العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة ... الحلقة الثانية والأربعون ... الحركة الوهابية في الميزان
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980
مشاهدات 134
نشر في العدد 504
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 11-نوفمبر-1980
علاقة الحركة الوهابية بالعالم الإسلامي
• لم يكن أحد يجهل أن الصدام مع دولة الخلافة في صالح أعداء الإسلام والمسلمين.
• لم تصل لدولة الخلافة إلا تقارير خصوم الحركة الوهابية.
• علماء الأزهر يقولون: إذا كانت الوهابية كما سمعنا واطلعنا فنحن وهابيون.
• علاج دولة الخلافة بإصلاح أحوالها ... لا بتقطيع أوصالها.
مما لا شك فيه أن دولة الخلافة العثمانية في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقبله آخذة في الانحدار، وآخذ نجمها في الأفول، ولا أحد يشك أن هذا الأفول لدولة الخلافة هو في حقيقة الأمر انحدار وأفول للأمة الإسلامية كلها، ومن هنا فإن مسؤولية هذا الواقع لا يتحملها الأتراك المسلمون فحسب، بل يتحملها المسلمون في كل مكان، فالقضية قضيتهم جميعًا، ليست قضية ترك وعرب، وإنما هي قضية خلافة إسلامية ورابطة وعِقد يوشك أن ينفرط.
ولم يكن هذا الواقع السيئ يسعد أحدًا مثلما يسعد أعداء الإسلام من الصليبيين واليهود وأعوانهم، ولذلك اهتبلوا هذه الفرصة وراحوا على رأسهم إنجلترا، يوغرون الصدور بين البلاد العربية -خصوصًا- ودولة الخلافة العثمانية، ويتبعون كل أساليب المكر والدسيسة -مما فصلناه في حلقات سابقة- والتي من شأنها إضعاف هذه الدولة، والحيلولة دون علاج أو مدد من شأنه إنعاش هذا الرجل المريض.
ولذا فإن أي عداء أو مصادقة مع دولة الخلافة تحت أي تبرير كان، لا شك أنه سيعين حتمًا على حل الرابطة الإسلامية بين الترك والعرب، وبين المسلمين أجمعين، وفي الوقت نفسه سيكون هذا العمل معول هدم بيد المتربصين بالإسلام والمسلمين الدوائر.
وما أجملها من كلمة واعية من العلاقة بين العرب والترك والخلافة، تلك التي قالها الأستاذ كمال بك الكاتب الشهير المعاصر لأحداث سقوط الخلافة: «إن الرابطة بين الترك والعرب موثقة بالأخوة الإسلامية والخلافة العثمانية، فإن كان أحد يقدر على حلها فهو الله وحده، وإن كان أحد يفكر في ذلك فهو الشيطان، ويعلم كل خبير بحال هذا الزمن أنه لا يرجف بالخلافة إلا رجلان، رجل اتخذ الإرجاف صرفة للتعيش وأكل السحت، أو التحلي بالوسامات والألقاب الضخمة، ورجل اتخذه الأجانب آلة لخداع البسطاء المسلمين بإيهامهم أن منصب الخلافة ضعيف متزعزع يمكن لأي أمير أن يناله، ولأية جمعية أن تزحزحه عن مكانه، ليزيلوا هيبته من القلوب، ويقنعوا نفوس العامة الأغرار بإمكان تحويله في وقت من الأوقات، وبأن المسلمين ليسوا راضين عن الخلافة العثمانية جميعًا».
ولهذا أيضًا كان السلطان عبد الحميد الثاني يقول: «يجب تقوية روابطنا ببقية المسلمين في كل مكان، يجب أن نقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثر، فلا أمل في المستقبل إلا بهذه الوحدة».
فلا يختلف اثنان -إذًا- من المتحمسين لبقاء دولة الخلافة أو سقوطها، أن الدولة حبلى بمشاكل كثيرة داخلية وخارجية، وإن أمراضها متعددة، لكن لا أحد من المسلمين المخلصين الواعين كان يرى أن علاج هذا الرجل المريض بتر رأسه، وإنما علاجه بإصلاح حاله -وحال البلاد والعباد الذي يستظلون بظل الخلافة الإسلامية، مهما كان هذا الظل باهتًا متهالكًا، فإنه كان ساترًا لحال المسلمين بقدر كاف -على الأقل- لإلقاء الرعب في قلوب الأعداء الذين لا يأمنون انتفاض هذا الجسد المريض واستيقاظه وثورته ... وهذه المقدمة ضرورية لتكون إطارًا ومنظارًا تنفذ من خلافه على واقع العلاقة بين دولة الخلافة العثمانية والحركة والوهابية، وموقف الحركة من دولة الخلافة.
