العنوان اللقاء المطلوب بين القوى الإسلامية في فلسطين
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1990
مشاهدات 48
نشر في العدد 975
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 24-يوليو-1990
يتواجد على الساحة الفلسطينية عدد من الجماعات الفلسطينية الإسلامية
كحركة «الجهاد الإسلامي»، وحركة «الجهاد الإسلامي - بيت المقدس»، ومجموعة «سرايا
الجهاد»، وغيرها من المجموعات.
هذه المجموعات تتواجد إلى جانب الحركة الأم، والأخت الكبرى، حركة
المقاومة الإسلامية (حماس)، وهذه المجموعات الفلسطينية الإسلامية تلتقي مع حركة
حماس في معظم التصورات والمفاهيم والأطروحات الخاصة بالقضية الفلسطينية، كما تلتقي
مع حركة حماس في الفكر والموقف السياسي بشكل كبير.
ورغم وجود (بعض) التباينات في الأفهام والتصورات والممارسات السياسية،
إلا أن هذه التباينات والاختلافات هي (الهامش) الأضيق والأقل، وتبقى المساحة
الأوسع والأرحب لنقاط الاتفاق والتطابق والانسجام.
والمشروع الإسلامي لفلسطين أصبح الآن مشروعًا قائمًا حقيقة لا خيالًا،
وأصبحت جموع الشعب الفلسطيني، وكذا الشعوب العربية والإسلامية، تلتف حوله وتتلاحم
معه، بل إن هذا المشروع أصبح يستقطب لدائرة مؤيديه مجموعات متزايدة ممن ساروا
دهرًا وراء سراب المشاريع والأطروحات العلمانية واليسارية والقومية وغيرها.
والمشروع الإسلامي لفلسطين مشروع كبير وضخم، ويحتاج إلى طاقات جبارة
وجهود متواصلة من أجل إنجازه وتحقيقه. الأمر الذي يجعل موضوع الحوار الهادف داخل
الصف الإسلامي واجبًا لا يمكن تأجيله أو تهميشه، وصولًا إلى صيغة اتفاق وتنسيق
تضمن وحدة الصف الإسلامي وتماسكه، وتضع حدًا لحالة (الفُرقة) الموجودة حاليًا بين
الفصائل الفلسطينية الإسلامية. فالقوى والفصائل الوطنية الأخرى استطاعت تجاوز
خلافاتها - وما أكثرها - وتناقضاتها الفكرية وحتى السياسية، لتصل إلى صيغة عمل
مشتركة من خلال القيادة الموحدة التي تضم أربعة من هذه الفصائل. وأعتقد أن
الأَوْلَى للتيار الإسلامي بكل فصائله ومجموعاته تجاوز الخلافات والتباينات
والوصول إلى صورة مقبولة للعمل المشترك، فهذه ضرورة ومصلحة واضحة وأكيدة، إضافة
لكونها فريضة ربانية واجبة الالتزام. ومما يجب الانتباه إليه وعدم إغفاله أن غياب
الحوار والتنسيق والعمل المشترك بين الفصائل الفلسطينية الإسلامية قد يسهل للآخرين
ممن «يحاولون الاصطياد في الماء العكر» وممن يقلقهم ويصدع رؤوسهم وحدة وتماسك الصف
الإسلامي، قد يسهل لهم محاولاتهم لتمزيق الساحة الفلسطينية الإسلامية ومحاولاتهم
لاستدراج هذه المجموعة أو تلك ودعمها ماليًا ومعنويًا ودفعها للدوران في فلك
المنظمة وفصائلها، والتجاوب مع أطروحاتها، لتفويت الفرصة على أي توجهات (للملمة)
الصف الإسلامي وتوحيده.
