; إصلاح ما أفسدته الأهواء | مجلة المجتمع

العنوان إصلاح ما أفسدته الأهواء

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996

مشاهدات 72

نشر في العدد 1202

نشر في الصفحة 42

الخميس 06-يونيو-1996

 يتبادل المسلمون ورؤساء الدول الإسلامية التهاني بمناسبة العام الهجري الجديد، وكان الأحرى أن يعزي بعضهم بعضًا في العام الماضي ويسألون الله أن يلهمهم الصواب في العام الجديد، فيعرفون أن ما جرى في العام الماضي ما هو إلا تمهيد للمصائب الأكبر والمآسي الأعظم التي بدأت تحل بالعرب والمسلمين بسبب تفككهم واستغلال العدو لهذا التفكك، فأصبح يملي شروطه، ويفرض مطالبه والعرب يتنازلون ويتنازلون، ولم يبق لهم إلا الفتات من المطالب، السلطة الفلسطينية لم يبق في همها من الحقوق إلا أن ينظر إليها في الخارج بأنه لم يعد في ظل سلطتها حمار؛ لأنه ربما يرمز إلى التخلف، لقد لفت نظري الخبر الذي نقلته وكالات الأنباء من غزة عن قيام جهاز المخابرات في السلطة الفلسطينية باعتقال رجل فلسطيني يعمل مصورًا في وكالة الأنباء الفرنسية، واحتجز عشر ساعات تعرض فيها للضرب المبرح؛ لأنه التقط صورة لحمار يقوم بعض الشباب بغسله على شاطئ البحر، واعتبرت المخابرات هذه الصورة مسيئة للبلد، وتعطي انطباعًا سيئًا في الخارج عن سلطة الحكم الزاتى.

• الذين يسمون أنفسهم بالمفكرين والمبدعين في العالم العربي لا يرون بأسًا بأن يتنازل العرب للصهاينة بما يريدون.

 تساءلت ما هو الانطباع الذي ستعطيه هذه الصورة في الخارج وخاصة في فرنسا، أليست هذه الصورة تدل على الاهتمام بالحيوان؛ إذ بالأمس القريب قرأنا عن احتجاج الممثلة الفرنسية المعروفة على ذبح المسلمين للخراف في عيد الأضحى، هناك كثير من الغربيين يرون الإساءة إلى الحيوان أكبر جرمًا من الإساءة إلى الإنسان، أعتقد أن قائد الحملة الذي قام مع جنوده باقتحام مكتب المصور الفلسطيني واعتقاله تحت تهديد السلاح وتوجيه الإهانات إليه، ثم ضربه ضربًا مبرحًا في قسم الشرطة لا يعرف هذا القائد أن صورة الحمار إذا نشرت في الخارج ستعطي الانطباع الذي يريده وخاصة في أوساط جمعيات الرفق بالحيوان؛ لأنه سيقال ما دام الناس يقومون بتنظيف الحمار وغسله بماء البحر، فمن باب أولى سيكون اهتمامهم بنظافة الإنسان وصحته، وستكون النظرة بالنسبة لاحترام حقوق الإنسان عند العرب أحسن بخلاف ما يشاع عنهم مع الأسف، إن الظلم والاستبداد عند العرب وإهانة بعضهم بعضًا أصبح عادة لا يستطيعون التخلص منها حتى لو أرادوا أن تكون لهم سمعة طيبة في الخارج، فهي عن طريق مزيد من الظلم والإرهاب والعنجهية وتوجيه الإهانات لإخوانهم وأبناء جلدتهم، فإذا أرادت أية دولة أن يعرف عنها أنها تحارب الإرهاب فهي تعتقل الأبرياء وتعذبهم، وتقدمهم إلى المحاكمات العسكرية والاستثنائية، أما الأجنبي فقد أصبحوا يجلونه ويحترمونه، ويحرصون على الشفقة به وعدم الإساءة إليه حتى لو كان عدوهم ومغتصب أرضهم، ولو كان جاسوسًا لعدوهم رحموه، وأطلقوا سراحه بمجرد أن تتدخل حكومته، وذلك ليخلقوا انطباعًا عند الآخرين بأنهم متحضرون ومتقدمون أما قهرهم الإنسان، وانتقاص كرامته، واستلاب إنسانيته ومصادرة حقوقه الطبيعية، فهي مقتصرة على الإنسان العربي والمسلم؛ لأن هذا الإنسان لا يهم الإسرائيليين، ولا الأمريكان، ولا الروس ولا الفرنسيين، ولا الإنجليز، ولا الألمان ولا أحدًا في هذه الدنيا، ولذلك قال الإسرائيليون الذين ضربوا قانا في لبنان، وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، إنهم عرب قتلهم مثل الفئران وهم بالملايين، والذي يهم كل هؤلاء أن يبقى العربي متخلفًا يستورد أكثر حاجاته الغذائية، وينفق مليارات الدولارات على استيراد الأسلحة، ولا أحد يدري ماذا يريد بهذه الأسلحة؟ وقد أصبح أعداؤه أصدقاءه، ولا يستطيع أن يحرك أي قوى باختياره، وما ذلك إلا لتبقى الشعوب العربية تحت خط الفقر دائمًا، وتبقى عاجزة عن نيل حقوقها، وتبقى السيطرة عليها اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، وتبقى إسرائيل لها اليد الطولى في المنطقة والمهيمنة على كل شيء، ومع الأسف أصبح العرب الآن كل أمانيهم أن يفوز حزب العمل في إسرائيل، وعلقوا آمالهم في السلام بفوز بيريز على نتنياهو؛ مما جعل أحد الكتاب العرب والذي اعتبر في يوم من الأيام من الثوريين يقول: إذا كنا نريد أن نؤثر في هذه الانتخابات بأقل كلفة، فهناك ما يقرب من نصف مليون ناخب عربي فلسطيني يدلون بأصواتهم في الانتخابات الإسرائيلية، ويمكن أن يكون لهم تأثير فاعل إذا ما توحدت كلمتهم، خصوصًا أن مصير الرجحان في كفة الانتخابات الإسرائيلية بين العمل والليكود تقرره أحزاب الأقليات في إسرائيل.