أما عند موقف وعلاقة دولة الخلافة العثمانية من الحركة الوهابية، فإن الوقوف على ذلك ينبني على معرفة؛ أولًا: تصور لدولة الخلافة للحركة الوهابية كمنهج وواقع، لأن تحديد الموقف والعلاقة تابع ونابع من هذا التصور.
لقد كانت صورة حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى دولة الخلافة، صورة قد بلغت من التشويه والتشويش مداه.
فلم تطلع دولة الخلافة إلا على الوجه المعادي لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سواء عن طريق التقارير التي يرسلها ولاتها في الحجاز أو بغداد أو غيرها ... أو عن طريق بعض الأفراد الذين يصلون إلى الآستانة يحملون الأخبار.
ولقد مر بنا كيل الشبهات والافتراءات التي تولى كبرها وكيدها سليمان بن سجيم وأمثاله، ولا شك أنها انتشرت في الجزيرة وخارجها، وليس بعيدًا وصولها إلى الآستانة، ولم يكن توصيل الرأي والرد والحجة بالأمر السهل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، فقد لاقى ما لاقى من عناء في سبيل ذلك، ومع ذلك فإنه استطاع إلى حدٍّ كبير أن يوضح رأيه ويرد الشبهات داخل الجزيرة العربية، بما كان يرسله من رسائل ويعقده من دروس، وكان أحيانًا يرسل الرسل والتلاميذ ليبينوا دعوته ويردوا على الخصوم، وتشير إلى ذلك رسالته إلى والي قلة الشريف أحمد الشريف إذ يقول فيها: «... ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر، وهو واصل إليكم، ويجلس في مجلس الشريف أعزه الله هو وعلماء مكة، فإن اجتمعوا فالحمد لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة، والواجب على كل منا ومنكم أن يقصد بعمله وجه الله ونصر رسوله ﷺ».
وإذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب استطاع -إلى حدٍّ كبير- توضيح وتجلية دعوته مما علق بها من تشويه وتحريف داخل الجزيرة، فإنه لم يتمكن من إحراز شيء يذكر من ذلك خارج الجزيرة، ولقد بقيت الصورة مشوشة إلى سنوات متأخرة.
ولم يذكر التاريخ إلا حادثة واحدة اجتمع فيها عالم من الحركة الوهابية مع علماء الأزهر عام 1229ه تاريخ متأخر نسبيًا. «فقد سافر عام 1229ه مندوبان عن (الوهابية) وقابلا والي مصر آنذاك (محمد علي باشا الكبير) فأمر رهطًا كريمًا من العلماء، ومن رجال الأزهر، بفتح باب المناظرة بينهم وبين ذينك الشيخين، فعقد الطرفان عدة اجتماعات، طلب فيها علماء مصر من المندوبين النجديين إعطاء التفاصيل الوافية عن المذهب الوهابي ... فراحت المناظرات تجري بين الجانبين واتسع نطاق الجدل والمدارسة، حتى عقدت راية الفوز في النهاية للوهابيين، وذلك باقتناع علماء مصر بأن تعاليم المذهب الوهابي تنطبق بمجموعها على منطوق الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول ﷺ... وقد نشر علماء الأزهر على إثر ذلك بيانًا أعلنوا أنهم لم يروا شذوذًا دينيًا في المبادئ الوهابية، وفوق ذلك كان في جملة ما نقله المندوبان الوهابيان إلى مصر، كتابًا خطيًا في العقائد وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المذهب الوهابي، فطالعه العلماء في الأزهر وصرحوا بعد ذلك بلسان واحد قائلين: إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا فنحن وهابيون».
فإذا كان علماء الأزهر وإلى هذا التاريخ 1229ه لم يقفوا على حقيقة الحركة الوهابية، وكان كل ما يعرفونه عنها تلك التهم والشبهات، وكُتب محمد بن عبد الوهاب بمنأى عنهم، فلأن يكون تصور دولة الخلافة كذلك ليس مستغربًا.
والراصد لعلاقة دولة الخلافة بالحركة الوهابية لا يجد أي ردة فعل تذكر قبل أن يبسط سعود بن عبد العزيز نفوذه على مكة والمدينة.
وهذا أمر بدهي، إذ إن دولة الخلافة كانت مشغولة بما هو أهم من حركة صغيرة في بلاد نجد التي لم تعرها دولة الخلافة من قبل أهمية، وتركتها تحكم نفسها حتى بدون أن تعين عليها ولاة من عندها، فقد كانت المشاكل داخل الدولة وخارجها تصرف نظر الدولة عن حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمثالها، وربما اكتفت بمشاركة الآخرين بالسماع عن تلك الحركة، دون أن تتخذ موقفًا تجاه ذلك، فلما وصل الأمر إلى نزع بلاد الحجاز من يدها، فإن ذلك بلا شك يحرك كل ساكن في جسد دولة الخلافة، فمكة والمدينة ملتقى المسلمين وأشرف البقاع، وسيطرة دولة الخلافة عليهما تربط المسلمين بها برابطة العقيدة والشعور الإسلامي المتبادل، ولذا فإن دولة الخلافة بدأت تكون تصورًا جديًا للحركة الوهابية منذ تلك الأحداث التي سبقت دخول مكة والمدينة، وإبان دخولها وبعده.
