; ٤٠ عامًا على حريق المسجد الأقصى المبارك | مجلة المجتمع

العنوان ٤٠ عامًا على حريق المسجد الأقصى المبارك

الكاتب مراد عقل

تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009

مشاهدات 68

نشر في العدد 1866

نشر في الصفحة 64

السبت 22-أغسطس-2009

وما زالت آلامه تشتعل في قلوب من عايشوه حتى اليوم

قبل أربعين عامًا، وتحديدًا في يوم ۲۱ أغسطس ١٩٦٩م، قام اليهودي «مايكل دينيس روهان «أسترالي الجنسية» بارتكاب جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك حيث أدخل كميات كبيرة من المواد شديدة الاشتعال في المسجد القبلي، وأضرم النار فيها: فشبت النيران، وأتت على ثلث المسجد قبل أن يتمكن المقدسيون من إخمادها. والتهمت السنة اللهب منبر صلاح الدين الأيوبي الذي بناه، نور الدين زنكي بمدينة «حلب» السورية، قبل عشرين عاما من وضعه في المسجد الأقصى.

كما أتت النيران على مسجد عمر بن الخطاب، ومحراب زكريا، ومقام الأربعين وثلاثة أروقة داخل المسجد الأقصى. وبلغت المساحة المحترقة من المسجد المبارك أكثر من ثلث مساحته الإجمالية حيث احترق ما يزيد على ۱۵۰۰ متر مربع من المساحة الأصلية البالغة ٤٤٠٠ متر مربع.

وأحدثت النيران ضررًا كبيرًا في بناء المسجد الأقصى وأعمدته وأقواسه وزخرفته القديمة، وهوى جزء كبير من سقف المسجد على الأرض نتيجة الاحتراق، وسقط عمودان رئيسان مع القوس الحامل للقبة، كما تضررت أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة والمحراب والجدران الجنوبية، وتحطمت ٤٨ نافذة من نوافذ المسجد المصنوعة من الجبس والزجاج الملون، واحترق السجاد وكثير من الزخارف والآيات القرآنية المكتوبة على الجدران.

وقد كانت تلك الجريمة من أبشع الاعتداءات التي حدثت بحق الحرم القدسي الشريف، كما كانت خطوة يهودية فعلية في طريق بناء الهيكل اليهودي «المزعوم» مكان المسجد الأقصى. وكانت الكارثة الحقيقية والصدمة التي أعقبت هذا الاعتداء الآثم أن قامت محاكم الكيان الصهيوني بتبرئة ساحة المجرم بحجة أنه «مجنون»، ثم أطلقت سراحه دون أن ينال أية عقوبة أو حتى إدانة!!

الحاج «نادر أشتية» أحد رجال الإعمار في المسجد الأقصى آنذاك وشاهد عيان على الحريق يقول لـ «المجتمع» في الساعة السادسة والنصف من صباح ذلك اليوم كنت أعمل في حائط قرب باب الأسباط، وهناك رأيت سائحا أجنبيا يحمل حقيبة سوداء على ظهره، ويرتدي نظارة شمسية، ويسلك طريقه باتجاه المسجد الأقصى، وقد استغربت من دخوله في هذا الوقت المبكر؛ فالسياح لا يدخلون الأقصى قبل الثامنة صباحًا، وبعد دقائق انتقلنا للعمل على سطح مسجد قبة الصخرة، فرأينا أحد عمال النظافة في الأقصى - واسمه الحاج «والي»، وهو أفغاني الأصل- يركض من داخل المسجد ويصرخ قائلا: «الأقصى يحترق». ورأينا أعمدة الدخان تتصاعد، فنزلنا نركض باتجاه المسجد فوجدنا المنبر يحترق.

إطفاء الحريق

ويضيف الحاج «أشتية»: «حاولنا استعمال طفايات الحريق الموجودة داخل المسجد إلا أنها كانت قديمة وغير صالحة، فبدأنا بسحب السجاد لأن النار كانت تنتشر في كل مكان ووصلت إلى نوافذ المسجد، حتى أن السقف ذاب واحترق الرصاص المبطن للقبة وبدأ يتساقط على الأرض، وهنا استنجدت بالناس الذين هبوا لإنقاذ الأقصى.

الشيخ عكرمة صبري: عرقلة سيارات الإطفاء وقطع المياه عن المسجد الأقصى يؤكدان تورط الاحتلال في تدبير الحريق

وبعد برهة حضرت سيارة الإطفاء ففتحت لأفراد طاقمها باب قبة الأقصى وصعدوا على سطح المسجد وبدؤوا إطفاء النار من داخل القبة، وبعد ذلك لم يستطيعوا الدخول بين القبتين فدخلت أنا بينهما، وكان الممر ضيقا جدا، وأعطوني خرطوم الإطفاء فرأيت قسما من القبة يحترق من الداخل فقمت بإطفاء النار إلى أن انقطعت المياه؛ لأنها كانت تأتي من صنبور واحد عند الكأس، وهنا أجهشت بالبكاء، وكاد يغشى علي، ولكن كان همي الوحيد إطفاء ما يمكن إطفاؤه وإنقاذ الأقصى من هذه الكارثة. وبعدها حضرت سيارات إطفاء أخرى من الخليل وبيت لحم وتجمع الناس وتم إطفاء الحريق الذي استمر مدة ساعتين ونصف الساعة».

ويتابع قائلًا: تبين بعد الحريق أن المجرم «روهان» كان يأتي إلى المسجد يوميا قبل عشرة أيام من التنفيذ ومعه كاميرا؛ حيث كان يقوم بتصوير موقع الجريمة قبل تنفيذها، وقد طرده أحد السدنة مرة بينما كان نائما على السجاد داخل الأقصى، ويوم تنفيذ جريمته دخل بحجة التصوير.

وفي هذه الذكرى، يقول الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى «مدير المدرسة الشرعية الثانوية في المسجد آنذاك» وهو أيضا شاهد عيان على الحريق: «استيقظ أهالي القدس والعالم الإسلامي صبيحة يوم الخميس السابع من جمادى الآخرة عام ۱۳۸۹هـ على النبأ الفاجعة باندلاع حريق هائل في المسجد الأقصى المبارك، وكنت من المشاهدين لهذا الحريق بل من المشاركين في إطفائه بالإمكانات التي كانت متاحة لنا في ذلك الوقت».

ويضيف: «كان الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ينقلون المياه بالأنابيب القليلة المتواضعة، وكانوا ينقلون الأتربة بأوعية بسيطة من أجل إطفاء هذا الحريق، إلى أن أتت فرق وسيارات الإطفاء من بلديات رام الله والبيرة، والخليل وبيت لحم، وبيت ساحور، وبيت جالا؛ حيث شاركت في إطفاء الحريق، وكان الناس يكبرون ويهللون ويبكون لأنهم يرون بأم أعينهم الحريق يلتهم منبر صلاح الدين الأيوبي، ويلتهم أجزاء كبيرة من الجناح الشرقي للمسجد الأقصى المبارك ويلتهم القبة الداخلية».

ويؤكد الشيخ صبري أن النيران قد شبت دفعة واحدة في مواقع عدة وليس في موقع واحد، وهذا يُعد دليلًا على أن الجريمة ليست منحصرة في شخص «روهان»، وهو الذي اكتشف أمره واعتقل، ثم زعمت وسائل الإعلام الصهيونية أنه مختل عقليا، ولم تحاكمه!!

وأوضح الشيخ صبري قائلا: «السلطات الصهيونية مسؤولة عن هذا الحريق؛ حيث حاولت عرقلة سيارات الإطفاء من الوصول إلى المسجد الأقصى، وانقطعت المياه عن المسجد الأقصى فترة من الزمن، وهذا يؤكد تورط الاحتلال في تدبير هذا الحريق».

الشيخ محمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك آنذاك، كان كذلك شاهد عيان على الجريمة، ويروى مشاهداته قائلا: «كنت من الذين شاركوا في إطفاء الحريق بما تيسر من قطرات الماء في آبار المسجد الأقصى بعد انقطاع مياه الإطفاء التي هي من واجبات سلطات الاحتلال».

ويضيف: «لقد اندفع المقدسيون لمواجهة السنة اللهب التي علت القبة حيث كان الحريق يمتد بسرعة فائقة: لأن مكونات القبة والعوارض التي تحمل السقف المزخرف كانت من المواد الخشبية المشربة بالزيوت مما زاد حدة الاشتعال.

ويتابع: «لما كان مركز الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي الذي جلبه معه إلى المسجد الأقصى بعد تحرير القدس من دنس الصليبيين، فلا غرابة أن يمتد بهذه السرعة الفائقة إلى قبة المسجد ذات الزخارف الجميلة وإلى السقوف المجاورة لها، محدثًا أضرارا جسيمة في القبة والأسقف الخشبية المزخرفة وفي الأقواس التي تقوم عليها القبة مما استدعى فيما بعد -لإزالة آثار الحريق الغاشم -بناء سقف الجزء الشرقي الجنوبي من المسجد الأقصى بالأسمنت المسلح، وإعادة تأسيس الأعمدة الحاملة لهذه السقوف من المستويات الدنيا في المسجد».

همة الرجال

ويوضح الشيخ حسين أنه كان لوقفة المسلمين في هذه الديار المباركة وتعاونهم مع الأوقاف الإسلامية ولجنة الإعمار الأثر الفعال في المحافظة على المسجد الأقصى المبارك، وحصر الحريق المشؤوم والتغلب عليه وإزالة آثاره فيما بعد.

ويقول: «لقد أخمدت النيران بهمة الرجال الذين يفدون المسجد الأقصى بأرواحهم. وفشل المجرم في تحقيق أهدافه، وبقي المسجد الأقصى شامخا يمنح لهذه الديار هويتها الإسلامية، وقوة الدفع الروحي والإيماني لأبناء بيت المقدس».

 ولا شك أن جريمة إحراق المسجد الأقصى تأتي ضمن سلسلة من المحاولات الرامية إلى تغيير معالم القدس وطمس الصبغة الإسلامية للمدينة. وأن ذكرى ذلك الحادث الأليم تستدعي اليقظة، وزيادة عدد حراس المسجد داخله وخارجه، ومتابعة وتنظيم زيارة الأجانب للمسجد، وكذلك وجوب رصد ميزانية لترميم المسجد وإجراء صيانة دورية له، رغم أن سلطات الاحتلال تضع قيودا وتعرقل أي ترميم!

 الشيخ محمد حسين: المؤامرة فشلت في تحقيق أهدافها. وبقي المسجد الأقصى شامخا يمنح القدس هويتها الإسلامية 

الرابط المختصر :