  وبعض الذين يسمون أنفسهم مفكرين ومبدعين لا يرون بأسًا أن يتنازل العرب للصهيونية بما تطلب؛ لأنهم بذلك سينعتون بأنهم متحضرون ومتسامحون، ولا يخجلون من الدفاع عن الصهيونية وإسرائيل، وما قامت به من قتل لمواطنيهم، حتى أن أحدهم عندما سئل عن رأيه بعد دفاعه عن إسرائيل عما قامت به من قتل الأسرى المصريين سنة ١٩٦٧م قال: لقد حدث مثله للأسرى الإسرائيليين، تصور هذا العربي المسلم يقول ذلك وإسرائيل نفسها لم تقله، ويستطرد متبجحًا بتقدميته أو خيانته فيقول: نحن لا نريد أن تتحكم فينا العقائد، فمن تريد أن يتحكم فيك إذن؟ هل تريد أن يتحكم فيك اليهود والأمريكان؟ ومع الأسف إن هؤلاء هم المحظيون عند السلطات في العالم العربي يسرحون ويمرحون، بينما أهل الغيرة على الدين والوطن مضايقون، ويعانون الكبت والعذاب، ويلاحقون ويحاسبون على كل صغيرة وكبيرة، المشكلة أن الذي ينتظر منه الإصلاح وبيده الأمر، ويرجى في الحفظ من التغير، ويمنع من الفساد هو الذي تغير:

بالملح يصلح ما يخشی تغیره  *** فكيف بالملح إن حلت به الغير

فالصهيونيون وأتباعهم يتحركون في كل مكان، ويخترقون الصفوف، ويفسدون العقائد والمثقف العربي لم يعد يقول كلمة الحق، إلا من رحم ربك، وقديمًا كان يسمى المثقفون بالقراء، ويخاطبهم الشاعر بقوله:

يا معشر القراء يا ملح البلد ***     فكيف بالملح إذا الملح فسد

        لم تعد للحق كلمة، ولا للفكر قبول، ولا للدين رأي أصبح الذي يتحكم هو الهوى والشهوات: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ  وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة القصص: آية ٥٠) ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (سورة الجاثية: آيات ٢٣-٢٤).

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (سورة آل عمران: آية ١٤).