ولقد استغل المغرضون هذه المناسبة المهمة بالنسبة لدولة الخلافة ليفرغوا كل ما في جعبتهم ضد الحركة الوهابية فيشوهوا صورتها، ويمثلوها في صورة أدناها خروج الحركة الوهابية عن سلطة دولة الخلافة، وإعلان العصيان، والمناداة بخلافة جديدة بيد خليفة عربي.
وسنرى فيما يلي بعضًا من تلك الصور الحية التي كانت تتناقل وتصل إلى دولة الخلافة على شكل أفراد أو على شكل تقارير.
فيذكر الجبرتي في تاريخه في أحداث سنة 1217ه شهر شعبان فيقول: «وفيه حضرت جماعة من أشراف مكة وعلمائها هروبًا من الوهابيين وقصدهم السفر إلى إسلامبول يخبرون الدولة بقيام الوهابيين، ويستنجدون بهم لينقذوهم منهم، ويبادروا لنصرهم عليهم، فذهبوا إلى بيت الباشا والدفتردار وأكابر البلد، وصاروا يحكون ويشكون، وتناقل الناس أخبارهم وحكاياتهم».
وفي أحداث السنة نفسها في شهر ذي الحجة يقول: «وفي يوم الجمعة خامس عشر حضرت مكاتبات من الديار الحجازية يخبرون فيها عن الوهابيين، أنهم حضروا إلى جهة الطائف فخرج إليهم شريف مكة الشريف غالب، فحاربوه فهزموه فرجع إلى الطائف وأحرق داره التي بها، وخرج هاربًا إلى مكة، فحضر الوهابيون إلى البلدة ... فحاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا، فأخذ البلدة الوهابيون واستولوا عليها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا دأبهم مع من يحاربهم».
وكان هذا تأريخ الجبرتي لبدء الحوادث وتوارد الأخبار إلى أسماع الناس في مصر وغيرها، ويلاحظ أن الجبرتي لم يتسرع في الحكم، ولذا لم ينقل تلك الأخبار التي حملها أولئك الهاربون من الديار الحجازية بتفصيلها.
إلا أن الرسائل التي كانت تتداول بين الولاة والعلماء في مكة والمدينة ودمشق ومصر مع الآستانة، كانت كلها تردادًا لتلك الإشاعات والاتهامات التي عف الجبرتي عن ذكرها.
وسوف نعرض لصورتين من تلك الرسائل، صورة لما كان يكتبه الولاة العلماء من داخل الأراضي الحجازية، وصورة لتلك الرسائل من خارج الأراضي المقدسة، خصوصًا إبان الاستعدادات الحربية لضرب الحركة الوهابية وأثناء تلك الحرب وبعدها.
فهذه رسالة بعث بها قاضي المدينة المنورة، وشيخ الحرم، وختموها، ومهروها بمهورهم يطلبون فيها مساعدة السلطان إياهم للوقوف أمام قنابل الخارجي التي يقصف بها المدينة المنورة، ويقولون في رسالتهم: إن الخارجي يكفر كل من لا يتبعه من المسلمين، وتمكن بقواته الكثيرة من الاستيلاء على مناطق كثيرة في العراق واليمن وجهات الشام، وأحاط بجوانب الحرمين الشريفين.
وعليه يجب إرسال القوات لرد هذا المعتدي برًا وبحرًا وإمداد الأمة المحمدية، وهذا هو المرجو. حرر في أواسط شعبان 1217ه.
ولا شك أن هذه الرسالة تحمل أهمية خاصة، وتعكس صورة لا ريب فيها، فأهل الحجاز ، علماؤها وقضاتها وشيخ الحرم أدرى بواقعهم، وهم يحملون تلك الرسالة إلى السلطان العثماني، ويجعلوه أمام صورة لا تتحمل سوى إعلان الحرب على أولئك الخوارج الذين استباحوا الحل والحرم، وإذا كانت هذه رسالة المدينة، فإن الأهم منها رسالة والي مكة وشريفها غالب بن مساعد، الذي كان تاريخه مشحونًا بالأحداث مع الحركة الوهابية، ولعب أدورًا رئيسة في ضرب الحركة من جانب، وفي تشويه سمعتها لدى الآستانة من جانب آخر، وسنستدرك في الحلقة القادمة رسالته.
والتي كان لها ولرسالة والي المدينة أثرهما الكبير في عقد اجتماع مهم في الآستانة لبحث قضية الحركة الوهابية واتخاذ ما ينبغي اتخاذه تجاهها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل