; إفريقيا.. والمصيدة الإسرائيلية | مجلة المجتمع

العنوان إفريقيا.. والمصيدة الإسرائيلية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 943

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 28-نوفمبر-1989

- سوء بعض الأنظمة والعمالة لليهود دفعَا إفريقيا إلى التنكر للحق العربي.

خلال الأيام القليلة الماضية استأنف النظام الإثيوبي علاقاته مع الكيان الصهيوني بعد قطيعة استمرت لأكثر من ١٥ عامًا، وكانت إثيوبيا قد تضامنت يومها مع قرار المجموعة العربية- الإفريقية في ۱۹۷۳ الداعي إلى مقاطعة الكيان الصهيوني لاحتلاله جزءًا من الأرض الإفريقية «سيناء». وما إن أعلن الإجراء الأول لاستئناف العلاقات، حتى طار كسا كبيدي -أحد رجال منغستو المقربين- مبعوثًا من منغستو إلى القدس المحتلة طالبًا تقديم العتاد والمال والسلاح لنظامه. وحتى لا تبقى صورة الزيارة -الشحاذة- مفضوحة، فقد قال عن دواعي قدومه إلى القدس بأنه لم يأت إلى «إسرائيل» بهدف التسول، ولا ينبغي تفسير قرارنا باستئناف العلاقات الدبلوماسية بأنه نتيجة يأس انتاب الحكومة بعد النكسات التي واجهتها في حربها ضد «الانفصاليين». وفي المقابل فقد تم الاتفاق المبدئي على ترحيل ۱۸ ألفًا من يهود إثيوبيا (الفلاشا). 

وفي مؤتمر صحفي عقد بهذه المناسبة قال نائب وزير خارجية الكيان الصهيوني بنيامين نيتانياهو: إن إثيوبيا تحتل موقعًا مهمًّا بالنسبة «لإسرائيل»، وهناك اعتبارات تاريخية بالإضافة للمكانة المرموقة، وأنها مقر «لمنظمة الوحدة الإفريقية». وفي غضون ذلك كشف المسؤول اليهودي عن أن دولة إفريقية كبرى -لم يسمِّها- ستعلن قريبًا عن عودة علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني. كما أعلن راديو العدو بأن نيجيريا وزامبيا وموزمبيق سوف تعيد علاقاتها قريبًا مع الكيان الصهيوني. وعلى كل الأحوال أعادت تلك الدول علاقاتها أو لم تعدها فإن المخطط الصهيوني قد بدأ بتدشين مرحلة جديدة خالية من العوائق بعد انصراف الدبلوماسية العربية عن الاعتراض.. مجرد الاعتراض على التغلغل، ناهيك عن أن تمارس ضغطًا توجُّهيًّا لصالح قضية مكافحة «الانتشار الإسرائيلي». ويذكر هنا أن رد الفعل العربي اقتصر فقط على تصريح للزعيم الليبي معمر القذافي طالب فيه الدول العربية الإفريقية بمواجهة إثيوبيا، وقال إنه لن يحضر اجتماعات القمة الإفريقية في أديس أبابا بعد أن ارتفع العلم «الإسرائيلي» في سمائها.

- المصيدة

في البدء كان المخطط الصهيوني يعتمد علي إيجاد تواؤم مع المحيط العربي المتصل به، وتنمو بذلك سبل الازدهار اليهودي في فلسطين المحتلة، غير أن الأسواق العربية سدت منافذها أمام المشروع الصهيوني، كما أن السياسة العربية رفضت الإذعان لمجرد الوجود اليهودي في الأرض العربية المغتصبة، ولذا كان لا بد للكيان الصهيوني من إبدال مخططه الاقتصادي والسياسي، فما كان من وزير مالية الكيان الصهيوني الأسبق بنحاس سافير من حذف الدول العربية وإضافة الدول الإفريقية، وبذلك اتجهت مساعي الصهاينة نحو إفريقيا، وإفريقيا يومها دول حديثة عهد بالاستقلال والأنظمة القائمة في معظمها كانت تبحث عن مسارب لإنجاح التجربة السياسية والاقتصادية وصولًا للتنمية والاكتفاء الذاتي، وكانت تلك الأجواء صالحة لتمد دولة الكيان الصهيوني أرجلها في «النحاف» الإفريقي. وظهرت بوادر التشجيع من الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى المباركة الروحية والمعنوية من الكنيسة التي رأت في تقدم التمدد الصهيوني عنصرًا مانعًا لتقدم الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء؛ لما لليهود من أساليب مرذولة في إلهاء الشعوب وصرفها عن قضايا الحق والفكر، ولهذا كان التركيز من قبل الكيان الصهيوني على خط التماس العربي الإفريقي، وشهدت الفترة ما قبل ۱۹۷۳ وجودًا فاعلًا في إفريقيا الوسطى وإثيوبيا وكينيا و يوغندا -فترة ما قبل عيدي أمين- وتشاد ونيجيريا وليبريا وزائير والكاميرون، لاحظ أن هذه الدول تجسد الشريط اللاصق بالمجموعة العربية الإسلامية داخل القارة. وكانت تجربة الوجود الصهيوني فاشلة وممقوتة من قبل الشعوب في معظمها، حتى إن التساؤل كان يتردد في أدبيات السياسية الخارجية للكيان الصهيوني. كما عبر عن ذلك د. إسرائيل شاحاك رئيس رابطة حقوق الإنسان الإسرائيلية وأستاذ الكيمياء في الجامعة العبرية في كتابه «دور إسرائيل الكوني- أسلحة من أجل القمع»، واهتدى إلى أن السبب الرئيسي في الكراهية لمخططات اليهود لا يعود إلى معاداة السامية، كما أنه لا دخل «للنقود» العربية في ذلك، وإنما يعود ذلك للارتباط اليهودي بالحكام الاستبداديين من الأفارقة. ومازال النهج الصهيوني على مواقعه، فأغلب الأنظمة التي أعادت علاقاتها معه تعبر عن أعتى الدكتاتوريات في إفريقيا بدءًا بصموئيل دو -ليبيريا- ومرورًا بمو بوتو -زائير- وانتهاء بمنغستو -إثيوبيا- وما زالت الشعوب تمقت الطعم اليهودي الذي لم يفلح إلا في وضع الحكام العملاء داخل المصيدة.

- إثيوبيا

ارتكز مخطط الكيان الصهيوني لتوسيع دائرة العلاقات الخارجية على سياسة بناء الأحزمة الواقية، فكما كانت عناصر المخطط اهتمت في إفريقيا بتطويق الدول العربية الإفريقية باستقطاب دول الجوار، وهو ما سعت لتطبيقه في آسيا فأقامت علاقاتها مع تركيا وإیران -أيام الشاه- والهند وسيرلانكا وغيرها، إلا أن المخطط ينظر بتركيز واهتمام أكثر إلى كل من تركيا وإثيوبيا وإيران لما تمثله من ثقل تاريخي وحضور دولي وجاذبية سياسية، بالإضافة إلى مواقعها الاستراتيجية، وهو ما استدعى التنظير السياسي اليهودي إلى تواصل الجهود من أجل بناء علاقات ثابتة، وهو ما يلاحظ في العلاقات الإسرائيلية- الإثيوبية على مدى العهدين الإمبراطوري والدكتاتوري. وكانت خطوط الرسم البياني للعلاقات في اتصال على الرغم من تعرضها في بعض الأحيان إلى الانخفاض، فإثيوبيا لها أهمية استراتيجية منفردة، فهي الدولة الوحيدة غير العربية التي تمتلك خطوطًا ساحلية واسعة على البحر الأحمر، كما أن هذه الدولة تمثل الجزيرة داخل محيط إسلامي. ومن الجانب الآخر فإن إثيوبيا تعيش أوضاعًا سياسية وعرقية شديدة التعقيد، مما تستوجب التطلع للإنقاذ من الآخرين، وهذه إحدى نقاط العجز التي عرضها للاستثمار اليهودي، وهي ذات الأسباب التي دفعت مؤخرًا بسقوط نظام منغستو في أحضان الكيان الصهيوني. فالأوضاع الأمنية التي تفاقمت مؤخرًا بعد أن سيطرت قوات التغيراي على مشارف العاصمة أديس أبابا، بالإضافة إلى إقليم التغيراي، بالإضافة إلى توسع النشاط الإرتيري وتطور كفاح جبهة الأرومو. ومن جانب آخر فإن إثيوبيا الاشتراكية المتشددة وجدت نفسها فجأة بلا نصير مؤازر، فقد تخلى الاتحاد السوفيتي عن دور الكفيل الحامي بعد أن تبنى سياسة توازن المصالح في مقابل شعار توازن القوى، مما دفع بإثيوبيا إلى البحث عن «سيد» جديد فالتجأت إلى الكيان الصهيوني ليكون وسيلتها إلى الغرب وإلى الولايات

المتحدة بصفة أخص، فخوف إثيوبيا من التفتُّت دفع بها إلى أحضان الأفعى اليهودية، خاصة أن أهداف الأفعى تستوعب العناصر المناوئة لإثيوبيا، كما أن الحضور الصهيوني له أهداف إضافية تتصل بترحيل يهود «الفلاشا» وتوسيع دائرة الحرب ضد السودان، مما يجعل وسائل ضغط أوسع على مصر والسودان لاتصال الجنوب وإثيوبيا بالمعركة المستقبلية المتعلقة بتدفق مياه النيل من إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان. وقضية التمدد في جنوب السودان قضية شديدة الخطورة، ويخشى أن العالم العربي لا يلقى لها ما تستحق من وزن، وأخطر من ذلك إن كانت مصر والسودان لا يدركان تلك الخطورة.

- ثغرات الحصن

إن أصابع الاتهام تمتد مباشرة إلى الدبلوماسية العربية التي لم تستطع صياغة المواقف العربية اتساقًا مع المبادئ، فالمواقف العربية تجاه إفريقيا وقضاياها لم تكن مما يمكن أن يطلق عليها بالمواقف العادية، وإنما كانت تمثل الالتزام المبدئي الذي لا تعتريه شوائب المصلحية أو المساومة، فالأمة العربية الإسلامية تقف ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وتنظر إلى موقفها على أنه مسألة مبدئية، وعلى ذلك تأتي المواقف من بقايا الاستعمار قديمًا وحديثًا في ناميبيا وزمبابوي وموزمبيق. كما أن الدول العربية النفطية لم تجعل يدها مغلولة إلى عنقها تجاه إفريقيا، وإنما بسطت من الأموال ونظمت البنك العربي الإفريقي وأعدت الصناديق النقدية وأدوات التمويل الأخرى؛ حتى لا تجعل خيرها لغير أولِي الجوار والقربي في إفريقيا المسلمة منها وذات التوجه المسيحي، والمصادر الإحصائية تنبؤنا بالفارق البين إذا جرت المقارنة بين الدعم اليهودي المشروط والتمويل العربي الحر، وهي أسباب تحفز الدبلوماسية العربية لصياغة علاقات سياسية ناضجة ومستثمرة من أجل الحق العربي. ويمكن أن تكون الفعالية الدبلوماسية بالغة الأثر إذا ما استخدمت تلك الإيجابيات بجانب التنسيق الإقليمي الذي وفرته المنظمات الإقليمية العربية والمؤتمر الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية. وعلى أي حال فإن المساعي الدبلوماسية يجب أن تواصل مكافحتها للسرطان الصهيوني في إفريقيا، وتأخذ كل خطوة له حساباتها التي لا تجعلها تمر دونما استيعاب.

 

الرابط المختصر :