العنوان إضاعة المال.. المال والضوابط الشرعية للإنفاق
الكاتب عبدالله بن إبراهيم الطريقي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993
مشاهدات 32
نشر في العدد 1037
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 09-فبراير-1993
إضاعة المال.. المال والضوابط الشرعية للإنفاق
بقلم الدكتور/
عبدالله بن إبراهيم الطريقي الأستاذ المشارك ورئيس قسم الثقافة بكلية الشريعة
بالرياض
المال عصب
الحياة وبه قوام الأبدان والبلدان وهو أحد الضرورات الخمس التي يجب حفظها، وهو
زينة الحياة الدنيا، كما قال الله- جل شأنه-: ﴿الْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولهذا جاء الإسلام بتنظيم
دقيق وحكم وافٍ، سواء فيما يتعلق بكسبه، أم باستهلاكه وإنفاقه.. وقد عني فقهاؤنا
بذلك؛ وما أبواب المعاملات المالية في كتب الفقه إلا ترجمة لهذه العناية.
وحديثي معك أيها
القارئ الكريم حول ما يتعلق بالاستهلاك والإنفاق ولنركز الحديث هنا على جانب مهم
وخطير في حياة المسلمين ألا وهو: إضاعة المال. ولقد يثير هذا العنوان استغراب
بعضنا إذ كيف يتصور أن عاقلاً يضيع ماله؟ ولعل الأسطر القادمة تزيل هذا الاستغراب،
بل لعله يزول إذا عرفنا معنى الإضاعة في العرف الشرعي، قال ابن الأثير الجزري ت
606هـ: إضاعة المال: يعني إنفاقه في غير طاعة الله تعالى والإسراف والتبذير نعم
هذا ضابط الإضاعة في العرف الإسلامي روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة- رضي
الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أن الله حرم عليكم عقوق
الأمهات ومنعًا وهات، ووأد البنات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».
وإذا كان هذا الحديث يشتمل على أمهات من المسائل والقضايا الخلقية، وتستأهل بحثًا
مستفيضًا، فإننا نقتصر على الجملة الأخيرة والتي هي صغيرة المبنى، ولكنها كبيرة
المعنى وهي من جوامع كَلِمه صلى الله عليه وسلم.
مفهوم الإضاعة: الإسراف والتبذير
فلنتوقف هنا كما
توقف علماؤنا من المفسرين والمحدثين والفقهاء وغيرهم.
إن الإضاعة تعني في مفهومها الآنف ثلاثة أشياء: الإنفاق في غير طاعة الله والإسراف
والتبذير.
وهذه الأشياء
متداخلة، إذ بينها عموم وخصوص، فإن الإنفاق في غير طاعة الله هو إسراف وهو تبذير
والإسراف هو إنفاق في غير طاعة الله وهكذا.
إن الإنفاق لا
يخلو من أحد وجوه خمسة: فهو إما واجب كالزكاة والنفقة على الأهل والأولاد والقصر
والكفارات، وإما مندوب كالصدقات والتبرعات في سبيل الله ومصالح المسلمين.. وإما
محرم كالإنفاق على شراء المحرمات كالمخدرات والتماثيل وآلات اللهو الباطل،
وكالإنفاق على الجهات التي تسيء إلى الإسلام والمسلمين في دينهم وأخلاقهم وإما
مكروه وهو ما كان وسيلة إلى المكروه كالإنفاق على ما زاد عن حاجة الإنسان في مأكله
ومشربه وملبسه ومركبه ومسكنه ونحو ذلك، وإما مباح وهو الإنفاق في الأمور المباحة
في الأمور الشخصية التي سبقت مما هو داخل في حاجة الإنسان والذي يعنينا هنا هو
نوعان من هذا الإنفاق فقط وهما المحرم والمكروه، وهو الذي يكون فيه الصرف تضييعًا
للمال، ويكون إسرافًا وتبذيرًا. والشارع نهى عن الإسراف وعن التبذير، يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
(الأعراف: 31) قال ابن عباس- رضي الله عنهما- "أحل الله في هذه الآية
الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة" أي كِبر. أما ما زاد عن الحاجة فهو
مكروه وربما كان محرمًا إذا كان إدمانًا وعادة، فقد روى ابن ماجة عن أنس بن مالك-
رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أن من السرف أن تأكل كل
ما اشتهيت» ويؤكد هذا الحديث الآخر «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه»، «بحسب
ابن آدم لقيمات يُقِمنَ صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث
لنفسه» رواه الترمذي والإمام أحمد وغيرهما، وهو صحيح وهذا الحديث فيه توجيه طبي
صحي عظيم حتى قال بعض أهل العلم: «لو سَمِعَ بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة»
وما أحسن قول الشاعر:
إذا أنت قد
أعطيت بطنك سؤله *** وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وهكذا يكون
الإسراف: الإنفاق فيما زاد عن الحاجة، كما قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: من أنفق
درهمًا في غير حقه فهو سرف، والتبذير مثله، قال ابن مسعود- رضي الله عنه- التبذير
هو الإنفاق في غير حق، وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله وفي غير الحق
والفساد.
التناقض الاقتصادي وتضييع الأموال
تلك الضوابط
الشرعية في الإنفاق فما مدى التزامنا نحن المسلمين بهذه الضوابط؟ إن المسلم العاقل
البصير إذا ألقى نظرة ولو عجلى على واقع عالمنا الإسلامي ليجد العجب العجاب
والتناقضات الغريبة في حياة المسلمين الاقتصادية والمعاشية فبعض البلاد المسلمة
تعيش الترف والسرف وبعضها يعيش الفقر والتقشف وليس ذلك يعود إلى معطيات الأرض
وخزائنها فكل أرض الله ملأى غير أن سوء التصرف ووجود المظالم هو الذي يحرم تلك
الشعوب من الحياة السعيدة الرغيدة ولا شك أن هذه الحال بهذا الواقع أمر مؤسف وأزمة
خانقة لا يمكن الخلاص منها إلا بالإخلاص والجد والعودة الصحيحة إلى حياة الرشد
والخير والإيمان. والحقيقة أن إضاعة المال ليست قاصرة على أهل الثراء ورؤوس
الأموال الكبيرة في عالمنا الإسلامي، بل تعداهم إلى آخرين من متوسطي الحال صاروا
يضاهون أولئك في مسالك الإنفاق وحجمه، حتى لو ترتب على ذلك الاستدانة من الآخرين
بل قل قد يضطر أمثال أولئك إلى أن يسلكوا مسالك معوجة في كسب المال من احتيال أو
غش أو رشاوي أو مراباة أو نحو ذلك. وليس مجالنا هنا أن نتحدث عن مصادر المال وطرق
كسبه وإنما في مجال الإنفاق فكم هي الأموال التي تنفق في مجال إفساد العقل من خمور
ومخدرات ومفترات؟ وكم تلك التي تنفق في مجال إفساد الأفكار والدين، فها هي وسائل
الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية يحشد لها أموال طائلة وفي جملتها تفسد ولا
تصلح، وتخرب ولا تعمر، وكم تلك الأموال التي تنفق في مجال إفساد العرض والشرف
والنسل وكم تلك التي تصرف في سبيل الشهرة والسمعة؟ ثم كم هي الأموال التي يصرفها
المسلمون في بلاد الغرب باسم السياحة والمتعة. هذا فضلاً عن الأموال التي تصرف
فيما يسمى بوسائل الترفيه والتسلية. أجل إنها أموال هائلة يصرفها الأفراد وتصرفها
الهيئات وتصرفها المؤسسات الحكومية في مجالات ليست في صالح مجتمعاتنا المسلمة، بل
هي إما إهدار وإما إضرار، وكلا الأمرين جد خطير، هذا في الوقت الذي نجد فيه
إخوانًا لنا في الدين يموتون جوعًا، أو يموتون بسبب البرد أو الأمراض الفتاكة
المعدية في بلاد الله الواسعة، فهلا وقفنا وقفة تأملية تذكرنا بحالهم ومسؤوليتنا
نحوهم. بل مسؤوليتنا أمام الله، فقد جاء في الحديث: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة
حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم
أنفقه ومن جسمه فيم أبلاه» ولنتذكر الحكمة القائلة المال زائل.
إننا بحاجة إلى الاعتدال في هذا الأمر الجليل
امتثالاً للشارع الحكيم كما قال- سبحانه- ﴿وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا﴾ وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. والله الموفق.