الحوار أولًا:
أرى أنه قد آن الأوان لبدء حوار هادف وجاد ومخلص بين المجموعات
والحركات الفلسطينية الإسلامية لمعالجة المسائل الكبرى التي تواجهها القضية
الفلسطينية أولًا، ولمواجهة مجموعة الأخطار والتحديات التي تمثلها حكومة العدو
وسياساتها القمعية والحركة الصهيونية وأطماعها ثانيًا، وللتفاهم على العديد من
القضايا المشتركة والملحة وذات صفة الاستعجال التي تواجه الإسلاميين والحركات
الإسلامية في الساحة الفلسطينية ثالثًا. صحيح أن الحركات الفلسطينية الإسلامية ليس
بينها خلافات كبيرة، وليس بينها تباينات واضحة، وصحيح أنه لم ينشأ بين هذه
المجموعات صراعات أو تصادمات، لكن ليس هذا هو المطلوب فحسب، وإنما المطلوب هو خطوة
متقدمة على ذلك كله، خطوة باتجاه التقارب الذي يبدأ (بالحوار).
حركة حماس تطالب بالحوار مع القوى الفلسطينية الوطنية، وتطالب باللقاء
على القضايا المشتركة، وهذا مما يُسجل لحماس، لأننا نعتقد بوجود هامش مشترك يسعنا
ويسع الآخرين العمل من خلاله.
وبالفعل حدثت لقاءات وحوارات بين وفد من حماس ووفد من الجبهة الشعبية،
وهذه الحوارات ما زالت مستمرة. وهناك ترتيب للقاء قريب بين وفد من حماس ووفد من
فتح، فهذه الحوارات وهذه اللقاءات وهذه الخطوة المتقدمة في الممارسة السياسية
لحركة حماس تأتي الآن في مكانها وزمانها الصحيحين.
وإذا كان الأمر كذلك مع الإخوة في الفصائل الوطنية الأخرى، فإن الأمر
ألزم مع المجموعات الفلسطينية الإسلامية، فالظروف مواتية، والأسباب قائمة. وإذا
كان بيننا وبين الفصائل الوطنية (هامش) مشترك، فبالتأكيد أن بين حماس والمجموعات
الفلسطينية الإسلامية (المساحة كلها) وليس مجرد الهوامش.
القضايا العقدية، والقضايا الفكرية والمبدئية، والضوابط الشرعية
للتحرك والممارسة السياسية، كل ذلك لا خلاف عليه ولا تناقض فيه، وهذا هو الأهم،
وبه فلنبدأ.
تطوير العلاقة ثانيًا:
المرحلة التالية التي أعتقد أن القوى الإسلامية يجب أن تدخلها، هي
مرحلة البحث في الأشكال المختلفة المناسبة للعلاقة فيما بينها. فالحوار مهم، ولكن
الجمود عند حدوده لا يقدم ولا يؤخر كثيرًا، ويجب أن يثمر ذلك الحوار اتفاقًا
وتفهمًا لأهمية تطوير العلاقة، بما يخدم المصلحة الإسلامية، وبما يخدم المشروع
الإسلامي لفلسطين الذي تتبناه كل هذه القوى.
تطوير العلاقة (الثنائية)، والتنسيق (الثنائي) في جوانب العمل
المختلفة هو أحد الأشكال الممكنة والمعقولة بين القوى الإسلامية. وهذا الشكل من
أشكال العلاقة (أي العلاقة الثنائية) سيكون بلا شك التمهيد الطبيعي والضروري
للانتقال إلى الأشكال الأرقى للعلاقة في المراحل التالية. ومطروح حاليًا في أدبيات
القوى الإسلامية المختلفة موضوع (العمل الجبهوي) بين المجموعات الإسلامية، وذلك
يعتبر شكلًا متقدمًا للعلاقة بين القوى الإسلامية، وذلك يعني تكريس التعاون والعمل
المشترك ضمن التعدد والاختلاف في الرأي وفي التنظيم. وهذا هو الحل الوسط (الممكن)
و (المعقول) إذا تعذرت الوحدة الشاملة في هذه المرحلة.
الساحة الفلسطينية الإسلامية تحتاج إلى وقفات تقييم ونقد ذاتي مستمر
من أجل وضع اليد على موضع الخلل، وتلمس طرق العلاج والنهوض. وسأتناول هنا ملاحظتين
من المهم الانتباه إليهما؛ وذلك لتهيئة السبيل أمام توثيق وتطوير العلاقات بين
القوى الفلسطينية الإسلامية.
الملاحظة الأولى: تجميع لا تشتيت
التوجه الذي نطالب به هو (وحدة الجماعات الإسلامية) العاملة على
الساحة الفلسطينية، (فالعمل الوحدوي) بلا شك أفضل وأهم من العمل (الجبهوي) أو
(الثنائي)، ولهذا فإننا لا نرى داعيًا ولا سببًا مقنعًا لبروز جماعات فلسطينية
إسلامية جديدة، فتجربتنا مع كل الجماعات والمجموعات التي برزت خلال السنوات
الماضية، تؤكد أن أيًا منها لم يضف جديدًا على العمل الفلسطيني الإسلامي وآفاقه
ومجالاته، رغم المساهمة الإيجابية لهذه المجموعات في العمل الفلسطيني الإسلامي.
وكان الأفضل والأولى إضافة الجهد إلى الجهد وتقوية الكيان الإسلامي الواحد وليس
إنشاء مجموعات إسلامية جديدة. وإذا كان الإخوة في بعض المجموعات الإسلامية يسوقون
بعض الأعذار والأسباب التي دفعتهم إلى تكوين تشكيل جديد وعدم العمل من خلال الحركة
الإسلامية الأم، فإن مثل هذه الأعذار والأسباب لم تعد موجودة الآن، حسب منطق هؤلاء
الإخوة.
لذا فإن أي مجموعات فلسطينية إسلامية جديدة يمكن أن تقوم الآن أو
مستقبلًا تتعارض في المحصلة مع الهدف الأكبر وهو توحيد الساحة الفلسطينية
الإسلامية، وتدفع باتجاه تمزيق وتفتيت هذه الساحة، وتجعل إمكانية الوصول إلى
«العمل الجبهوي» أصعب، ناهيك عن هدف وأمنية (العمل الوحدوي). والحقيقة إنني أخشى
على الساحة الفلسطينية الإسلامية أن تصيبها الأمراض والعاهات التي أصابت الساحة
الوطنية بكل خلافاتها وتناقضاتها وتشرذمها. لا نريد أن يصبح لدينا «موزاييك» من
المجموعات الإسلامية، كما هو الحال في (موزاييك) الفصائل الفلسطينية، لا نريد لكل
ثلاثة أو أربعة من الإسلاميين المتحمسين تشكيل فصيل وإصدار بيان، ولا نستطيع
اعتبار أن كل مجموعة بهذا الحجم يجب أن يشملها حوار الساحة الفلسطينية الإسلامية،
ليس المطلوب ذلك، لأن هذا يعني وضع عثرات جديدة أمام أمل (اللقاء) والعمل الإسلامي
المشترك.
الملاحظة الثانية: لا لجماعات الضِّرَار
الفلسطينية
فقد لوحظ في الأشهر الأخيرة بروز مجموعة جديدة من (أسماء) التنظيمات
الفلسطينية الإسلامية. والحقيقة أنه من المستحيل القول إن كل اسم جديد يعني أن
وراءه حركة إسلامية جادة أو أن وراءه جماهير وأتباع أو حتى مجرد كوادر.
وتتعدد الأسباب التي تدفع بعض الجهات، وأحيانًا بعض الفصائل
والاتجاهات الفلسطينية الأخرى، إلى اعتماد سياسة (إغراق) الساحة الفلسطينية بأسماء
مجموعات فلسطينية إسلامية ليس لها أي واقع حقيقي. فقد ساء بعض الجهات الفلسطينية
بروز حركة حماس والتفاف الجماهير حولها وتفاعلهم معها، فسبب ذلك هاجسًا في نفوسهم
وعقولهم، خشية على مواقع ومكانة الفصائل الفلسطينية التقليدية. فهؤلاء يحاولون
الإيحاء بأن هناك مجموعات إسلامية كثيرة في الساحة، ومنها من يخالف حماس، ليخلصوا
إلى هدفهم بالقول إنه ليس من حق حماس الادعاء بأنها تمثل التيار الإسلامي
الفلسطيني، وليحققوا مأربهم من إحداث التشويش في الساحة الإسلامية التي حافظت حتى
الساعة على تماسكها ونقائها. ولدي عدة أمثلة لمجموعات (الضِّرَار) تلك، وسأكتفي
هنا بأحد هذه الأمثلة، (الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين)، إحدى مجموعات الضِّرَار
الورقية التي تحاول ممارسة دور الفصيل الإسلامي. لاحظ أخي القارئ بعض الفقرات
الواردة في مذكرتهم إلى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني عبد الحميد السائح في
16/4/1990: «إننا في الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين نرى أنه كان من الواجب عليكم
تقديم الدعوة لنا للمشاركة في أعمال اللجنة التحضيرية لإعادة تشكيل المجلس
الوطني». وتكمل مذكرتهم: «وكانت الانطلاقة المباركة للجبهة الإسلامية لتحرير
فلسطين كأول حركة جهادية وطنية فلسطينية أصيلة ملتزمة ترفع راية الإسلام». هؤلاء
يعتبرون أنفسهم أول حركة إسلامية جهادية، لكن الغريب أنه لم يسمع بهم أحد، ولم
يرهم أحد.
وجاء في بيانهم: «ترى الجبهة الإسلامية أن وجودها داخل المجلس الوطني
الفلسطيني ضرورة جهادية، وأن بقاء الجبهة خارج المجلس والمؤسسات الأخرى التابعة
للمنظمة يعتبر ظلمًا وإجحافًا وليس في مصلحة المسيرة الوطنية لشعبنا». «إننا نعتبر
أنفسنا جزءًا من م.ت.ف.».
هذه إحدى المجموعات، وبقي أن أقول إن هذه المجموعة أسستها حركة فتح
وعلى رأسها رجل يسمى كمال العنقاوي وهو من فتح، وأحد بياناتها التي تضمن تعريضًا
غير مباشر بحماس كتبه (الطيب عبد الرحيم) سفير المنظمة في الأردن بمشاركة مروان
البرغوثي. ولدينا المزيد من المعلومات والتفاصيل عن هذه المجموعة، وكل المجموعات
الورقية، وكل شيء له وقته وأوانه.
الذي أريد التأكيد عليه هو أن تطوير العلاقة والحوار بين القوى
الفلسطينية الإسلامية يجب أن يقوم على أسس ثابتة ومتينة، بحيث يشمل المجموعات
الإسلامية الجادة التي تساهم - ولو بقدر - بنهوض المشروع الإسلامي لفلسطين، ولا
ترتبط ببعض الجهات العلمانية أو تنشأ لتحقيق بعض الأهداف المشبوهة. فمثل هذه
المجموعات لا يمكن اعتبار أنها تساهم في تحقيق الهدف الإسلامي، بل على العكس هي
تساهم - قصدًا وعمدًا - في تقويض المشروع الإسلامي لفلسطين. هذا واقع حالها، ولهذا
يهدف من أنشأها ويقف وراءها.
المطلوب الحذر والروية، وعدم الاندفاع المتعجل مع أي صوت يرتفع أو
بيان يطبع. نعم الحذر مطلوب لأن محاولات (تخريم) و (تخريب) الساحة الإسلامية في
فلسطين، أصبح هدفًا للعديد من الجهات، ابتداءً من الموساد وعملاء (إسرائيل)
والمخابرات الغربية وانتهاء ببعض من لا يرون أبعد من أنوفهم في منطقتنا.