; إشكالية العلاقة بين الصهيونية العلمانية واليهودية الدينية في إسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية العلاقة بين الصهيونية العلمانية واليهودية الدينية في إسرائيل

الكاتب سمير شطارة

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 71

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

يقع كثير من الناس في مغالطة كبيرة عندما لا يفرقون في حديثهم أو كتاباتهم بين الصهيونية السياسية واليهودية المتمثلة في القوى الدينية، لقد تحددت العلاقة بين الصهيونية والدين اليهودي منذ انطلاقة الحركة الصهيونية، إذ إن حيز السياسة كان هو الأساس والمسيطر مستقلاً عن الدين بصورة حاسمة مادام زعماء الصهيونية العلمانيون هم الطليعة المحققة لحلم إنشاء الدولة.

ولقد تنبه الصهيونيون إلى أهمية العنصر الديني في حركتهم على الرغم من علمانيتها، وذلك لكي يضفوا عليها طابعًا يهوديًا لاستقطاب المهاجرين اليهود غير العلمانيين، فأدخلوا العنصر الديني بدائرة ضيقة النفوذ مقتصرًا على الدائرة العائلية، ولم يعد هذا العنصر ملهمًا لتنظيم المجتمع الإسرائيلي بعد قيام كيانهم إلا بما سمحت به الدولة ومؤسساتها.

وقد اجتهدت القوى الدينية في إسرائيل في تكييف مقولاتها وفقًا لقيم المجتمع الحديث، وبحثت عن هذه القيم وأظهرت مدى التقارب بينها وبين القيم الدينية، وانقلب ذلك رأسًا على عقب إبان انتصارهم عام ١٩٦٧م حيث عزوا هذا الانتصار إلى «المعجزة الإلهية» التي ساندت «شعب الله المختار»، وهكذا قفزت لغة الخطاب الديني من مجرد تكييفها مع القيم العلمانية، إلى إعطاء تنظيم المجتمع أساسًا قدسيًا يهدف إلى : تغيير مجمل القيم داخل المجتمع الإسرائيلي وفقًا للشريعة اليهودية، وبما يتعارض مع الخطاب الرسمي المؤسسي، ويخرج عليه ويسارع إلى تجريمه وتكفيره في بعض الأحيان، وقد ساعد على شيوع هذا المناخ تلك الضربة التي تلقاها الكيان الصهيوني في عام ۱۹۷۳م، والتي حدثت في أعقابها إثارة العديد من الإسرائيليين للحديث حول هويتهم اليهودية.

صعود القوى الدينية في الكيان الصهيوني

ويمكن القول إن القوى الدينية في إسرائيل تمثل المظلة الواسعة التي تندرج تحتها اتجاهات عدة، وتتراوح هذه الاتجاهات بين تأييد الصهيونية العلمانية فيما عرف به الصهيونية الدينية، وبين معاداة الصهيونية مثل: أحزاب الأغودات وعمال الأغودات وشاس وغيرها، وبين المغالية في التشدد وتكفير الدولة مثل الحراديم.. إلا أنها جميعاً تلتقي على قاسم مشترك هو الانتماء إلى الشريعة اليهودية، ومعيار هذه القوى الحزبية وغير الحزبية هو التقيد الصارم بالعبادات وسيادة الطقوس والتقيد بأحكام المذهب الديني، ولقد تنامى المد الديني وظهر شيئًا فشيئًا داخل شرائح المجتمع الإسرائيلي، ليصل أخيرًا إلى القرار السياسي من ناحية أخرى. 

يرى المفكر الإسرائيلي "أمنون روبنشتاين" أن هناك عاملين غذيا الصحوة القومية اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر هما الانجذاب نحو صهيون، ورفض الانصهار، وقد كان العامل الأول الذي جذب اليهود إلى فلسطين هو نبوءة عودة صهيون التي تحيا في الوعي المشترك للمحافظين على الوصايا، وفي كتب الصلوات، وفي احتفالات عيد الفصح، وفي الحزن على خراب الهيكل.. بكل روح اليهودية الدينية التقليدية، ولكن هذه الأشواق لم تتزايد خاصة في نهاية القرن التاسع عشر، بل على العكس من ذلك فإن أجزاء كبيرة من الشعب اليهودي قد استجابت لتحدي العصر الحديث فعزلت نفسها عن تلك التقاليد اليهودية مما أدى بها إلى الافتقار إلى المغزى القومي، فظهرت الصهيونية كحركة علمانية أساسًا، وذلك بسبب العامل الثاني المتمثل في رفض الانصهار الذي حدث رداً على أن الانعتاق لم تكن فيه الإجابة الشافية لليهود، ولأن الأوروبيين من أبناء دين موسى لم يحصلوا على الحقوق المتساوية في المجتمع الذي أصبحت معاداة السامية، فيه بمثابة أساس ديني وثقافي وفولكلوري.

وبمعزل عن مناقشة الخلفيات التي قادت اليهود في تلك الفترة إلى الحكم بشكل متطرف على فشل حركة التنوير اليهودية الهسكالاة، ثم فشل الانصهار في الشعوب الأوروبية، نستطيع القول إن واقع اليهود التاريخي اثبت - وما زال يثبت وخاصة في غرب أوروبا وأمريكا - أن انعتاق اليهود وانصهارهم في البيئات والدول التي كانوا يقطنونها قد تم بسرعة ونجاح مذهلين، إلا أن الصهاينة لم يتقبلوا هذا النجاح التاريخي النسبي لأنهم منشغلون بترقب نجاحهم في مخططهم للعودة إلى أرض الميعاد، والخلاص الأبدي.

والذي يهمنا في هذا الموضوع أن نشير إلى أن المنصهرين كانوا بعيدين عن عالم التقاليد اليهودية، وكانت الصورة المثلى أمامهم هي أن يكونوا شعبًا على غرار الشعوب التي انصهروا فيها.. يقول المفكر الصهيوني جرشوم شوكن في معرض تحليله لمدى تحقيق الصهيونية لأهدافها حول هذه المسألة: لقد كان اليهود في نهاية القرن التاسع عشر مختلفين عن اليهود في سائر الأجيال السابقة، فلقد كان كل الزعماء اليهود الذين نادوا بالفكرة الصهيونية وكرسوا أنفسهم لتحقيقها أشخاصًا تخلصوا من الإطارات التقليدية لحياة اليهود قبل عصر الانعتاق، ويمكننا أن نقول إن الكثيرين منهم قد انصهروا بين الشعوب، ولم تكن الفكرة الصهيونية عند أي منهم مرتبطة بتطلعات للعودة إلى صور الحياة التقليدية اليهودية، ولم يجيبوا عن المشكلة اليهودية وفقًا لأنماط السلوك التقليدي الديني، بل وفقًا لأنماط السلوك المعاصرة الخاصة بالشعوب التي عاشوا فيها.

ويقول شوكن في موضع آخر: لقد انقسم الجمهور اليهودي خلال فترة قصيرة بين أولئك الذين يحرصون على الشرائع الدينية وأولئك الذين لا يحرصون عليها، ولم تستطع فكرة العهد بين الله وشعبه المختارة أن تظل راسخة بين أولئك الذين تبخر الأساس الديني في يهوديتهم، وتراجعت سلسلة المفاهيم التي خلقها الغيتو اليهودي في مواجهة العالم غير اليهودي حينما اتضح أن أبواب هذا العالم مفتوحة على مصاريعها أمام الجماهير المتدفقة إلى أسوار العلمانية والتحديث، وهكذا جاء مؤسسو الصهيوينة من بين صفوف اليهودية العلمانية المنصهرة التي سعت إلى طرح حل علماني دولة يهودية لتلك الطائفة الجديدة.

