; إعلامنا.. متى يصلب عوده؟ | مجلة المجتمع

العنوان إعلامنا.. متى يصلب عوده؟

الكاتب طارق الحمود

تاريخ النشر الأحد 22-ديسمبر-1991

مشاهدات 58

نشر في العدد 981

نشر في الصفحة 6

الأحد 22-ديسمبر-1991

·       لم يكن هول المفاجأة هو السبب الرئيسي في غياب الإعلام الكويتي وإنما كانت طبيعة الإعلام نفسه هي السبب في غيابه. 

منذ اليوم الأول للاحتلال العراقي البغيض انتفض الإعلام العراقي الدجال كالمارد العملاق ليبث أحاديث الإفك والزور وينثرها في بقاع الأرض، واستحوذ باقتدار خبيث على اهتمام وسائل الإعلام العالمية، بل واهتم هو بدوره بوجه خاص إلى توجيه دعاياته الأفاكة ودعاواه الباطلة إلى القطاعات المنسية من شعوب العالم كالفقراء وحركات المعارضة السياسية ودول العالم الثالث غير النامية، ونستطيع أن نقول بكل ثقة إنه كسب الجولة إعلاميًا على مدى فترة الاحتلال!

والسؤال الذي نحاول الإجابة عليه لماذا لم يكن لدينا إعلام يكافئ ذلك الإعلام العراقي الجائر والمضلل؟!

فجأة الحدث

بلا شك فإن النظام الحاكم بالعراق قد اتخذ كل سبل التحضير لعملية غزو الكويت، فلم يقتصر الأمر بالطبع على الاستعداد العسكري، وإنما كان لكل أجهزة الإجرام العراقية خطط محضرة ومعدة على نحو دقيق ومدروس، وكان للمخطط الإعلامي منها نصيب كبير، لا يضاهيه إلا التحضير السياسي والعسكري للغزو.

وإذا كانت آلة الإعلام العراقية قد دربت تدريبًا عاليًا على المعارك الإعلامية وخاضت على مدى سنوات حكم البعث أشرس الاشتباكات الإعلامية التي استهدفت تبييض وجه النظام البعثي وتشويه صورة العدو المقصود بالحملات الإعلامية لتبرير العدوان عليه، فإن شواهد ذلك كثيرة بدءًا من حملات الإعلام مع إيران أيام الشاه أو مصر أيام السادات أو مع سوريا بعد الخلافات بين جناحي البعث أو مع إيران مرة أخرى بعد الثورة والحرب.

وجاء احتلال الكويت وقد بلغت تلك الآلة الإعلامية العراقية شأنًا كبيرًا في القدرة على إقناع الآخرين بما تردده، وعلى قلب الأبيض أسود أو العكس أو تحويل المظلوم إلى ظالم أو المنتصر إلى مهزوم، وتجلت هذه القدرة على التأثير هنا في الكويت عندما تعاطف الناس مع طروحات الإعلام العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية، ووقفوا مع النظام العراقي بكل جوارحهم ضد إيران التي كانت وسائل الإعلام العراقية تتهمها بالتخطيط لاحتلال العراق ومن ثم دول الخليج.

وهذه الخبرة العالية التجريب التقت مع التحضير المسبق الدقيق ليتطاول الإعلام العراقي على ما سواه، ويكسب الجولة ويستطيع التأثير على شعوب بأكملها، رغم بشاعة جريمته، وكان هول المفاجأة على الإعلام الكويتي أو المساندة له كثيرًا انعقدت معه كثير من الألسنة في الأيام الأولى.

إعلام ترفيهي 

لم يكن هول المفاجأة هو السبب الرئيسي في غياب الإعلام الكويتي عن الساحة، وإنما كان طبيعة هذا الإعلام نفسه التي تكون في ظلها والتي كان عليها قبل الغزو ولم يكن مهيّأً ولا قادرًا لأن يتعدى حدود قدراته فكما قيل «فاقد الشيء لا يعطيه»، فقد كان إعلامنا إعلامًا رسميًا مهادنًا لا يتعدى في تعليقاته السياسية عبارات المجاملات والتمنيات، وربما كان معذورًا بعض الشيء، لأن الكويت لم تكن تواجه في يوم من الأيام أي حملات إعلامية ضدها، وكان الجزء الأكبر من إعلامنا ينصرف إلى ترفيه المواطن بالمواد المعلبة الجاهزة من أغانٍ ومسلسلات ومسرحيات، وكان يتمحور حول توجيه الرسالة الإعلامية للداخل ضمن الأطر السالفة الذكر.

وربما لأن الكويت كانت مقتنعة بأن دورها المشهود في التزام الحياد في الخلافات العالمية وتمتين العلاقات مع الجميع دون تمييز وانتهاج الدعم المالي كوسيلة لكسب ود دول العالم كان يكفيها عن توجيه إعلامها الدعائي إلى العالم ويغنيها عن إضاعة أموال أخرى في سبيل خلق تواصل إعلامي مع الخارج.

غير أن كارثة الاحتلال أثبتت أن هذه النظرية كانت خاطئة بل وكلفتنا كثيرًا حيث وجدنا أنفسنا في العراء فجأة تنهال علينا السهام من الإعلام العراقي ومؤيديه دون أن نملك الوسيلة أو المضمون الذي نرد به عن أنفسنا غدر الغادرين ومكر الماكرين، فكان اللجوء إلى البكاء- حتى عندما ملكنا إذاعة من السعودية- هو الأمر الوحيد الذي كنا نجيده.

ماذا بعد الكارثة؟

ولن نعيد حكاية إعلامنا إبان الاحتلال، فقد لمس الجميع حينها افتقاره إلى المادة الإعلامية ذات التأثير على الجماهير وانعدام السياسة الوجيهة التي تخاطب العالم لا أن تنكفئ على نفسها وتهتم بالتعبئة النفسية لشعبها فقط، واليوم بعد النصر الذي أنعم الله به علينا، ورغم الخطط الإعلامية والمشاريع التي تنوي وزارة الإعلام إنجازها لتحقيق التواصل مع العالم إلا أننا نجد أن إعلامنا لايزال يعتقد أن هذا النصر الذي تكلل بتحرير الكويت واندحار الغازي قد كفى الكويت مؤونة الرد على كافة اتهامات الإعلام العراقي إبان الاحتلال والتي حشا بها أذهان الملايين من شعوب العالم والشعوب الإسلامية على وجه الخصوص، وهذا التفكير هو امتداد للنظرية الخاطئة التي كنا نسير عليها قبل الاحتلال وأورثتنا الضعف طيلة أيامه، فذلك المغربي في أقصى المغرب لايزال ذهنه محشوًّا بفكرة أن الكويت جزء تاريخي من العراق اقتطعه الاستعمار الإنجليزي، وهذا الماليزي والإندونيسي في أقصى المشرق لا يزال يعتقد بما وصله من الإعلام العراقي من أن العراق واجه القوات الأجنبية دفاعًا عن احتلال بلاد الإسلام من الصليبيين، والهندي المعدم يعتقد أن الكويت الغنية هي سبب في فقره وأن في توزيع ثروتها تخفيف من حرمانه وفقره كما لقنه الإعلام العراقي، وكثير غيرها من الدعاوى الباطلة التي لفقها العراق ونجح في ترويجها بحسن التخطيط واختيار الأرضية الصالحة لها لاتزال تدور في أدمغة الكثيرين دون أن يواجهها أصحاب الشأن وأصحاب القضية المعنيون.. فنحن لم نتحرك حتى الآن وكأن الأمر قد انتهى بتحرير الكويت.

كلية للإعلام

كتبنا مرارًا هنا بـ«المجتمع» عن أهمية وجود كلية للإعلام لتخريج الكوادر الوطنية المدربة والقادرة على أداء واجبات المهنة الصحفية والإعلامية، وفي هذه المرحلة- ونحن مقبلون على أجواء تنتعش فيها الحريات بعودة الحياة النيابة- يجدر أيضًا أن تتبنى الدولة رسميًا ولائحيًا حرية الصحافة وأن تنشئ كلية للإعلام يتخرج منها أبناؤنا جهابذة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1124

153

الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

المجتمع المحلي (1124)

نشر في العدد 1109

93

الثلاثاء 26-يوليو-1994

المجتمع المحلي (العدد 1109)