وصدق الشاعر الذي قال:

والفكر في بلادنا أرخص من حذاء  ***   وغاية الدنيا لدينا الجنس والنساء

 مع الأسف إن المثقفين استهوتهم السياحة في إسرائيل، وانحازوا إليها باسم السلام، ونراهم يرون في أميل حبيبي الذي توفي قبل أسابيع قدوة، مع أنه كما يقول أحدهم يحكي مثل الصهاينة وإن آراءه تتلخص في قناعته الداخلية بإسرائيل، وقال عنه جمال الغيطاني: ما صدمني في أميل حبيبي أن دفاعه عن الدولة الإسرائيلية كان نابعًا من القلب، وكان هذا الدفاع أول الهزيمة الحقيقية؛ لأن حتى المسلمين المدجنين في الأندلس كانوا يمارسون شعائرهم سرًا، أما حبيبي فكان مقاتلًا عنيدًا من أجل الدولة الصهيونية، بل قال صراحة أمام الأدباء العرب بالقاهرة إن بعضهم يقول إنهم شذاذ الآفاق هؤلاء زبدة العالم لو تعلمون، وكررها مرتين، ماذا ننتظر من مثقفين تمنحهم إسرائيل جوائز تقديرية، وقد منحت أميل حبيبي الجائزة الكبرى في أوج الانتفاضة؟ وكل أحد يعرف إن أميل حبيبي ومحمود درويش قد كانا عضوين نشطين في حزب راكات الإسرائيلي، فالمثقفون اليساريون هم مع الصهيونية وإسرائيل من زمن بعيد، ولكن هذا البكاء على أميل حبيبي في الصحافة العربية جاء مع الحالة الانهزامية في الصف العربي، ومنذ بدأ التراجع والتنازل عن الحقوق للصهيونية وجدت العناصر المؤيدة لإسرائيل مجالًا في وسائل الإعلام العربية لتنشر أفكارها بكل وضوح، ومن المؤلم أن يصل الأمر أن يكون هناك من المحسوبين على العروبة والإسلام ومشايخ الأزهر من تنطلي عليهم محاولات الأعداء لجرهم إلى قافلة الاستسلام لتيار الصهيونية، فيحضروا اجتماعات الليونز والجمعيات المشابهة التابعة للماسونية التي لا يشك أحد أنها صناعة صهيونية مائة في المائة، وقد صدرت فتاوى الأزهر الشريف والمجامع الإسلامية بتحريم الانتساب إلى أندية »الليونز» والروتاري، وغيرها من الأندية المشابهة حفاظًا على العقيدة الإسلامية من تأثيرات الصهيونية التي تعمل على زعزعة عقيدة العرب والمسلمين في مقدساتهم، وها نحن الآن نشاهد ضياع القدس وإدخالها في مفاوضات الاستسلام لتكون عاصمة أبدية لإسرائيل، أما آن للمسلمين أن ينتبهوا لما يراد بهم؟ وها نحن نجد الآن في الهند تأتي حكومة هندوسية متعصبة ضد الإسلام والمسلمين، فها هم الهندوس يعلنون أنهم سيقيمون معابد هندوسية محل المساجد، وسيضمون الجزء الذي بيد باكستان من كشمير، وسيعتبرون کشمير كلها هندية هندوسية.

  إن مآسي المسلمين لا تنتهي، في الشيشان تواصل روسيا تقتيلها للشيشانيين وهدم بيوتهم، وفي الصومال زعماؤهم يحرقون شعبهم وبلادهم، وفي أفغانستان يتقاتلون على المناصب والخطر الهندوسي يهددهم مع الباكستانيين، أما آن للمسلمين أن يتوحدوا، ويدفعوا عن أنفسهم من المصائب التي تحل بهم؟ إسرائيل وأمريكا تخططان لإضعاف العرب والمسلمين، وتحرضان دولًا إفريقية ضد اليمن والسودان، فهل يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من مأس، ويحاولون تصحيح أوضاعهم، ويصلحون ما أفسدته الأهواء والمصالح الشخصية والانصياع والانقياد للأعداء؟ ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: آية 11)، یا مسلمون هل ترضون أن تغزوكم إسرائيل بالجنس والمخدرات؟ هل ترضون أن تتحكم فيكم أمريكا فتفرطون في وطنكم وقدسكم من أجل إرضائها؟ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾  (سورة النساء: آية ۱۳۹).

(*) قاضي في المحكمة الشرعية العليا في قطر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4066

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين