوي الذي عاش حياته على النهب والسلب يغير من سلوكه، ويرقى بأخلاقه، ويستبدل بسيفه الظالم راية التوحيد، وينطلق في الآفاق ناشرًا في أرجائها العلم والخير والصلاح؟ أو هي المبادئ ذاتها التي تتهمونها؟

بلى.. إنها هي.. وإنها هي نفسها التي ما تزال اليوم بين أيدينا فليست أزمتنا إذن أزمة مبادئ ولكنها أزمة «تفاعل» مع المبادئ التي وهن تفاعلنا معها فتوقف تفاعل تلك المبادئ مع واقع الحياة، وكان من نتيجة هذا التوقف هوة واسعة باتت تفصل تراثنا عن العصر.. وإن أخشى ما نخشاه أن يطول بنا التوقف، فيحصل الانقطاع، وتكون الكارثة!.

ولقد لفت القرآن الكريم انتباهنا كي لا نقع في مثل هذا المأزق من خلال عرضه المتميز لقصة الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى.. فإن أولئك الفتية عندما حاصرتهم موجة العصر الملحد، وخافوا على دينهم، فروا إلى «الكهف» رمز الانعزال والانسحاب من معترك الحياة... وهناك ضرب الله -عز وجل- على أذانهم سنين عددا، فلما قاموا كانت المفاجأة الرهيبة، فقد وجدوا الناس غير الناس والدنيا غير الدنيا والعصر غير العصر، وعندئذ لم يجدوا بدًا من العودة إلى الكهف!.

ولقد توقف القرآن الكريم وقفة ذات مغزى عميق عند نهاية القصة، فإن هؤلاء المؤمنين بعد تلك السنين الطويلة التي انقطعوا فيها عن المجتمع لم يعودوا قادرين على معايشة المجتمع الجديد على الرغم من أنه تحول إلى الإيمان إذ ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ (الكهف: 21).

  • عندما ننادي بإعادة قراءة تراثنا فإننا لا نقصد بذلك الإسلام لأنه رسالة السماء وإنما نقصد دراسة الظروف التي أنتجت هذا التراث, وعندئذ لم يجدوا مخرجًا غير العودة إلى الكهف، لا ليناموا هذه المرة، بل ليستسلموا للموت بعد أن أخفقوا في إعادة الاتصال مع الواقع!!.

ويوحي ما في هذه القصة الواقعية من رمز أن التوقف عند مرحلة معينة من التاريخ لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدًا، لأنه يفقد الأمة قدرتها على التفاعل مع مستجدات العصر الجديد، ويقطع عليها الطريق إلى المستقبل!.

وتستوجب هذه الحال « إعلان حالة الطوارئ» وإعداد العدة الكاملة للمواجهة.... ونعتقد أن أول خطوة في هذا السبيل ينبغي أن تبدأ من عودتنا إلى التراث، لا لنتمسك بحرفية هذا التراث كما فعل بعضهم بل لنعيد قراته قراءة واعية، على ضوء التحولات العميقة التي أصابت الدنيا منذ أن توقفت عقارب تراثنا عن الدوران، وحتى اللحظة الراهنة.

ما هو التراث؟

وينبغي قبل إقدامنا على هذه المهمة الصعبة أن يكون واضحًا لنا تمامًا أن «التراث» آخر الأمر لا يعدو أن يكون إنجازًا بشريًّا .. صحيح أن تراثنا الإسلامي قد قام أساسًا على رسالة السماء.. إلا أن التراث ليس هو الرسالة، كما أن الرسالة ليست هي التراث.

ومن هنا .. فإننا عندما ننادي بإعادة قراءة تراثنا قراءة معاصرة على ضوء التحديات التي باتت تواجهنا فإننا لا نقصد بذلك: الإسلام، وإنما نقصد تحليل ودراسة الظروف التي أنتجت تراثنا حتى وصل اليوم إلى صورته الراهنة.. وهذا أمر مشروع لا أحسب أن أحد ينشد الحكمة يجادل فيه.. وذلك لأن الممارسة البشرية تبقي عرضة للصواب والخطأ، حتى وإن كان الذين مارسوها «خير القرون» وقد أكدت النصوص الكثيرة هذه «كل ابن آدم خطاء ...» فهذه هي سنة الله في خلقه: أن يصيبوا وأن يخطئوا .. ولكن «خير الخطائين التوابون» أي الذين أدركوا أنهم قد أخطأوا عادوا إلى الصواب، وصححوا المسار من جديد.

ولقد حدثت خلال مراحل إنتاج تراثنا «إشكالات» عديدة نعتقد أنه قد أن الأوان لكي نقتفي آثارها، فنحدد نقطة بدئها، ثم نتابعها عبر تطورها التاريخي، لنعرف أي طريق سلكت حتى وصلت إلينا في صورتها الراهنة.. وبهذا نأمل أن نعيد لتراثنا الإسلامي تألقه وقدرته على أن يفعل في حياتنا كما فعل في حياة الذين صنعوا حضارتنا الزاهية، فيأخذ بأيدينا كما أخذ بأيديهم.

الرابط المختصر :