العنوان إعادة تقييم ما كتب هذا الجيل الرائد
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 703
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 05-فبراير-1985
أول ما يستوقف النظر في إنتاج العقاد والمازني وهيكل وسلامة موسى وغيرهم من الكتاب أنه كان جزئيًا لا يتكامل، لم يجرؤ أحدهم في الغالب على إخراج كتاب إلا بعد أن تقدم العمر وطال عليهم في الكتابة والصحافة المجال كل ما أخرجوه، النصف الأول من حياتهم مجموعات تضم مقالاتهم «في أوقات الفراغ لهيكل» يقابله من العقاد مطالعات في الكتب والحياة، ساعات بين الكتب مراجعات في الآداب والفنون، وعند «المازني» حصاد الهشيم وقبض الريح وصندوق الدنيا، وعند سلامة موسى «مختارات سلامة موسی».
لم يكن تأليف الكتب بطريق تجميع مقالات متفرقة مجرد مرحلة من مراحل الحياة الفكرية لهؤلاء الكتاب، بل كان ذلك صفة من صفاتهم العقلية تكشف عن طبيعة تكوينهم وعن حدود قدراتهم ومواهبهم، فقد كانوا منذ البداية عاجزين عن أن تكون لهم نظريات شاملة لشيء من الأشياء السياسية أو الأدبية أو الحياة، كان الأمر عندهم متنقلًا بين الشخصيات والأفكار والكتب، وكان ما يصدر عنهم انطباعات سريعة من قراءات لا تستولي عليهم، ولا تملأ حياتهم ولا وجدانهم، وإنما أقصى ما تستطيعه هذه القراءات أن تدخل إلى نفوسهم تشوه الإعجاب بفكرة أو بشخص، ولكنها لا تلبث أن تنطفئ لتحل محلها إعجاب بفكرة أخرى وشخصية تالية.
فهيكل الذي ألف كتاب «روسو» من جزءين لا يكاد يذكر روسو فيما كتب بعد ذلك، وكأنه لم يقرأ له أو يقرأ عنه. دع عنك أنه ألف كتابًا طويلًا عن حياته وأفكاره، والمقالات التي تقرؤها في كتب العقاد أو المازني عن نيتشه ودوركايم وغيرهما أشبه شيء بقاعات في متحف صور نجد فيها إنتاج كل الفنيين في حياد يقف من الجميع على بُعد واحد تقريبًا.
ولذلك إذا فرغت من قراءة كل ما كتبه العقاد والمازني وهيكل فعلًا، لا تعرف بالضبط ما الذي يريده أي منهم، ثم لا تعرف الفارق بين واحد منهم والآخر، فيما عدا الفوارق المادية من حيث الوضوح أو الغموض، أو جزالة الأسلوب ورخاوته، فإنهم في واقع الأمر أبناء مدرسة واحدة، وقد انتقلوا جميعًا من التاريخ للإسلام، والدفاع عنه، وختموا حياتهم الفكرية بهذا الطور وكأنهم كانوا جميعًا على موعد في كل خطوة يخطونها.
ويسوغ لك أن تتساءل بعد أن تقرأ كتب العقاد عن عبقريات محمد وعمر وأبو بكر والصديقة بنت الصديق والإمام علي والحسين وعن الإسلام بين حقائقه وأباطيل خصومه، وكتب هيكل عن محمد وأبي بكر وعمر ومنزل الوحي، وكتب غيرهم ممن ينتسبون إلى نفس العصور ونفس المدرسة من الإسلام، لك أن تتساءل بعد أن تفرغ من قراءة هذه الكتب الكثيرة ما الفارق بين هيكل والعقاد وغيرهما حينما لم يكونوا يذكرون القرآن إلا نادرًا؟! وهيكل والعقاد وزملاؤهم حينما وجهوا جهدهم الأدبي ووقفوا دراساتهم أو كادوا على الإسلام وأبطاله وأحكامه، ومواقع معاركه وأثره في الفكر الإنساني، وقد لا يروقك أن تعلم أنه لا شيء مطلقًا أو لا شيء تقريبًا، فكما كانا يؤلفان في الماضي عن (روسو وجيته وبيكون) كتبًا، وكما كانا يكتبان مقالات عن (فرانس ونيتشه) وعن الفلسفة الغربية وعن زعماء الفكر الأوربي كتبًا عن الإسلام ونبيه وصحابة رسوله، وعن أثره وفلسفته، فما من شيء في حياتهما تغير بتغير موضوع دراستهما وكتاباتهما وما من شيء تأثر في أسلوب تفكيرهما، وكان من الطبيعي وقد بلغ الإعجاب عندهما بالإسلام إلى هذا الحد الكبير أن ينعكس على مسلكهم في الحياة العامة، وعلى تفكيرهم السياسي وهم رجال سياسة وصحافة هذا القدر من الإعجاب ولكنك لا ترى له أثرًا، وليس هذا إلا مظهرًا كاشفًا عن موقف كتاب هذا الجيل كله فالكتابة عندهم لم تكن معاناةروحية ولم تكن إعلانًا عن إيمان وعقيدة، ولا ارتباطًا وتصميمًا.
بدأ هؤلاء الشبان حياتهم الفكرية وهم يتمنون أن يكونوا طليعة فكر «علماني» لا ديني، طليعة حرة المدرسة من الأحرار لا تخيفهم التقاليد الموروثة ولا القيم التي أسبغ عليها الخوف والكسل والتراخي العقلي والوجداني هالات قداسة لا يستحقها بل لعلهم تاقوا إلى الذهاب إلى أكثر من ذلك بالدعوة إلى التحرر من الدين كله أو الإقلال من شأنه، ولكنهم لم يجرؤوا في البداية على التصريح بشيء من هذا، وتركوا للجمهور أن يستنتج من مسلكهم العام أنهم لا دينيون وأنهم يريدون أن يحققوا حركة فكرية لا تهاب عمائم الشيوخ ولا الخرافات الشائعة بين الناس، وأن يقتحموا قلاع الرجعية الفكرية فماذا فعلوا؟ كان أقصى ما استطاعوا أن يفعلوه أن يذكروا اسم الرسول مجردا من لقب «سيدنا» وألا يتبعوه بالصلاة عليه، فسيدنا محمد هو عندهم «محمد» كما أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر ليسا سوى أبي بكر وعمر وقنعوا بهذا وكفى الله المؤمنين القتال.
أما ما هم به طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» من الدعوة إلى استبعاد القرآن كمرجع تاريخي، عند تحقيق العصور التي تعرض لها في آياته فقد حذفه من كتابه في الأدب الجاهلي، وأثر العافية، وقد نهج نفس المنهج «علي عبد الرازق» حينما أصدر كتابه الإسلام وأصول الحكم والذي قال فيه إن الخلافة لم تكن أصلًا من أصول العقيدة الإسلامية ولا عنصرًا من عناصر رسالة الرسول عليه السلام، وأن القرآن والسنة لم يبينا أصول الحكم، فقد عزل من القضاء، فكان كتابه هذا بيضة الديك وأمسك عن القول في الإسلام والخلافة.
ثانيا- موقف هذه الجماعة من الاحتلال والملكية:
هذه الجماعة التي أرادت أن توهمنا أنها متوثبة ومتحررة لنرى موقفها الذي لا هوادة فيه من عدوين خطيرين: الاحتلال والملكية فماذا كان موقفهما منهما؟ كان العقاد أول الأمر أعنف في مجابهة الإنجليز وفي مخاصمة الملك، لكن مخاصمته للإنجليز، كانت تأتي عادة في المرتبة الثانية بعد العراك مع خصوم الوفد وخصوم سعد، بل إن مخاصمة الإنجليز والتصدي له كان فرعًا عن مخاصمة عدلي، فالإنجليز ليسوا مكروهين لذاتهم، بل مكروهين لأنهم يسندون عدلي، وهم في الواقع يداولون الحكم بين سعد وعدلي.
ولكن لما انتهى هذا الجيل من المفكرين في شأن الإنجليز والملك هدأت المعركة مع الإنجليز، وقد استحال النضال الوطني حربًا أهلية بين الأحزاب يصيب الإنجليز خلالها بعض الرشاش، ولكن السهام والحراب والقذائف وجهت إلى الخصوم في الداخل، ولذلك هبطت الوطنية المصرية إلى مستوى كان له أسوأ الأثر على الفكر.
لم يكن الناس يسمعون ولا يرون شيئًا يثير طموحهم الروحي، ولا يحرك عواطفهم إلى مثل أعلى، وكان كل ما يكتب مكررًا ومعادًا فلم يؤثر غير كتابنا جميعًا في هذه المرحلة كلام يستحق أن نجله، كتب العقاد وهيكل والمازني وعزمي آلاف بل عشرات الآلاف من المقالات السياسية الحزبية فلم يبق منها شيء مطلقًا، بل إن العقاد شكا لي يوما في بيته بمصر الجديدة أنه يشعر بأن ما يكتبه كأنما يلقى به في بئر، ولذلك لم يكن غريبًا إلا أن ترتسم في الذهن صورة المناضل العنيد للإنجليز، إذا ما ذكر اسم واحد من كتاب العصر الذي يؤرخ له، قال كل منهم كلامًا حادًا أو لينًا، متصلا أو متقطعًا ضد الإنجليز حسب مقتضيات ظروف الساعة، فلما انقضت تلك الظروف لم يبق في الذهن أثر لها فلم تكن مخاصمة الإنجليز وطردهم عن البلاد شغلًا شاغلًا لواحد من كبار كتابنا، بل إن العقاد خلال الحرب كان يذيع من الإذاعة المصرية لصالح الحلفاء، وتوج جهوده بإصدار كتاب عن «هتلر» فلما قربت جيوش الألمان من الإسكندرية هاجر إلى السودان.
ولما فسد الملك وفسدت بطانته وتوالت الفضائح لم تسمع لكبار كتابنا شيئًا ذا قيمة في هذه الكارثة القومية، وكان من المنتظر من العقاد الذي بدأ حياته متنمرًا يتوثب لمنازلة الملك ويهدد بتحطيم رأسه، إن هو فكر في المساس بالدستور أن يقود حملة ضد الملك فاروق، ولكنه لم يفعل بل إن الحملة بدأها غيره وحمى وطيسها والعقاد لا صوت له فيها وكبار كتابها لا يسهمون بقليل أو كثير، بل إن بعض كتابنا ضفروا أكاليل الغار فوق رأس الملك فاروق وأحرقوا بين يديه البخور، الأمر الذي يسجل كيف أفلس هذا العصر إفلاسًا مروعًا.
ولذلك أصبح من الهين أن يجتمع كبار الكتاب في معسكر واحد، فقد كانوا جميعًا ينتمون إلى مدرسة واحدة هي مدرسة حزب الأمة، ثم ابتعدوا عن بعضهم حينما بدأ التنافس على الحكم ثم عادوا كما كانوا».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل