; «في سورية». حرية الفكر أم حرية الكفر؟ | مجلة المجتمع

العنوان «في سورية». حرية الفكر أم حرية الكفر؟

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر السبت 05-أكتوبر-2002

مشاهدات 105

نشر في العدد 1521

نشر في الصفحة 38

السبت 05-أكتوبر-2002

ردة جديدة يحتفي بها الإعلام السوري على أوسع نطاق

  • كاتب يروج للفكر الشيوعي الماسوني طاعنًا في الإسلام.

  • والتاريخ الإسلامي يقول عن الإسلام إنه ثورة طبقية مثل الثورة البلشفية والفرنسية اقتضتها ظروف المجتمع العبودي العربي.

  • لم ير في الخلافة الراشدة إلا الصراع والاغتيال أما الفتوحات التي حكم بها الإسلام ثلثي الأرض فلم يعرف عنها شيئًا. 

  • من أكاذيبه: ما شهدته الدولة الأموية من خير فمرده للعروبة وما عانته من شر فبسبب الإسلام.

  • صلاح الدين الأيوبي عند الكاتب حاكم مستبد أنهى حكم العرب في مصر والشام... وأسقط الأمن العربي... وما زلنا حتى اليوم نعاني ذيول هذا التاريخ!

  • والنتيجة: صلاح الدين إذًا ليس من أبطالنا.. وحطين ليست من أمجادنا وتحرير القدس ليس من تاريخنا.

هذه الردة الجديدة التي تعلن رسميًا في صحيفة «تشرين» السورية الرسمية ويحتفى بصاحبها «عبد المجيد عبد الملك» بوسائل الإعلام والفضائية السورية، وذلك بعد أن استبشرنا خيرًا بالتطوير الفكري لحزب البعث العربي الاشتراكي السوري الذي قال:

«إننا نشهد تعزيزًا مستمرًا للفكر القومي الذي يؤكد الترابط بين العروبة والإسلام في أذهان عامة الناس... وتحقيقًا لهذه المهمة يجب إعادة التأكيد على العلاقة التكاملية بين العروبة والإسلام، ومواجهة كل المحاولات الرامية إلى وضع حواجز بينهما. وإظهارهما في مظهر التناقض وفي حالة عداء» (۱)، ولولا الاهتمام الرسمي بدراسة ساحل بلاد الشام والصراعات الدولية في الصحافة والتليفزيون لما اتهمنا هذا الاتجاه وحتى لا يبدو الكلام تجنيا على البحث والباحث فهذه هي الأدلة الدامغة على اتجاهه المريب.

أولًا: الإسلام:

١- فالإسلام عنده ثورة طبقية اقتضتها ظروف المجتمع العبودي العربي، وهو إفراز القيم الجاهلية العربية: «كان الأعرابي كما يصفه المؤرخون يصنع تماثيل آلهته من التمر ويأكلها إذا جاع، والعادات والتقاليد قد شاخت... ومحيط شبه الجزيرة الحيوي قد ضاق بقاطنيه، فكثرت الغزوات والحروب والمجاعات والمآسي الإنسانية، وأتت حرب الفجار كشكل من أشكال تفجرات الأزمة، وراح ضيق ينيخ على صدور الناس وجشع التجار (حتى فساد المكاييل والأرباح غير المشروعة) بلغ حدًا لا يطاق، والنشاط التجاري أوجد طبقية حادة، والمشردون واليتامى وأبناء السبيل كثرة لا يجدون من يخفف معاناتهم، والإملاق دفع بعض الناس للاحتباس حتى الموت جوعًا، وإلى وأد البنات ووضع المرأة في المجتمع (وهذا عامل مهم) أصبح لا يطاق... وكذلك بلغت الأحقاد القبلية ذروتها نتيجة التطاحن على الموارد الشحيحة والمنبوذون من المجتمع يعكرون الأمن في كل مكان، والعبيد يضطهدون ويعانون من وضع إنساني مرير هذا الواقع المزري أوجد هوة سحيقة بين الواقع المعيش وبين مثل الأعرابي في الشرف والكرامة والجود والإغاثة والإجارة والعفاف... التي عبر عنها تعبيرًا واضحًا الشعر الجاهلي إذًا كان المجتمع مأزومًا للغاية ويتوق إلى حلول ذلك كله يدفعهم للاستماتة في دعم حل ينهي أزمتهم ويحفظ كرامتهم ما جعلهم بحالة استعداد نفسي كامل لتقبل الرسالة (۲). 

أما هذه الرسالة، فما مصدرها ولأي شيء جاءت فهذا لا وجود له في قاموس البحث، والقرآن الكريم يقول إن الوحدانية هي الهدف الأساسي من رسالة رسل الله جميعًا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦).

﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأنبياء: ٢٥)

٢-الإسلام والنصرانية: «وإذا ما أخذنا بالاعتبار الدراسات المسيحية النصية التي تقول إن عيسى ابن مريم، ويسوع الناصري هما شخصیتان تاریخیتان مختلفتان تجمع بينهما وحدة المطلب، وأن التباسًا نصيًا وحد الشخصيتين وأن أولهما سبق الثاني بعدة قرون وكان مكان دعوته بلاد الحجاز، والأول لم يصلب إذا أخذنا ذلك في الاعتبار يمكن أن نفهم المهدات الثقافية الموقف الإسلام والمذاهب الإسلامية من قضية الصلب وطبيعة السيد المسيح، حيث إن الثقافة الإبراهيمية التوحيدية التي كانت في أصل المسيحية والإسلام كانت لا تزال سائدة في شبه الجزيرة العربية الخارجة عن نطاق سلطة الإمبراطورية وعقائد كنائسها وكذلك مناذرة العراق، ويمكن أن نفهم كذلك تكامل الدعوات الثلاث في مسرى التطور الحضارة الإنساني وارتباطها بإعادتها إلى جذرها الشرقي الثقافي الواحد) (٣).

أليس هذا ما قاله المشركون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ 

﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان: ٥).

وقالوا: «إنما يعلمك رجل باليمامة اسم عبد الرحمن، والله لن تؤمن بالرحمن أبدًا، والله لنقاتلنك حتى نهلك أو تهلكنا» (٤).

٣- والأديان الثلاثة شيء واحد يكمل بعضها بعضًا.

 الدين في الإسلام هو الشريعة التوحيدية الجديدة التي لا تنفي الشرائع القديمة، بل تكملها، فتجد لذلك حينها تعاطفًا نحوها من ثقافة عامة لـلناس في المجتمع العربي في القرن السابع، فهي لا تنفي التراث! إنما تكمله وتتفاعل مع الواقع القائم فتغير ما يمكن تغييره، «ولو تدريجيًا عن طريق الآيات الناسخة والمنسوخة»، وتبقى منه ما لا يمكن تغييره وتصوغ مفهومًا جديدًا لعلاقة الإنسان بالكون والطبيعة والمجتمع، فتعيد إنسان عصرها (وهي عقيدة عربية وعالمية في آن إلى مسرى التاريخ بعد أن تحل التناقضات في داخل الإنسان، وفي المجتمع الذي تشل عطاءه الإنساني على ضوء تطور المنجز المادي للعصر.. وهي بذلك تتم بكامل مواصفات كلمة الثورة بمعناها الحضاري ولذا يمكن أن نسمي حركة الإسلام في مسار تطور الحضارة بتعبير (الثورة الإسلامية) (٥).

نؤكد للقارئ أن كل الحديث عن الإسلام له فيه ذكر لكلمة (الله) أو (كتاب الله) أو (رسول الله) فهي ليست وحيًا من السماء، إنما هي ثورة انبثقت نتيجة الصراع الطبقي الحاد كالثورة الشيوعية والثورة الفرنسية، وبقية الثورات في العالم.

- المصداقية سمة كل الحركات الثورية للدولة في الإسلام :

«منذ بدأ تجسد الدولة في مجتمع صغير المؤمنين يتنامى فيعزز أمل المستضعفين بمستقبل مشرق، ويتعزز كله بصدقية الرعيل الأول، وهي سمة عامة تحكم كل الحركات الثورية، إذ يعد هذا الرعيل الأكثر مثالية، والأكثر صدقية والإخلاص لمبادئها» (٦).

٥- الإسلام، إعادة نظر عميقة، وملء لفراغ روحي:

«هذا النموذج المصغر الجديد يستهوي على الناس، ويريح عقولهم بعد دفعهم إلى إعادة نظر عميقة في أحوالهم السائدة، وهذا حال مجتمع الصحابة بكل تمظهراته الاجتماعية والاقتصادية العادلة، ويسده لفراغ روحي، وحله لتناقض عقلي بين الواقع والمثل فيفجر طاقات الإبداع بكل صورها، ويحفز على الاستبسال حتى الشهادة لترسيخ هذا النموذج وتعميمه، فتسير الدعوة بعد انطلاقتها الأولى مسيرة نار في هشيم عبقرية النبي وصحابته (۷).

٦- الإسلام بحث عن رقعة جغرافية للقدس: 

«ولكن الإسلام ليس مسألة نظرية وحسب إذ إن قيامها يحتاج إلى رقعة أرض، وإلى تمويل السياسة، والنبي مارس التجارة منذ زمن طويل استوعب في أسفاره كل ما رآه، وأدرك أسس قيام الدولة، وأسباب قدرتها، وأدرك أزمة مجتمعه ومحيطه والأحوال الاجتماعية والاقتصادية السياسية المختلفة، والعقائد السائدة ومشكلاتها تاريخية، فكان لديه شمولية في النظر إلى مختلف وجود أزمة العقيدة والمجتمع، أما التمويل الأول للمجتمع النموذج فكان عن طريق الغزوات على مصادر الثروة فلم تعد الغزوات على القبائل ما أصبحت على قوافل التجارة والمدن تجارية، أما الغزوات وإن كانت تصلح لتمويل نموذج اجتماعي مزمع إنشاؤه، فالدولة تحتاج إلى موارد ثابتة وشرعية، والمقدس ثلاث ميزات ميزة روحية تاريخية تشير إلى معنى التواصل في دعوة ما يلبي المتطلبات الروحية (ديوتوبيا العدالة) وميزة اقتصادية تاريخية أوضحناها بما سبق بكونها أهم مفصل تاريخي في مشرق المتوسط، فيمكن أن تشكل القاعدة الاقتصادية للدولة المزمع إنشاؤها، وميزة استراتيجية يدل فيها صراع الإمبراطوريات السابقة والمعاصرة.

 لقد انطلقت الدعوة عام ٦١٠ م فكان الهدف الاستراتيجي الذي يلخص كل اتجاهاتها مدينة القدس، فكانت القدس القبلة الأولى، ولا سيما أن مكة هي كما سبق وذكرنا المفصل التجاري الثاني لهم بالنسبة لتجارة العرب.

وبعد أن كانت الغزوات على القوافل التجارية تحولت إلى غزوات على الحواضر التجارية، ومنها خيبر حيث الرأسمالية التجارية الربوية وغزوة مؤتة. 

وبعد ثماني سنوات من الهجرة إلى المدينة يعود النبي فيدخل سلمًا مظفرًا ليصبح سیدها (۱۱). 

هذا أحسن ما قاله عن الإسلام وعن الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

ثانيًا: التاريخ الإسلامي:

١- هو تاريخ العرب فقط وينتهي منذ الخليفة المعتصم أي في سنة ٢٢٠ للهجرة:

يحدثنا عن هذه النهاية فيقول : «كان العرب قد بدأوا منذ خلافة المعتصم (۸۳۳ - ٨٤٣) بالاعتماد شبه الكامل على الشعوب الإسلامية الأخرى في تشكيل جيشهم وحرسهم.....

كانت سلطة العرب قد بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة في الداخل حتى ضمن قصر الخلافة (٩).

فالمعركة التي يفخر بها أبو تمام (فتح عمورية) في نصر للترك لا علاقة للعرب بها، وانتهى تاريخنا في بغداد منذ ذلك الوقت أي أن تاريخنا هو فقط ٢٠٠ عام.

٢- وينتقل تاريخنا من الخلافة إلى الأطراف، ومن السنة إلى الشيعة، فهو بقية تاريخ العرب ويتمثل هذا التاريخ بـ:

أ- الإمارة الحمدانية بمفهوم عربي للأمن والسلطة.

ب – القرامطة (ثورة عقائدية واجتماعية). 

ج – الدولة الفاطمية (ثورة إسلامية جهادية عربية).

د – الإمارة التنوخية (إمارة عربية تبحث عن طريق)

وها هو يتحدث عن هذه الإمارات بصراحة كاملة:

«هذا الوضع المتردي.. وسيطرة الترك والديلم واستئثارهم النهائي بالسلطة واضطهادهم العرب لمنع عودة سلطتهم في مركز الدولة، دفع العرب الطامحين لإعادة السلطة إليهم إلى اللجوء إلى الأطراف لإقامة سلطة ترنو بطرف عينها إلى بغداد تهدف لهدم الدولة السنية الهرمة والعاجزة والمحكومة بغير العرب والمستهترة بمصير العرب على الثغور وبمصير الأرض، فقامت حركات ثلاث شيعية على الأطراف وتعاطفت معها إمارة عربية تتمتع بحكم ذاتي في جبل لبنان (التنوخيون).

أ- عام ٩٠٠ م قامت الدولة الفاطمية في تونس وليبيا والجزائر لتمتد إلى المغرب وموريتانيا، وإلى مصر وإلى بلاد الشام ٩٦٩ – ١٤٤٤م لتسقط أخيرًا في مصر بموت آخر خلفائها العاضد عام ۱۱۷۰، وتستمد السلطة الفاطمية شرعيتها الدينية من انتسابها إلى فاطمة الزهراء ابنة النبي، وشرعيتها القومية من نسبة القرشي، لهذا نرى التشكيك القائم حتى اليوم بنسبها وشرعيتها من تأثير الشعوبية، والخلاف المذهبي مع الدولة السنية كل ذلك لإسقاط مشروعها العربي.

 ب - القرامطة في شمال شرق الجزيرة العربية، وهي حركة شيعية ثارت على المعتقد، وعلى الخليفة ممثلًا بالسلاجقة.

ج- الإمارة التنوخية العربية تأسست في جبل لبنان ٧٥٨م).

د- سيف الدولة الحمداني يوسع إمارته إلى حلب (٩٩٤ – ٩٦٧) ويضع استراتيجية عربية لمجاهدة البيزنطين (۱۰).

«هذا هو موضوع الحلقة الثامنة من البحث التي تنهي تاريخنا بعد مائتي عام إلا ما كان من الفاطميين والحمدانيين، والقرامطة الشيعة العرب والتنوخيين العرب السنة» (۱۱).

 والسلاجقة كلهم مستعمرون أطاحوا بالعنصر العربي، وبالحضارة العربية، وكل انتصاراتهم لا علاقة لنا بها، فمعركة ملاذكرد مثلًا التي كانت من أعظم الانتصارات في التاريخ الإسلامي عام ٤٦٣ بين الروم، وألب أرسلان السلجوقي التي فرشت فيها ساحة القتال بجثث الروم، وأسر الإمبراطور رومانس، وعقدوا هدنة مع المسلمين لخمسين سنة، هذه المعركة لا تعنيه لأنها بين محتلين ومحتلين.

بينما يفخر بالقرامطة العرب، وهذا نموذج منهم: «وفي هذه السنة قدم الملعون أبو طاهر القرمطي إلى مكة يوم التروية، فقتل الحجاج، وهم محرمون حول البيت، وملأ منهم بئر زمزم، واقتلع الحجر الأسود، وأخذه إلى هجر، ونهب البيت وأستاره وأبوابه، ويقال: إنه قتل بمكة قريبًا من ثلاثين ألفًا، ولم يحج أحد في تلك السنة، ولا وقف، بالجبل، ولم يبطل الحج بالإسلام إلا في تلك السنة» (١٢).

لقد عنون لهذه الحلقة الثامنة: حضارة أمة تصارع الوأد.

٣- سقوط الحضارة العربية وقد خصصها لسقوط الحضارة العربية، واعتبر سقوط الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي هو سقوط هذه الحضارة عام ۱۱۷۰.

أ- لقد كان السقوط الأول عندما سيطر السلاجقة على بغداد ١٠٢١ – ١٠٧٥م.

ب- وكان السقوط الأخير على يد صلاح الدين الأيوبي يقول:

ج- «أما في مصر ففي عهد الخليفة الظاهر الفاطمي ۱۰۲۰ – ١٠٣٥ استولى السلاجقة على أرض الدولة الفاطمية في بلاد الشام ووصلوا إلى حدود مصر، وبانتقال ساحل بلاد الشام إلى يد السلاجقة ضعفت الدولة الفاطمية، وبدأت بالتقهقر حتى سقوطها النهائي عام ١١٧٠م على يد صلاح الدين الأيوبي الذي كان قد استبد بالحكم على عهد آخر خلفائها، وقضى على كل القوى المؤيدة لهذه الدولة مستعينًا بوزيره قراقوش (أي الغراب السود)، مما أدى إلى انتحار آخر خلفائها بتناول السم وهو الخليفة العاضد ۱۱۷۰م، وبذلك انتهي الحكم العربي لمصر وبلاد الشام، وغدا الخليفة العباسي القرشي – رمز الإسلام على ما يزيد من أربعة قرون – غطاء لسلطة غير العرب (۱۳).

ومنذ سقوط الحضارة العربية على يد صلاح الدين الأيوبي ما تاريخنا خلال ثمانمئة عام؟

يجيبنا الباحث بقوله:

«وبسقوط العراق ومصر بيد غير العرب سقط الأمن العربي كله على مدى ثمانية قرون، وعلى امتداد الوطن العربي، فلم تعد الأرض العربية تعني شيئًا لهؤلاء بل مصالح ممالكهم ومصالحهم وما زلنا حتى اليوم نعاني ذيول هذا السقوط والتفكك» (١٤).

لقد حذف إذًا من تاريخنا ثمانمئة عام لماذا لأن الدولة الفاطمية العربية سقطت.

فصلاح الدين ليس من أبطالنا، وحطين ليست أمجادنا، وتحرير القدس ليس من تاريخنا، ومعركة عين جالوت وانتحار التتار فيها لا تعنينا، وفتح القسطنطينية لا علاقة لنا به.

والدولة العثمانية مثل المماليك والأيوبيين والسلاجقة، كلهم مستعمرون على أرضنا، محتلون لها، فقط سقط الأمن العربي بعد أن مات العاضد سمًا فمات العرب معه.

كل ما يتعلق بالإسلام على الأرض العربية، وصنعه غير العرب لا علاقة لنا به فحسب، بل هو استعمار لأرضنا وإقصاء لشعبنا العربي، صلاح الدين مستبد قضى على دولتنا العربية، وقضى على الوجود الشيعي في مصر كذلك!

هذا هو التاريخ الذي يعلمنا إياه الكاتب الباحث عبد المجيد عبد الملك، وبجرة قلم يحذف ثمانمئة عام من تاريخنا أي أكثر من نصفه، ورأينا كيف حذف ثلاثة أرباعه ولم يبق لنا إلا مائتي عام هو تاريخنا العربي قبل سيطرة الأتراك على مركز الدولة العباسية.

لكنه تصدق علينا بمائتي سنة أخرى إكرامًا لعيون القرامطة والحمدانيين والفاطميين الذين كانوا على أطراف الدولة العباسية!

 بقي علينا أن نسأل الكاتب الباحث عن تحليله للمائتي عام التي تكرم بها علينا أنها هي تاريخنا وأدعو الأمة كلها أن تستمع إلى هذا التحليل، فقد سمعنا رأيه في الإسلام، والعهد النبوي فماذا عن دولة الراشدين، والدولة الأموية، والعهد الأول للدولة العباسية قبل سقوطها بيد الأتراك؟

٤- عهد الراشدين، ويسميه مرحلة النقاء الثوري، ويشمل عهد النبوة كذلك، يقول:

«المرحلة الأولى وهي مرحلة النقاء الثوري الأول (دولة الرسالة) أصابها داء سريع، وتمثلت أزمتها القاتلة بالصراع بين الواقع والمثال، ولعل أول من رأى الآفة وتنبأ بها أبو ذر الغفاري حين زار بلاد الشام ومعاوية بعد وال عليها فصاح حين رآه بثياب الخز ومظاهر الأبهة أكسروية يا معاوية، وقد مات ثلاثة من خلفائها الأربعة غيلة: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب (۱٥).

انتهت الخلافة الراشدة عنده ولم ير هذا الأعمى فيها إلا الصراع بين المثال والواقع، وإلا اغتيال الخلفاء الثلاثة، أما الفتوحات الإسلامية التي امتدت إلى أقصى الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وانتشار الإسلام، وقيمه، وحكم ثلثي الأرض المعمورة بهذا الدين، هذا كله لم يره إنما تحدث عن الداء السريع الذي نزل بالأمة منذ نهاية عهد الرسالة، وكان الصراع بين المثال والواقع.

٥- وماذا عن الدولة الأموية ويسميها «مرحلة الدولة العربية الإسلامية»، ويقول:

«وأما المرحلة الثانية وهي مرحلة الدولة العربية الإسلامية، فقد فقدت النقاء الأولي للرسالة بمجرد قيامها، إنما بقيت فيها سماحة صفتها الأولى العربية بتأصل حرية الفكر، وحرية المعتقد هذه الصفات الأصيلة للبادية العربية، ومسيرة خلفائها، لا سيما ثاني العمرين، والصورة المشرقة لهذه المرحلة، لكن الصراع السياسي المذهبي الذي تحول إلى صراع مذهبي فيما بعد من ناحية وصراع القوميات كما في كل إمبراطوريات التاريخ وصولًا إلى الاتحاد السوفيتي في آخر القرن المنصرم، وتداخل هذين الصراعين أسقط هذه المرحلة» (۱۹).

فالدولة الأموية وما فيها من خير فمرده للعربية، وما فيها من شر فمرده إلى الإسلام «لقد فقدت النقاء الأولي للرسالة بمجرد قيامها» فلم يعد للإسلام دور في عملية البناء، أما الإيجابيات المتبقية فيها فهي للعنصر العربي، وبقيت سماح صفتها الأولى العربية، فلماذا؟

لأنها الصفات الأصيلة للبادية العربية.

وماذا يوجد في هذه الدولة؟ الصراع السياسي المذهبي ثم الصراع المذهبي هل هناك فتوحات إسلامية، وانتشار الإسلام على يد أمثال محمد به القاسم الثقفي، وقتيبة بن مسلم الباهلي، وموسى بن نصير، والامتدادات الإسلامية لأوروبا، وأقصى أسيا، والصين؟ هذا كله لم تسمع به في هذ المرحلة، وهو لصرعته لا يرى إلا الصراعات، وحين يرى السماحة فمردها الخلق العربي، والبادية العربية والإسلام هو سبب هذه الصراعات.

٦- وماذا عن الدولة العباسية؟

 يحمل الإسلام «السني» وزر الانحطاط فيه ولنستمع لقوله:

«وتداخل هذين الصراعين أسقط هذه المرحلة الأموية، وأوجد مرحلة جديدة، وليتحمل الصراع السياسي المذهبي المسؤولية في اعتماد العرب فيما بعد على الأتراك السنة لحمايتهم، ما أسقط تدريجيًا الصفة العربية للدولة، ففي المرحلة العباسية الثالثة وبسبب الانحسار التدريجي لسلطة العرب في الدولة العباسية، فقد قضى على روح الحضارة العربية الإسلامية، وهي إحدى أهم السمات التي ميزت إنسانيتها، وساعدت على اتساع انتشارها، وارتكزت عليه في قيامها وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فهو أعطى هذا الشعار لهذه الدولة قوة وبهاء كبيرين ولكنه سرعان ما أفقدها أهم مرتكزات الحضارية والمعتقدية، إذ خرجت هذه الرسالة من جذورها التاريخية، حين خرجت من يد العرب إلى يد الأتراك والفرس والديلم (۱۷).

فالذي أفقد الدولة أهم مرتكزاتها الحضارية هو شعار «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، و«الإسلام السني»، هو الذي هيأ لقب السلاجقة الأتراك «السنة» حماة له، فانتقلت هذه السلطة لغير العرب.

ونتساءل أخيرًا: ما هوية هذا الكاتب خلال ما نشر:

١- مفكر شيوعي ينطلق من الديالكتية والصراع الطبقي والمذهبي، فهو يقدم بعبقرية نظريته الكبرى في سقوط الأمم ونهوضها، هـا هو يقول: «كل أيديولوجية تقيم حضارة ما هي نفسها التي تؤدي إلى انهيارها بعد أن تحقق الأيديولوجية نفسها في شكل حضاري معين، وبعد أن تفقد أبعادها الإيجابية أي عندما تبدأ بالعجز عن المشكلات الاجتماعية التي تنشأ بها» (۲۱).

وحين نطلق هذه النظرة على أيدلوجية الإسلام مثلًا، يمكنكم القول إن الإسلام الذي أقام الحضارة هو نفسه الذي أدى إلى انهيارها بعد أن حق الإسلام نفسه بالإسلام السنة و«لا فضل لعربي على أعجمي»، ويشرح مقولته نفسه بقوله «... فعند سقوط الحضارة تنمو في رحمها، وعلى أنقاضها النقائض التي تستدعي بعضها، فإن الحضارة العربية الإسلامية بلغت في هذين القرنين أعلى درجات التناقض في دورتها الحضارية وليست ظواهر الاختلاف في مرحلة حضارية معينة إلا تعبيرًا عن الفعل وردة الفعل أي ديالكتيك تفاعل لهذه الحضارة مع إدارة رفضها (۱۹).

٢- مفكر قومي ملحد لا يؤمن بأن الدين من عند الله، وأن الدين عند الله الإسلام، إنما هو ميثاق من روح الأمة، وعبقريتها، فها هو يحدثنا في صراحة عن الإسلام بقوله:

«وكانت رسالة الإسلام التي انبثقت من روح هذه الأمة» (۲۰) وماذا يفيدنا بعد ذلك الثناء على الإسلام إذا كان منبثقًا من الأمة، وهذا يعني محمدًا -صلى الله عليه وسلم- – في عرف هذا الملحد – أكبر كذاب التاريخ حين ادعى أن الله يوحي إليه، وأقام الحضارة على هذا الأساس، وعلى أساس كتاب الله -عز وجل- القائل: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16)﴾ (يونس: ١٥ - ١٦) فهو مع أبي جهل، وأبي لهب وأضرابهما للدين يقولون: إن هذا القرآن من عند محمد.

٣- مفكر ماسوني يريد أن يصوغ الأديان كلها بدين واحد، فحين تتابع وصفه للإسلام نجده يقول وكانت رسالة الإسلام التي انبثقت من روح هذه الأمة بعدما مهدته المسيحية بإنسانيتها الرفيعة ومثلها الإنسانية الخالدة. وهذه الماسونية الخبيثة الباطنية الفاطمية التي تبنتها الدرزية كفرقة سنية وأسموا نفسهم بالموحدين، والتي يصفها كاتب بإعجاب حين يقول: وكذلك كان الحاكم بأمر الله الفاطمي (۹۹۰ – ۱۰۲۰) وباجتهاد مذهبي إسلامي خاص قد عمل من خلال دار الحكمة بمصر على نشر مذهبه التوحيدي الذي يرى أن قوة التوحيد متكاملة من بداية ظهورها مرورًا بالديانات السماوية وجميع رسلها وأنبيائها، وكذلك الفلاسفة الذين دعوا للتوحيد فدعا إلى نقض أقوال كل الظاهر والباطن وإلى اتباع مذهب التوحيد فكفر ككل المذاهب الأخرى كل من لا يتفق مذهبه في الإسلام لتمسك بعض المذاهب السنة بظاهر النص، وتأويل بعضهم للآيات شيعة، أهل الباطن ورأى الصواب والفرقة الناجية باتباع مذهبه التوحيدي وألغى إلزامية الفروض، وإن جعلها مستحبة مستعيضًا عنها بالمسلك التوحيدي الإسلامي، وحرم بالنص الرق تحريمًا كاملًا والإسلام عند صاحبنا كما ذكرنا: الدين في الإسلام هو الشريعة التوحيدية الجديدة التي لا تنفي الشرائع القديمة إنما تكملها... وهي عقيدة عربية وعالمية في آن» (۲۱).

٤- وهو مفكر طائفي فلا يرى في التاريخ كله جهاد الشيعة والقرامطة ضد الروم والفرنجة.

 وأخيرًا ما كنا لنعطي هذا الكاتب هذا الاهتمام لو لم تول الدولة هذا الاهتمام في وسائل كلامها المقرونة والمسموعة والمرئية، فصحيفة تشرين الرسمية فتحت صدرها له منذ شهرين تقريبًا وهو يكتب بهذه الضلالات عنده والتليفزيون السوري احتفى به وأجرى مقابلات عديدة معه.

ترى لو كان مثل هذا الكاتب يهاجم الخطوط الحمر، البعث أو الرئيس الأسد أبًا أو ابنًا أو الدستور ألا يقبض عليه منذ أول كلمة ويودع السجن؟ ولم الحديث عن الخيال؟ فتصريحات أطلقها العديد من المفكرين السوريين يطالبون فيها بالحريات وتعديل الدستور، سيقوا إلى السجن وحكموا بين العشر سنين إلى الخمس سنين فماذا نقول عمن دعا إلى نقض التاريخ الإسلامي كله، ونقض الإسلام، وكذب القرآن والرسول والإسلام حين ادعى أن الرسالة والإسلام قد انبثقا من عبقرية الأمة، وعبقرية محمد النبي وألغى ألف عام من تاريخنا، وجعله أسود مجللًا بالعار، هل يستحق كل هذا التبجيل، في بلد يؤمن بالإسلام دينًا منزلًا من عند الله -عز وجل-؟

يساق للسجن إن سب الرئيس وإن                سب الإله فكل الناس أحرار

ثلاثة عقود من تاريخنا عهد حافظ الأسد من مسها بكلمة يساق للسجن سنوات وألف عام من تاريخنا تشطب وتشوه تقابل بالتكريم والتبجيل؟ أسئلة نضعها بين يدي المسؤولين في سورية ونرجو أن تلقى الاهتمام المناسب بما أعلنوه عن اعتبار كل من يفرق بين الإسلام والعروبة مجرم في حق أمته شعر أم لم يشعر.

هل نجد على أرض الواقع صدى لهذا التطور، أما أنها صرخة في واد، وذر في العيون للرماد هل الموجود في سورية اليوم حرية الفكر أم حرية الكفر؟! هل من جواب؟

الهوامش:

(1) التطوير الحزبي، الموقف من الدين.

(۲) تشرين الحلقة (٥)١٢/٨/٢٠٠٢.

(۳) تشرين الحلقة (٥) ١٢/٨/٢٠٠٢.

(٤) السيرة النبوية ج ١/ ص ٢٩٧.

(5) تشرين الحلقة الخامسة ١٢/٨/٢٠٠٢.

(٦) المصدر نفسه ١٢/۸/٢٠٠٢.

(7) تشرين الحلقة «٥» ١٢/٨/٢٠٠٢.

(۸) تشرين الحلقة «٨» ١٢/٨/٢٠٠٢.

(٩) تشرين الحلقة «٨» العدد ٢٢/٨/٢٠٠٢.

 (۱۰) صحيفة تشرين الحلقة «٨» العدد تاريخ ٢٢/۸/٢٠٠٢.

(۱۱) وهؤلاء التنوخيون السنة اعتنقوا المذهب الشيعي، مذهب الدولة الفاطمية.

(۱۲) الجوهر الثمين سير الخلفاء والسلاطين للعلائي / ١٣٨.

(۱۳) و(١٤) تشرين الحلقة «١٠» عدد تاريخ ٢٩/٨/٢٠٠٢.

(۱٥) تشرين الحلقة «١٠»، تاریخ ٢٩/۸/٢٠٠٢.

(١٦) تشرين الحلقة «١٠» ٢٩/٨/٢٠٠٢.

(۱۷) تشرين الحلقة «١٠» ٢٩/٨/٢٠٠٢. 

(۱۸) تشرين الحلقة «٩» ٢٩/٨/٢٠٠٢.

(۱۹) العدد نفسه ٢٦/٨/٢٠٠٢.

(۲۰) العدد نفسه ٢٦/٨/٢٠٠٢.

(۲۱) تشرين الحلقة «١٠» تاريخ ٢٩/٨/٢٠٠٢.

([1]) باحث إسلامي سوري 

الرابط المختصر :