; إعادة كتابة تاريخ صدر الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان إعادة كتابة تاريخ صدر الإسلام

الكاتب أكرم العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 438

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 27-مارس-1979

الحلقة الثانية

  • ما النتائج التي نحصل عليها من تطبيق هذا المنهج؟

والآن ما المقصود بالبحث في التاريخ الإسلامي وفق مناهج المحدثين؟

المقصود أن للمحدثين مناهج وطرق في نقد الأحداث ومعرفة الصحيح من الضعيف والمطلوب تطبيق هذه المناهج في نقد الروايات التاريخية المتعلقة بتاريخ صدر الإسلام أن هذه الروايات التاريخية تشبه الأحاديث من حيث وجود الأسانيد التي تتقدم المتون مما يمكن الناقد من معرفة الرواة. المتعاقبين الذين نقلوا الخبر أو الرواية خلفًا عن سلف. وتستمد المعلومات عن الرواة من كتب علم الرجال التي تختص ببيان أحوال الرواة، فمثلاً شرط الصحيح من الحديث هو أن يرويه العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فشرط الرواية التاريخية الصحيحة أن كل رواتها المتعاقبين إلى- شاهد العيان- متدينون تدينًا صحيحًا وعندهم ملكة الحفظ التي تمنع وقوعهم في الأوهام والتخليط ويؤدي إلى ضبطهم للرواية سواء في صدورهم أو كتبهم، يضاف إلى ذلك أن تكون الرواية متفقة مع الروايات الأخرى التي يرويها رواة يتمتعون بتوثيق أكثر، أما إذا خالفتها فهي شاذة مرجوحة، وكذلك أن لا يكون في الرواية التاريخية علة خفية قادحة بصحتها كالتدليس الخفي أو الإرسال الخفي أو الاضطراب في معلومات المتن. وإذا كانت الروايات التاريخية لا ترقى إلى درجة الصحة الحديثية وفق الشروط المتقدمة. فإنه ينظـر إلى تعدد طرقها بجمع ما يتعلق بالمسألة التاريخية الواحدة والنظر في اتفاقها أو اختلافها، فإن تعددت مخارج الرواية الواحدة، فإنها تقوى خاصة عند استحالة اجتماع الرواة الذين رووها واتفاقهم على الكذب.

ولكن ينبغي ملاحظة منهج المحدثين عند التعامل مع الرواية التاريخية فهم يتساهلون في رواية الأخبار التاريخية. كما نلاحظ عند ثقات المؤرخين مثل محمد بن إسحق وخليفة ابن خياط والطبري، حيث يكثرون من الأخبار المرسلة والمتقطعة. كما أن الطبري يكثر النقل عن رواة في غاية الضعف مثل هشام بن الكلبي وسيف بن عمر التميمي ونصر بن مزاحم وغيرهم.

ولا شك أن عدم تمحيص المؤرخين للأخبار كما فعلوا في الحديث واكتفاءهم بإلقاء العهدة على الرواة المذكورين في أسانيد الروايات ألقى عبئًا كبيرًا على «المؤرخ المعاصر المسلم» لأنه يحتاج إلى بذل جهد ضخم للوصول إلى الروايات الصحيحة بعد فهم وتطبيق منهج المحدثين. وهو أمر لم يعد سهلاً ميسورًا كما كان بالنسبة لخليفة بن خياط أو الطبري بسبب تضلعهم في مناهج المحدثين وطرق سبرهم للروايات وتمييزها، وعلى أية حال فنحن لا نبخس قدامى المؤرخين حقهم وفضلهم فقد جمعوا لنا المادة الأولية بالأسانيد التي تمكننا من الحكم عليها ولو بعد جهد وعناء.

  •  ما الفرق بين كتب الحديث وكتب السيرة

والآن ماذا بعد سبر الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؟

المطلوب اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها ثم الحسنة ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام.. وعند التعارض يقدم الأقوى دائمًا.. أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على أن لا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي، لأن القاعدة «التشدد فيما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة»، ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة مليء بالسوابق الفقهية، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام، فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لا قضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على إثر الفتوح.

أما الروايات التاريخية المتعلقة بالعمران كتخطيط المدن وريازة الأبنية وشق الترع.. أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فلا بأس من التساهل فيها.

وما دمنا قد قبلنا هذا «المبدأ» فإنه يمكن الإفادة بصورة واسعة من كتب الحديث، في دراسة عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة، لأن كتب الحديث خدمت أكثر من كتب السيرة  والتاريخ من قبل النقاد. فمثلا قد تميز صحيحا البخاري ومسلم وعرف أن كل ما فيهما صحيح بعد الدراسات النقدية التي قام بها حفاظ كبار قدامى ودارسون معاصرون، وحتى الأحرف اليسيرة المنتقدة فيها صمدت أمام النقد لأن أصولها معروفة، ولم ينفرد بها البخاري ومسلم. وما دام الأمر كذلك فيمكن إذًا اعتماد ما أورده البخاري ومسلم من روايات تتعلق بالسيرة والراشدين ثم النظر في روايات السنن الأربعة وموطأ مالك التي لقيت سبرًا وتمحيصًا أيضًا رغم أنها لا ترقى إلى درجة الصحيحين ولا تخلو من الضعيف.

إن كتب الحديث تحوي قدرًا كبيرًا من أخبار السيرة وإن كانت لا تغطي كل أحداثها ومن هنا تبرز أهمية النقد الحديثي لروايات كتب السيرة  والتاريخ.. فكبار المحدثين أمثال الحافظ ابن سيد الناس في كتابه «عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير» والحافظ الذهبي في كتابه «تاريخ الإسلام» عندما كتبا السيرة النبوية اعتمدا على الكتب الستة «البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة» لكنهما لم يتمكنا من الاستغناء عن كتب السيرة  والتاريخ. ولا بد هنا من إيضاح حقيقة هامة قد يؤدي إغفالها إلى شكنا في صحة تصورنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحة معلوماتنا عن الخلفاء الراشدين المهديين. وهذه الحقيقة هي أن كتب الحديث تدعم ما أوردته كتب السيرة والتاريخ في معظم الجوانب المتعلقة بالسيرة، وخاصة سيرتي محمد بن إسحق بن يسار «ت١٥١هـ» وموسى بن عقبة «ت١٤٠هـ» والأولى وصلت إلينا بعنوان سيرة ابن هشام الذي قام بتهذيبها. وقد خصصت سيرة ابن إسحق لأن السيرة التي تقابلها هي مغازي الواقدي الذي رماه المحدثون بالوضع وضعفوه رغم تصريحهم بغزارة مادته في السيرة.. والحق أن الدراسة لمغازي الواقدي.. تكشف عن صحة ما يقوله المحدثون فكثير من الرواة الذين يسوق الواقدي الروايات بواسطتهم لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال..

وهناك اتجاه خاطئ عند بعض المستشرقين تابعهم فيه بعض مؤرخينا يعلي من شأن مغازي الواقدي ويقدمها على سيرة ابن إسحق.. والحق أن سيرة ابن إسحق أدق وأوثق وتتطابق معلوماتها مع معلومات كتب الحديث في كثير من الجوانب. إن الفرق بين كتب الحديث وكتب السيرة يتمثل في كون كتب السيرة تسوق كثيرًا من الروايات بأسانيد مرسلة ومنقطعة في ما نجد هذه الروايات في كتب الحديث متصلة مسندة مما يوثق معلومات كتب السيرة. ولكن لا شك ستتم بعض الإضافات والتعديلات إذا اعتمدنا على كتب الحديث إلى جانب كتب السيرة  والتاريخ، وإذا طبقنا قواعد النقد الحديثة على «الرواية التاريخية». وفيما يلي بعض النتائج التي سنحصل عليها بسبب تطبيق هذا المنهج، والتي اتضحت لي من دراساتي الخـاصة بهذا الموضوع.

۱- زيادة اليقين بصحة معلوماتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي تقدمها كتب السيرة المعتمدة وخاصة سيرة ابن إسحق.

وهذا من رحمة الله بعباده أن حفظ لهم سيرة نبيه ليتمكنوا من الاقتداء به. 

٢- إضافة معلومات تكمل جوانب حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الشاملة لأمور الدين والدنيا وهذه الإضافات التي تقدمها كتب الحديث مهمة لأن كتب التاريخ والسيرة المختصة اقتصرت على المغازي دون تفاصيل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في عصر السيرة.

٣- توضيح بعض الجوانب التي اختلف فيها المؤرخون والمحدثون مثلا «غزوة بني المصطلق» يذكر البخاري في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم داهمهم على غرة أما كتب السيرة فتذكر أنه أنذرهم وأنهم تأهبوا لقتاله وقاتلوه على ماء المريسيع.

ففي مثل هذه الحال نحتاج إلى فهم موقف الإسلام من إنذار العدو وسوف نطالع ثلاثة آراء للعلماء:

الأول: يقول بعدم الوجوب مطلقا.

وهو رأي حكاة المازري والقاضي عياض.

الثاني: يقول بالوجوب مطلقًا وإلى هذا الرأي ذهب الإمام مالك وآخرون.

الثالث: يقول بالوجوب بالنسبة لمن لم تبلغهم الدعوة وعدم الوجوب بالنسبة لمن بلغتهم. وإلى هذا الرأي ذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأتباعهم وهو الراجح.

وبما أن بني المصطلق ممن بلغتهم الدعوة فإن رواية الإمام البخاري في مهاجمة الرسول صلى الله عليه وسلم لبني المصطلق على غرة منسجمة مع هذا الرأي الراجح.

ولا داعي إلى ترجيح رواية ابن إسحق وبقية كتاب السيرة عليها بحجة أنها أكمل وأن رواية البخاري تخالف النص القرآني ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ﴾ (سورة الأنفال: 58)

٤- إن التعديل في بعض الموضوعات المتعلقة بالسيرة والتي لم تهضمها الدراسات المعاصرة المعتمدة على كتب السيرة والتواريخ فقط مثلاً «نظام المؤاخاة» و«الوثيقة التي كتبها النبي صلى الله عليـه وسلم كدستور للمدينة أول الهجرة».. ولكن ينبغي أن لا نبالغ في حجم التعديل الذي سيحدث في صورة السيرة كما تظهر عند كتاب السيرة القدامى وكما عرفها المسلمون في خلال الأربعة عشر قرنًا الماضية، فإن الدراسة والمقارنة تكشف عن التطابق بين كتب الحديث وكتب السيرة في كثير من الأسس والتفاصيل معًا، وهذا من حفظ الله تعالى لسيرة نبيه لتبقى منارًا يقتدي بها المسلمون في كل عصر ومصر. فكان أن هيأ لها جهابذة المحدثين من طبقة التابعين وتلاميذهم لكتابتها في وقت مبكر.

مستقين أخبارها من الصحابة الذين كانوا شهود عيان ومشاركين في الأحداث. فلم يقع انقطاع بين الأحداث والتدوين يؤدي إلى الضياع أو التحريف أو التهويل. وعندما نستعرض أصحاب كتب السيرة نجد معظمهم من المحدثين وليسوا من الأدباء أو القصاصين ولذلك أهميته، فهم معروفون بالتوثيق، ولهم مناهج نقدية واضحة.. وأساليبهم جدية بعيدة عن المبالغة والحشو والخيال.

ضرورة المرونة في تطبيق قواعد المحدثين في نطاق  التاريخ الإسلامي العام:

لا شك أن اشتراط الصحة- الحديثية في كل رواية تاريخية نريد قبولها فيه تعسف، لأن ما تنطبق عليه هذه الشروط لا يكفي لتغطية العصور المختلفة للتاريخ الإسلامي، مما يولد فجوات في تاريخنا، وإذا قارنا ذلك  بتواريخ العالم فإنها كثيرًا ما تعتمد على روايات مفردة أو مؤرخين مجهولين بالإضافة إلى ذلك فهي مليئة بالفجوات.. لذلك يكفي في الفترات اللاحقة التوثق من عدالة المؤرخ وضبطه لقبول ما يسجله مع استخدام قواعد النقد الحديثي في الترجيح عند التعارض بين المؤرخين.

إن اشتراط الأمانة والثقة والدين في المؤرخ ضروري لقبول شهادته على الرجال والأمم وتقويم دورهم التاريخي، إن مراحل التاريخ الإسلامي كلها بحاجة إلى إعادة تقويمها من وجهة النظر الإسلامي، وقد تبين مدى تغير الصورة التاريخي لفترة ما من تاريخنا عندما يتناولها بالبحث كتاب مسلمون منصفون كما حدث في إعادة تقويم الدولة العثمانية وفتح ملفها من جديد. ويبدو لي أن التغير الذي سيحدث في تصورنا  للتاريخ الأموي والعباسي وما بعدهما من حلقات حتى تاريخنا المعاصر سيكون كبيرًا جدًا.. وسيكشف عن مدى الزيف والتحريف الذي أصاب تاريخنا...

وفي الختام أدعو المؤرخين المسلمين إلى تقديم دراسات مفصلة تكشف عن ملامح التفسير الإسلامي للتاريخ وعن أبعاد المنهج النقدي الذي تعامل وفقه روايات  التاريخ الإسلامي، كما وأحذر شبابنا من الاعتماد في فهم أحداث  التاريخ الإسلامي وتصور عظماء رجاله على روايات تسوقها كتب التاريخ والأخبار دون تمحيص مما يعطي صورًا مشوهة لأحداث  التاريخ الإسلامي لتأثر الإخباريين الذي اعتمدهم الطبري وغيره من المؤرخين بالأهواء المختلفة والاتجاهات المذهبية والسياسية المتباينة التي طبعت رواياتهم عن عصر الراشدين وما بعده من عصور الأمويين والعباسيين. وأنه لا بد من محاولة جادة لإعادة صياغة  التاريخ الإسلامي بأقلام إسلامية تؤمن بالله وبرسوله وتحس بدور الإسلام وأثره في تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل. انتهت

الرابط المختصر :