; ٥٠ عاماً على رحيل البنا - وقفات مع مسيرة جهاد البنا | مجلة المجتمع

العنوان ٥٠ عاماً على رحيل البنا - وقفات مع مسيرة جهاد البنا

الكاتب ناصر بدر العيدان

تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999

مشاهدات 64

نشر في العدد 1338

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 16-فبراير-1999

  • هاردي: وفاة البنا كانت أكبر ضربة للإخوان.. وهذا هو المقصود
  • القائم بأعمال القنصلية الأمريكية بالقاهرة: عملية الاغتيال كانت مخططة

يقول الأستاذ سيد قطب (حسن البناء.. إنها ليست مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه.. وهنالك من يقول: إنها مصادفة، والحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء، وإحسان البناء، بل عبقرية البنا؟) (۱)، فهل هناك من حكمة حتى يسميه والده بحسن؟ أم هي خبايا القدر التي تلبس الاسم على مسماه كرهاً لا طوعاً؟ هذا ما كان يفقهه الشيخ الحكيم أحمد البنا، وكيف لا والشيخ أحمد البنا من أهل العلم والورع.. أم أن مهنة الساعاتي التي ورثها حسن عن أبيه كانت سبباً في لباقته وحسن مقياسه للأمور؟

أما الأستاذ زهران في مدرسة الرشاد، ذلك الشيخ المتصوف الضرير، الذي كان يحبب المواد إلى قلوب صغاره، ومنهم حسن البنا، وكان يعرف كيف يبعث في نفوس صغاره حب العلم والحرص عليه.. هل كان الشيخ. زهران السبب في: تنمية مهارة الجذب البناء عند حسن البنا منذ الصغر مع العلم أن حسن البنا انتقل من المدرسة عندما انتقل زهران منها.

أما الاحتلال الذي كان يشاهده حسن البناء ويشاهد مآسيه وهو صغير، كان سبباً في تأثره بمعنى النضال والثورة والتجديد؟

يمكنك وبكل تأكيد أن تقول إن جميع ما سبق الأستاذ حسن وأكثر لعب دوراً مهماً. في صياغة البنا.

ولقد بثَّ روح التجديد في الشباب المسلم. وعرف السر في بناء جيل رباني عجزت عن إيجاده مدارس التعليم العالي والتربية مع كل قدراتها وطاقاتها.

إنها عبقرية واضحة ولكنها صعبة المنال، بيِّنَةٌ وصريحةٌ، إلا أنها تترفع وتترفَّع مهما بلغت الأيادي الكاذبة في الاستيلاء عليها.. إذ عبقريته بالصدق!

 نعم بالإيمان والعمل وتقديم حاجة الأمة على حاجته، وبعد المدرك، وعمق المسلك، وكياسة الفعل والطمأنينة والرباط. هذه الأمور وأكثر من هذه الأمور تميز بنيان الأستاذ البنا عن غيره من التصورات والمباني».

 وقد غرس الأستاذ البنا هذه المعاني في جماعته.. جماعة الإخوان المسلمين.. وأسس بها بنياناً على منهاج النبوة، مسبوقاً بكلام الهادي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. 

وحسبنا وحسبك بعض الكلمات التي يوجهها الأستاذ البنا إلى تلاميذه، وتعرف بعدها أنه بنيان يصح لنا أن نطلق عليه بحق.. بنيان عبقري.. يقول البنا: هل أنتم على استعداد بحق لتجاهدوا ويستريح الناس ؟

وتزرعوا ليحصد الناس؟

وأخيراً لتموتوا وتحيا أمتكم؟

وهل أعددتم أنفسكم لتكونوا القربان الذي يرفع الله به هذه الأمة إلى مكانتها ؟ (۲).

 "لا تستعجلوا، فلا يزال الوقت أمامكم فسيحاً وستكونون من المطلوبين لا الطالبين.. فإن العزة لله جميعاً.. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) ﴾" (ص) (۳)

 وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد وأن يتعرض الأحرار منكم للمعاكسة وأكثر من المعاكسة، وأن يدعى المترفون منكم إلى السجون، وما هو أشق من السجون ولتبلون في أموالكم وأنفسكم... فمن كان معنا في هذه الخطوة فليتجهز وليستعد لها، ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الجهاد.. فليبتعد عن الصف قليلاً، وليدع كتيبة الله تسير ثم فليلقنا بعد ذلك في ميدان النصر إن شاء الله، ولينصرن الله من ينصره، ولا أقول لكم إلا كما قال إبراهيم من قبل: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) ﴾. (إبراهيم) (٤)

هذه الكلمات سهلة أم صعبة.. إنها ألفاظ تلمس حاسة الإدراك والعمل عند الإنسان قبل أن تصل إلى حاسة السمع، وبدأ البنا دعوته وأخذت السهام تأتيه من كل جانب كما سيأتي.. إلى أن تمكن أعداء الله في كل مكان.. من اغتيال الأستاذ دون أدنى إحساس بالمسؤولية التي حملها وسيحملها من بعده.

وزر السياسة

ترى.. ما السبب وراء هروب كثير من توجهات الأطروحات الإسلامية عن واقع السياسة، وعدم إعطاء السياسة حقها الذي تستحق أليس للمشاركة السياسية حق علينا كما أن للتعبير حقاً؟! وهل جاء الإسلام ليزيد المؤمنين إيماناً لا أكثر؟ هل تختم ديانة سماوية خاتمة دون أن تحدد الموقف من حاجة إنسانية مؤثرة في حياة الإنسان وكيانه ومستقبله كالسياسة؟

هي كذلك.. دوامة الوهن والبنا لمسات مشرقة لفك عقدة هذه الدوامة.

ولنختلق فيما بيننا حواراً يجيب فيه الإمام البنا عن بعض المشتبهات من خلال كتاباته.

ما تعليقك على ما ذكرت؟

لماذا يكون رجل الدين بعيداً عن السياسة ورجل السياسة بعيدا عن الدين؟؟.. ثم ما السياسة؟

أليست هي التعليم والتربية وتوزيع الأرزاق وتوفير الأمن والعدل للأمة في الداخل والخارج؟

إذا كانت الوزارات تمثل السياسة، فقد تجد اختصاص ست وزارات داخلاً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل). (٥)

لقد رأى العالم وسمع عن ازدهار فكرة الإخوان لتشمل الإصلاح السياسي من أرقى وافضل منظور، منظور العقيدة الإسلامية، فهل من كلمة توجهها إلى الإخوان العاملين في حقل السياسة؟

لستم طلاب حكم، ولكنكم طلاب منهاج وإصلاح ومبدأ، ففي اليوم الذي يتحقق فيه منهاجكم.. يكون في المحاريب مثواكم، وإلى المساجد مراحكم ومغداكم (٦).

معنى ذلك أنك لا تقبل رئاسة الوزارة إذا عرضت عليك؟

بل أقبل، والحكم ليس متعة وإنما هو جهاد (۷)

وهل ستشترك في الانتخابات إذا أجريت انتخابات قريبة؟

نعم (۸)

فضيلة المرشد، تأثر كثير من الناس بدعوة القومية العربية، فهل لسيادتكم من توضيح لمثل هذه الدعوات؟

الإسلام دين ووطن، والواقع أنه لا دولة بلا وطن. ولقد افتتن الناس بدعوة الوطنية تارة والقومية تارة أخرى، فانطلقت السن الزعماء وسالت أنهار الصحف، وكتب الكاتبون، وخطب الخطباء، وهتف الهاتفون باسم الوطنية وجلال القومية.

 حسن ذلك وجميل، ولكن غير الحسن وغير الجميل أنك حين تحاول إفهام الشعوب الشرقية - وهي مسلمة - أن ذلك بالإسلام بأوفى وأزكى وأسمى وأنبل مما هو في أفواه الغربيين، وكتابات الأوروبيين أبوا ذلك عليك، وزعموا أن الإسلام في ناحية، وهذه الفكرة في ناحية أخرى، وظن بعضهم أن ذلك مما يفرق وحدة الأمة، ويضعف رابطة الشباب.

ووجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود وطنيتنا بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له، والجهاد في سبيله خير، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم.

 كما أن دعاة الوطنية لا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوي نفسها على حساب غيرها فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قطر إسلامي، إنما نطلب القوة لنا جميعاً، ودعاة الوطنية المجردة لا يرون في ذلك بأساً، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف القوى ويضرب العدو بعضهم ببعض (۹). 

ولكن إلا تظن فضيلة المرشد أن ظهور دعوتكم الدينية هذه ستمزق وحدة هذه الأمة التي قد تجمعها الوطنية، وذلك بسبب احتواء المجتمع عناصر دينية أخرى مختلفة؟

أحب أن أنبهك إلى سقوط ذلك الزعم القائل إن الجري على هذا الميدان يمزق وحدة الأمة التي تتألف من عناصر دينية مختلفة، فإن الإسلام هو دين الوحدة والمساواة كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).

فمن أين يأتي التفريق إذن؟ أفرأيت بعد هذا كيف أننا متفقون مع أشد الناس غلواً في الوطنية في حب الخير للبلاد. والجهاد في سبيل تخليصها وخيرها وارتقائها ونعمل ونؤيد من يسعى في ذلك بإخلاص، بل أحب أن نتعلم أن مهمتهم إن كانت تنتهي بتحرير الوطن واسترداد مجده، فإن ذلك عند الإخوان المسلمين بعض الطريق فقط أو مرحلة منه واحدة ويبقى بعد ذلك أن يعملوا لترفع راية الوطن الإسلامي على كل بقاع الأرض، ويخفق لواء المصحف في كل مكان (۱۰).

فكيف بنا أن نعتبر الخوض في السياسة وزراً نتورع عنه.. بينما هو في حقيقته نفل نتقرب به؟!.

 وفي ديسمبر١٩٤٨عقدت قناصل إنجلترا وفرنسا وأمريكا اجتماعاً في قرية فايد التي كانت تحتلها القوات البريطانية، وكلفوا السفير البريطاني أن يطلب من النقراشي باشا رئيس وزراء مصر إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين. 

وجاء الرد السريع من النقراشي باشا بصفته حاكماً عسكرياً عاماً بحل جماعة الإخوان المسلمين، ومصادرة شعبها وممتلكاتها، وكل مؤسساتها وأموالها، وتعطيل صحفها، وجرى من ذلك اعتقال أعضائها. 

وإليك نص البيان الذي أذيع في نشرة الأخبار في تمام الساعة الحادية عشرة من مساء يوم الأربعاء الموافق ٨ من ديسمبر ١٩٤٨م: أصدر محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء بصفته الحاكم العسكري أمراً بحل جماعة الإخوان المسلمين، وجميع شعبها في مصر، وإغلاق الأمكنة المخصصة لنشاطها، وضبط أوراقها وسجلاتها وأموالها، وممتلكاتها، وحظر اجتماع خمسة أو أكثر من أعضائها، وتسليم كل وثائق الجمعية وأموالها لأقسام الشرطة، لأن الجماعة أمعنت في شرورها بحيث أصبح وجودها يهدد الأمن العام والنظام تهديداً بالغ الخطر !!!، وبات من الضروري وقف نشاط الجماعة التي تروع الأمن لضمان سلامة أهل البلاد في الداخل وجيوشها في الخارج (۱۱).

وتوجهت المقل متخوفة إلى الإمام الذي بذل روحه لتقوم هذه الدعوة، فأجابهم وأجاب الأمة أجمع وبث فيهم روح تجدد العزيمة والأمل، عبر توجيه هذه الكلمات بعد قرار الحل: إلى حضرات أصحاب الفضيلة العلماء.. والخطباء.. والمفتين... والقضاة الشرعيين.

وإلى رئيس مجلس الشيوخ والنواب.. وإلى الشيوخ والنواب والهيئات والجماعات.

 وإلى الأساتذة من الكتاب ورجال الصحافة.. وحملة الأقلام. 

نوجه هذا البيان.. ونبسط بين أيديهم جميعاً هذه القضية. 

ليتصوروا مبلغ الظلم الذي وقع علينا. 

وليجاهدوا معنا لمقاومة هذا المبدأ الخطر.. وهو تحکم فرد في شعب، واستخدام السلطة الاستثنائية في القضاء على الهيئات والأفراد والجماعات والمنشآت بلا عاصم من شرع أو قانون.

 وسنجاهد في سبيل حقنا ما وسعنا الجهاد.. فإن أعوزتنا الحياة الشريفة العزيزة.. فلن يعوزنا الموت الكريم المجيد (۱۲).

 هذه هي بداية الإبادة.

ولم ير شباب الدعوة من بارقة أمل تحيي الإسلام، بل تنجي الإسلام بعد قرار الحل الجائر وهكذا برزت مخالب النسر الإسلامي في مدافعة حقيقية من أجل البقاء، وبدأت سلسلة الاعتقالات والانتهاكات من قبل الحكومة.. وكان في واجهة المعتقلين عبد الحكيم عابدين ومصطفى مؤمن وأعضاء مكتب الإرشاد جميعاً.

وبقي البنا وحده خارج الأسوار المهمة أعظم وتفاعلاً مع هذه الأحداث قوله: «إن الصراخ من الأطفال والنساء لأولئك المعتقلين يدوي جنبات كياني، ويزلزل أركاني.. هذا هو البلاء المبين (۱۳).

وجاء إبراهيم عبد الهادي ليترأس الحكومة بعد مقتل النقراشي، ولم يكن أقل دموية من النقراشي باشا.

بدأ حكومته بإنزال أشد العذاب على المعتقلين الإخوان؛ حيث شهدت السجون في وقته من الوحشية والشذوذ ما يذهل العقل، وظل البنا يطرق الأبواب والأسماع للخروج بحل من هذه الأزمة. 

فاستبشر خيراً، عندما أوصل له محمد الليثي مدير جمعية الشبان المسلمين، رغبة الحكومة في الحل، فأثرا أن يلتقيا في جمعية الشبان لكي يسترسلا في الخطوات المقبلة لهذه الرغبة، وبعد تفكير قصير عن الموعد المرتقب لهذا اللقاء المبشر قال الليثي: ليكن يوم ۱۲ من فبراير هو اليوم المنتظر (١٤)، فالتقط الخـبـر الـعـقـيـد مـحـمـود عبد الحميد - مدير البحث الجنائي في القاهرة - عبر مخبري الشرطة، وشرع في المؤامرة المرة.

 وأشرق صباح ۱۲ من فبراير ١٩٤٩م وتوجه البنا مع صهره عبد الكريم منصور المحامي إلى جمعية الشبان المحادثة محمد الليثي حول موضوع الحكومة.

فقاربت الساعة على الثامنة مساء موعد نهاية المحادثات، فودع الإمام البنا جمعية الشبان متوجهاً إلى الشارع ثم إلى منزله وبرفقته صهره.

 وحينما نظر حسن البنا إلى الشارع تعجب من أمور عدة، أضواء الشارع خافتة السكون يهيمن على الوضع.. على غير عادة. 

وزاد الأمر غرابة أن سائق الأجرة يقف بمجرد الإشارة، ويسأل من الذي سيركب؟! فتلكا السائق وكأنه لا يريد أن يأخذهم.. فإذا بالسكون ينفجر برجل يلبس ملابس البلدية ملثم، تبرق عينه يركض ناحية سيارة الأجرة وما أن أصبح على بعد مناسب من الإمام البنا، فإذا بقسمات الشراسة تخرج من جيبه حاملة مسدساً وصوب الفوهة ناحية المرشد. 

وفي سرعة فائقة انبطح المرشد واضعاً يده على رأسه، ولكن هذا الرجل - وقد كان مخبراً اسمه أحمد حسين جاد - فتح باب السيارة وصوب سبع طلقات على جسد الإمام الطاهر، وحدث مثل ذلك لصهره عبد الكريم.

وسمع الليثي صوت الرصاص فأسرع إلى الشارع لإدراك الموقف، إلا أن المجرم لم يتورع عن إطلاق النار عليه. 

نقل بعد ذلك الإمام البنا إلى المستشفى فاستقبله خفر الطوارئ هناك، وكانت على رأسهم الممرضة منى جمعة، ثم تم استدعاء الطبيب علي السباعي، وأيضاً الدكتور محمد حسني، والدكتور عبد الله الكاتب.

وكان رئيس النيابة على رأس المرشد ليأخذ أقواله، إلا أن حالته قد تدهورت، فتركه إلى أولئك الذين أودعوه إلى حيث صارت حالته من التردي والانهيار. 

وفي تمام الساعة الثانية عشرة والربع بعد منتصف الليل، غادر الإمام المجدد هذا العالم.

يقول الدكتور رشاد في تحقيقات ما بعد الثورة: سمعت من زميلي الدكتور أحمد شكيب الطبيب الشرعي الذي أجرى التشريح الجثمان إن البنا ترك ليموت بالنزيف من شريان مفتوح، وكان من أيسر الأمور إيقاف ذلك النزيف، وإنقاذ حياة ذلك الرجل بمشرط صغير، لو تمت العناية به وإنقاذه وإسعافه في حينه كأي مريض (١٥).

 ووقف الوالد الهرم أحمد البنا الذي جاوز التسعين عاماً، مذهولاً عندما عرف بخبر وفاة ابنه في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل من أحد الضباط، وقيل له لن تستلم الجثة إلا بعد أن تتعهد بالدفن قبل الساعة التاسعة صباحاً، وإلا فإن الشرطة سيحملون الجثة من مستشفى قصر العيني إلى القبر مباشرة، فوافقه على ذلك الوالد المنكوب.

وفي ساعات الفجر الأولى وصلت الجثة إلى بيت والد الإمام يغشيها الحزن والأسى، فقام الأب نفسه بإعداد جثة ولده للدفن.. يا له من موقف لن تنساه مصر بأكملها، أما نعش الشهيد فرفض رجال الشرطة أن يسمحوا لأي رجل بأن يحمله إلى القبر، وحمل النعش ثلاثة نسوة على أكتافهن محتسبات، وعندما وصلن إلى مسجد «قيسون» كان المسجد خالياً بسبب الشرطة حتى لا يصلى على جثمان الشهيد، ثم التقى الإمام التراب في قبره، وعاد من حيث أتى.. ولكنه ليس كبقية الذين يعودون ويأتون.

 لقد كتم الطغاة صوت البنا في ١٢ ساعة فقط..

قتلوه، ثم شرحوه وغسل ثم دفن في نصف يوم.

فابتهجي يا نجمة صهيون، وأشعلوا الشموع یا نصارى أما من ذبحه بيده فهو أداة، لا يستحق أن يكون فاعلاً لأنه قد أرخى ستار قلبه من أي عقيدة من أي دين.. من أي فكرة سوى حماية عرش السلطة.

وتعليقاً على هذا الحدث المهول، يقول الضابط الكندي «هاردي» في بحثه: «إن وفاة البنا كانت أكبر ضربة للحركة، بل هي ضربة صاعقة للإخوان بالمعنى الحرفي للكلمة، ولم يكن هناك شخص يملأ في الحال - مكان البنا وكان هذا هو هدف الجريمة (١٦).

جريمة فهل كانت هناك خطة اغتيال أو جريمة!؟

يقول جيفرسون باترسون القائم بأعمال القنصلية الأمريكية في رسالة إلى واشنطن: "إن عملية الاغتيال كانت مخططة، أو على الأقل تم التغاضي عنها من جانب رئيس الوزراء، ربما بدعم من السلطة، نفذت عن طريق القسم السياسي" (۱۷).

لقد أرادوها إبادة.. بكل ما أوتوا من قوة فيأبى الله إلا أن تكون.. شهادة.. يشهد بها أحفاد المجددين ويعلنونها في أرجاء العالم الإسلامي.. بل العالم كله شعارنا سيفان، دستورنا القرآن.

الهوامش

(1) الإمام الشهيد بأقلام تلامذته - جابر رزق - ص ٥٠

(۲) نجم الدعاة - د. توفيق علوان - ص ١٣٥

(۳) المرجع السابق - ص ١٣٤

(٤) المرجع السابق - ص ٤٢.

(٥) نجم الدعاة - د. توفيق علوان - ص ١٤٢

(1) المرجع السابق - ص ١٣٥.

(۷) الإمام الشهيد بأقلام تلامذته - جابر رزق - ص ٢١٦.

(۸) المرجع السابق - جابر رزق - ص ٢١٦

(۹) شمول الإسلام - د. يوسف القرضاوي - ص ۷۷.

(۱۰) المرجع السابق - د. يوسف القرضاوي - ص ۷۸

(۱۱) نجم الدعاة - د. توفيق علوان - ص ص 3۰.

(۱۲) المرجع السابق - ص ۳۱.

(۱۳) المرجع السابق - ص ٢٩٦.

(١٤) المرجع السابق - ص ٣٠٥.

(١٥ ١٦ ١٧) المرجع السابق - ص ۳۱۷

الرابط المختصر :