الصهيونية الهرتزلية

ومن هنا، فإن هرتزل يعتبر نموذجًا للفكر السياسي العلماني التجديدي لجيل كامل من اليهود المنصهرين الذين شقوا طريقهم إلى الصهيونية فأطروحة الصهيونية الهرتزلية والتي عرفت فيما بعد به "الصهيونية السياسية"، رسمت حلاً لمشكلة اليهود في العالم بإيجاد دولة يهودية على أرض فلسطين على نمط وسلوك جديد بعيدًا عن التقاليد القديمة لليهود، بل بثوب المعاصرة والتجديد، وهذا لم يرض اليهود في شرق أوروبا، مما أدى إلى انقسام الصهيونية على نفسها إلى أحزاب وتيارات جديدة، والحق أن الصهيونيين في شرق أوروبا لم يكونوا ذوي توجه واحد بل نشبت داخلهم خلافات حول معظم القضايا، وكانت التوترات الداخلية والانشقاقات والاختلافات سمة مميزة دائماً للتاريخ الصهيوني.

لقد تمايز مضمون الصهيونية في أوروبا إلى قسمين يهود غرب أوروبا - على الطريقة الهرتزلية، الذين يسعون لنقل أوروبا الليبرالية مع يهودها إلى منطقة إقليمية، وصهيونيو الشرق الأوروبي الذي تصارعوا مع الإرث الماضي والتقاليد وسعوا إلى هدم المجتمع اليهودي القائم على المؤسسات الحاخامية وتقديم حياة اجتماعية جديدة عن طريق هجرة اليهود إلى فلسطين، هكذا حدث فارق مضموني في الأيام الأولى للصهيونية.. تناقض جدير بالذكر، فيهود غرب أوروبا - وعلى رأسهم هرتزل لا يرون أي غضاضة في معايشة المتدينين والتعايش مع تقاليد الماضي، إذ إن الحياة العلمانية في المجتمع الغربي قد جعلت مكاناً مخصصاً للدين والتقاليد، بينما نرى في المقابل اليهود في شرق أوروبا وقد انقسموا بين أقلية دينية تقليدية، وأغلبية متمردة ثائرة على التقاليد اليهودية والحاخامية.

ومن هنا كانت المعاصرة والمدنية والعلمانية يوتوبيا عاطفية رومانسية وتعبيرًا أدبيًا عن رغبة اليهودي الجديد في أن يرفع عن كاهله عبء ماضيه، وأن يشق طريقه الجديد لينضم إلى حظيرة الشعوب الحضارية المعاصرة.

ولذلك، لم يكن لعدد كبير من مؤسسي الصهيونية أي اهتمام باليهودية، بل لقد أظهروا عداء ملحوظًا لأفكارها ولممارساتها، ومن أصدق الأمثلة على ذلك أن هرتزل عندما زار القدس انتهك العديد من الشعائر الدينية ليؤكد نظرته اللادينية، يقول هرتزل في كتابه الدولة اليهودية، الذي أصدره في ١٨٩٦م: لن نسمح بظهور أي نزعات ثيوقراطية لدى سلطاتنا الروحية، وسوف نعمل على إبقاء هذه السلطات داخل الكنيس والمعبد، ويقول: المتسلطون الدينيون إذا حاولوا التدخل في شؤون الدولة فسوف

يلقون مقاومة عنيدة وشديدة من جانبنا.

الصهيونية والنزعة الإلحادية

وقد كان ماكس نورد أو (١٨٤٩) - (۱۹۲۳م) الكاتب الألماني والزعيم الصهيوني والصديق المقرب من هرتزل، ملحدًا يجهر بالإلحاد، كما كان يصرح أن التوراة تعتبر كعمل أدبي أقل من الأعمال الأدبية الكلاسيكية الأوروبية، وأنها طفولية كفلسفة ومقززة كنظام أخلاقي.

أما بن غوريون فقد كان يتطلع إلى بناء دولة عصرية حتى لو خالف ذلك كل ما ورد في التوراة وكان يؤمن بأن العمل الصهيوني هو الكفيل ببناء الدولة والمحافظة عليها وليست الغيبيات، لأنه كان يعتقد أن الغيبيات انتهى دورها في حياة اليهود منذ قيام الدولة، وقد كتب بن غوريون بعد قيام الدولة يقول: على اليهودي من الآن فصاعداً ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية مثل الفانتوم والنابالم، وقال بعد اعتزاله العمل السياسي: كنت مصممًا على أن تكون إسرائيل دولة علمانية تحكمها حكومة علمانية وليست دينية، وحاولت أن أبقي الدين بعيدًا عن الحكومة والسياسة بقدر المستطاع، وكان بن غوريون يرى أن للدين وظيفة عليه القيام بتأديتها وكفى، وهو ما عبر عنه بوضوح عندما قال: إن الدين هو وسيلة مواصلات فقط ولذلك يجب أن نبقى فيها بعض الوقت لا كل الوقت.

ولكن فكرة أرض إسرائيل حظيت باهتمام ديني لدى جميع الأحزاب سواء كان هذا الحزب دينيًا متطرفًا أو يساريًا، وبغض النظر عن الدافع الديني الذي اخذ دورًا هامشيًا في الفكر الصهيوني السياسي، فإنه كان أصلًا لدى الأحزاب الدينية، غير أن الأحزاب قد اتفقت على أرض الميعاد وإقامة دولتهم في فلسطين.

إشكالية الصهيونية وتمزقها

إن إشكالية العلاقة بين الصهيونية العلمانية واليهودية الدينية خلقت أحزابًا كثيرة كل واحد منها يتمتع بأفكار وأيديولوجيات وأنماط سلوك مستقاة من منابعه، حتى إنه ظهرت داخل الحركة الصهيونية صهيونيات بتسميّات متعددة مثل: الصهيونية السياسية الصهيونية العمومية الصهيونية الراديكالية الصهيونية العمالية الصهيونية العلمية الصهيونية التصحيحية الصهيونية الدينية... إلخ، ومن هذه التيارات ما استمر ومنها ما انتهى دوره عند نقطة معينة وختامًا نؤكد أن ثمة اختلافات بين هذه الأحزاب، غير أن جميعها من حيث الجوهر ينتمي إلى نسق أيديولوجي واحد الأساس فيه هو إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.

بقي أن نلفت الأنظار إلى أن من يقرأ فكر هرتزل مثلًا أو بعض دعاة الصهيونيين، يصطدم بين الحين والآخر بعبارات تنضح بالعواطف الجياشة للدين والحنين إلى أرض التوراة والإيمان بما جاء به الآباء والأجداد، وكأنك تقرأ لحاخام حريدي روحاني، كما تكثر في خطبهم الاقتباسات التلمودية مما يوحي بالتناقض واللبس مع ما تبين لنا من علمانيتهم.. فإذا علمنا أن هذه الاقتباسات والتصريحات الرنانة كانت من أساليب دعاة الصهيونية التي تطلعت إلى استثمار العنصر الديني بأقصى درجات الاستثمار، واستغلال القيمة الدعائية والرصيد العاطفي الذي تمتلكه العقائد الدينية عادة في سبيل أهداف الصهيونية، زال اللبس واختفى التناقض.

والحقيقة القائمة الآن في إسرائيل هي أن الأحزاب الدينية مع تبادل الأدوار فيما بين الصهيونية الدينية وبين القوى الدينية المعادية للصهيونية من الحراديم والممثلة الآن في الإطار السياسي في حزب شاس، شريك الائتلاف الحكومي أصبحت جزءًا من السلطة العلمانية وهذا الائتلاف لا يحمل أي مغزى ديني، حيث إن المبدأ التنظيمي للسلطة يهمه أن يحافظ على الشكل أولًا، ثم على الائتلاف ثانيًا، وليس من صوره المحافظة على الشرائع الدينية، لأن صورة الحكم جزء من منظومة الحضارة الغربية العلمانية، ولا يمثل شعب التوراة، إلا أن الأحزاب والقوى الدينية لا تفتأ تستغل قوتها لتثبت وجودها وقدرتها في التأثير على الواقع السياسي ومن ثم على القرار السياسي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل