العنوان «قازان» الثقافات التترية والعربية
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 43
السبت 07-فبراير-2009
المخطوطات التترية القديمة مكتوبة باللغة العربية وأخرى بالفارسية والتركية
البريد العثماني تولاه التتار لقوة أجسامهم ومهارتهم في سياسة الخيل وركوبها
دار الكتب المصرية تحوي مخطوطات تترية نادرة منها كتاب السعادة الذي كتب في عهد «الناصر قلاوون »
أدعو أغنياء المسلمين لبناء مدرسة كبيرة نموذجية بـ قازان ، ونقل المدرسة العثمانية إليها
مخطوطات مهمة للصوفية باللغتين العربية والتترية وأخرى للشعر العربي والتتري
ابتدأت الجلسة الثانية في اليوم الثاني من مؤتمر علماء التتارفي تاريخ الحضارة الإسلامية، في قازان - يوم الجمعة - بعنوان الثقافات التترية والعربية، وكان رئيس الجلسة سعادة الدكتور جمال حجر عميد كلية الآداب بجامعة الإسكندرية سابقا، وقدم للجلسة بكلام حسن أكد فيه أن التتار شعب مسلم وهو جزء من الأمة الإسلامية.
ثم ابتدأ الحديث الأستاذ مارسيل أحمد زانوف وهو باحث تترستاني وتحدث عن المخطوطات التترية فذكر أن المخطوطات الأولى القديمة كتبت باللغة العربية، ومن المتأخرين كان شهاب الدين المرجاني الذي كتب باللغة العربية، وكان للصوفية مخطوطات مهمة باللغتين العربية والتترية، وذكر أن بعض المخطوطات نقلت إلى مدينة ليننجراد بطرسبرج حاليا وتوجد مخطوطات باللغة الفارسية والتركية، وأن هناك مخطوطات للشعر العربي والتتري والفارسي والأوزبكي، وذكر أن بعض المخطوطات ضاعت ودمرت وبعضها الآخر عثروا عليها ضمن عمليات البحث الأثري، وبعضها اشتريت من الناس.
مخطوطات نادرة
وذكر أن هناك مخطوطات عثر عليها كتبت في القرن السابع عشر ونجت هذه المخطوطات رغم أنف النصارى الذين كانوا يحظرون تماماأي تأليف إسلامي، لكني أظن أن أكثر هذه المخطوطات لم تصنف بعد، ولعلها إن صنفت ونشرت فهارسها تكون عونا على العثور على ما يعد مفقودا اليوم من تراث المسلمين، وهو - كما يعلم الباحثون - مئات الآلاف من الكتب والرسائل.
والبحث الثاني كان بعنوان: التتار في الثقافتين العربية والإسلامية للدكتور أحمد كاظم أوزون الأستاذ بجامعة «سلجوق» في تركيا، فذكر أن الأتراك - خاصة أتراك الشمال - كانوا يطلق عليهم التتار وعلى ذلك فلهم تراث مشترك مع التتار في كل مكان وذكر أن الأتراك الموجودين في «تركيا» اليوم خرجوا من آسيا الوسطى واستقروا في الأناضول، فأصلهم من آسيا الوسطى فلذلك صارت تلك المنطقة وثقافتها وآدابها هي القاسم المشترك لكل الشعوب التركية ثم توسع في ذكر بعض الآداب واللغات واللهجات التركية، وذكر في هذا أن اللغة التركية لها لهجات هي لهجة أتراك التتار القرم، والقازان، ولهجة أتراك الغرب وهم العثمانيون ثم الأتراك اليوم، ولهجة أتراك التركستان أوزبكستان وغيرها، ولهجة أتراك أذربيجان.
البريد العثماني
وذكر أن البريد العثماني كان يتولاه التتار لقوة أجسادهم ولمهارتهم في سياسة الخيل وركوبها، حتى أن كلمة التتار انطبعت في أذهان الأتراك على أن المقصود بها هم سعاة البريد، وذكر أن للتتار أثرا في الرياضة والأدب والثقافة والفنون في تركيا»، وذكر أنه منذ سنة ۱۷۷۲م نزح قرابة المليون تتري إلى «تركيا»، وخاصة قونيا».
وذكر أيضا أن الهجرة العظمى للتتار كانت هجرة تتار القرم خاصة أثناء الحرب العالمية الثانية.
وقال: في حرب البلقان سنة ١٩١٢م لم تجند الدولة العثمانية التتار؛ لكنهم هم الذين تقدموا بطلب التطوع، وذلك في قرابة سبع سنوات من زمن الحرب.
وذكر أن التتار هاجروا إلى مكة المكرمة»، و «دمشق»، و«القاهرة»، و«حلب». وامتزجوا مع أهل البلاد التي نزلوا بها وأقول: إن أسرة القرمي عندنا في الحجاز هي إحدى تلك الأسر التترية القرمية التي نزحت.
أعلام ومؤلفات
ثم تحدث د. حميد الحمر - الأستاذ في جامعة سيدي محمد بن عبدالله به فاس عربية وأخرى والتركية في المغرب - وكان بحثه عن تتارستان في تراث علماء الغرب الإسلامي الأقصى القديم: أعلام ومؤلفات، ووصف وتواصل»، فذكر احتفال أهل قازان بمرور ألف سنة على تأسيسها وهنا رئيس جمهورية تترستان بنيله جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام، وذكر أنه اجتمع بطالبين تتريين درسا في جامعة محمد بن عبد الله به «فاس فعرف التتار وتراثهم باحتكاكه بالطالبين مدة ستة أشهر فقد كان مسؤولا عنهما أثناء دراستهما بالجامعة ثم اقترح أن تكون قازان عاصمة للثقافة الإسلامية سنة ١٤٣٠ / ٢٠١٠م، وهذا اقتراح مقدم لـ «الإيسيسكو» التي تتولى تعيين المدن التي تستحق أن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية في كل عام.
وذكر أن خزانة القرويين بـ فاس تحوي نسخة قديمة من رحلة ابن فضلان استفاد منها الباحثون في المغرب، وذكر رحلة أبي حامد الغرناطي المغربي سنة ٥٣٠هـ إلى بلاد التتار، وهو كتاب مهم دقيق، فقد وصف التتار وبلادهم وصفا جليلا وذكر أبو حامد فيه أن هناك آلافا من أهل المغرب مقيمون في بلاد التتار، وهم على مذهب الإمام مالك، والغرباء على مذهب الإمام الشافعي وأهل البلد على مذهب الإمام أبي حنيفة وقد تزوج أبو حامد عدة نساء في بلاد التتار وترك أولادا له هناك، وذكر أن ولده حامدا الذي كان قد بلغ من العمر أكثر من ثلاثين سنة وصحبه معه إلى بلاد التتار، ذكر أنه تزوج بامرأتين من التتار وترك منهما أولادًا وأنه تركه في تلك الديار - ديار التتار.
وهناك القاضي أبو القاسم صاعد المغربي الذي ذكر التتار في كتابه طبقات الأمم..
دار الكتب المصرية
ثم تحدثت الدكتورة ماجدة مخلوف رئيسة قسم اللغات الشرقية وآدابها بكلية الآداب بجامعة عين شمس، وكان بحثها عن المخطوطات التركية الشرقية في مصر وتريد بالتركية الشرقية لغة أتراك التتار والقرم، وأذربيجان والتركستان والقوقاز لأن الأتراك الغربيين هم أتراك الأناضول تركيا حاليًا.
فذكرت أن دار الكتب المصرية تأسست سنة ۱۸۷۰م بحي السيدة زينب بالقاهرة بأمر من الخديو إسماعيل، وجمعت فيها المخطوطات من بيوت السلاطين والأمراء وكبراء الدولة المصرية آنذاك، والدار غنية جدا بالمخطوطات، ففي مصر مائة وعشرة آلاف مخطوطة باللغة العربية واللغات الشرقية، وهناك مخطوطات باللغة التركية الغربية العثمانية تبلغ خمسة آلاف مخطوطة، وهناك مخطوطات باللغة التركية القديمة الشرقية التركستانية الأويجورية الجفتائية الخاقانية وهي عشر مخطوطات فقط في دار الكتب المصرية، وقد عرضت على الحاضرين بآلة العرض نماذج من هذه المخطوطات، ومن أهمها نسخة لكتاب السعادة كتبت في القرن الثامن الهجري زمن الناصر قلاوون في ۱۹۷ ورقة، وكان الناصر من القوتشاك وصاهر الأوزبك وتزوج منهم، والمخطوط بلغة الناصر قلاوون وبالأحرف العربية، وعثر عليها في مكتبة الخديو سنة ،۱۸۹۲م، وهي إحدى ثلاث نسخ موجودة لهذه المخطوطة في العالم، وعرضت نماذج عديدة أخرى.
زيارة المدرسة العثمانية
وألقى عدد آخر من الباحثين بحوثًا لم أتمكن من سماعها في هذه الجلسة الصباحية لأني أردت أن أزور المدرسة العثمانية، وهي مدرسة أنشئت من خمسة عشر عاما على اسم مدرسة قديمة اندثرت وقد ذكرتها في مقال سابق، وهي المدرسة الدينية الوحيدة المعترف بشهادتها في روسيا كلها، وتجمع بين التدريس الديني والعلوم الحديثة التي هي متطلبات وزارة التعليم فصار التعليم الديني أمرا زائدا على المنهج فنالت المدرسة بذلك الرخصة العسيرة المنال وحسب القارئ أن يعلم أن في روسيا مدارس دينية كثيرة ذات مستويات متعددة لم تتل منهن واحدة الاعتراف الرسمي بشهادتها ونالتها هذه المدرسة الصغيرة المنزوية فذهبت لزيارتها فوجدتها في مكان ناء فلما تبينت معالمها ودرت في أنحائها إذا بها صغيرة جدا، وأخبرني أحد المهتمين بشأنها وهو الذي دعاني لزيارتها واستقبلني فيها أن بها قرابة ثمانين طالبا وطالبة فقط في القسمين الصباحي والمسائي، وأن عدد طلاب الثانوية بها هو من عشرة إلى خمسة عشر طالبا وطالبة فقط فعجبت وسألت عن السبب فقيل لي: إنها فقيرة الموارد لا تعطي المدرسين مرتبات مكافئة لجهودهم وخبرتهم فينفضون عنها ويذهبون إلى مدارس أخرى تجزل لهم العطاء فضعفت بذلك المدرسة وقل عدد الطلاب، هذا والمدارس الحكومية بالمجان وهذه المدرسة العثمانية تأخذ الأموال من الطلاب ومع ذلك يقبل عليها أولياء الأمور ويرضون بدفع مبالغ رمزية لأنها تدرس المواد الدينية، وأدعو أغنياء المسلمين لبناء مدرسة كبيرة نموذجية ونقل المدرسة العثمانية إليها وإنفاق الأموال على مدرسيها حتى يصير لها المكانة اللائقة بها، فهي المدرسة الدينية الوحيدة المأذون بها في كل روسيا!! فيالله كم نحن مقصرون!!
صلاة الجمعة
وقد شرفت بالصلاة - صلاة الجمعة - في مسجد قل شريف»، وهو مسجد جليل يعد - بساحاته وملحقاته - أكبر مسجد في روسيا الاتحادية، وقد سمي باسم القائد البطل العالم قل شريف الذي استشهد - إن شاء الله تعالى - هو ومجموعة من طلابه، دفاعا عن «قازان» لما دخلها إيفان الرهيب في القرن العاشر الهجري سنة ١٥٥٢م، وقد أمر القيصر إيفان» بهدمه لما احتل «قازان»، وظل محطما طوال المدة القيصرية والشيوعية إلى أن أعيد بناؤه قريبا على الهيئة القديمة نفسها بمنارات ثمان وساهمت في بنائه المملكة العربية السعودية والإمارات، وافتتح سنة ١٤٢٥هـ / ٢٤ يوليو ٢٠٠٥م بمناسبة الاحتفال بمرور ألف سنة على إنشاء قازان»، ولله الحمد والمنة.
وقد صليت الجمعة في المسجد، ودعيت لإلقاء كلمة الوفود ، فقمت وتحدثت مع المصلين بعد الصلاة، فبينت لهم أننا سعداء بالقدوم عليهم والجلوس إليهم والحديث معهم، وأن ملايين المسلمين يتمنون أن لو كانوا معنا، وأن الحرية الدينية التي تتمتع بها الجمهورية هي السبب - بعد فضل الله تعالى - في قدومنا بعد أن كان ممنوعا منعا باتا، ووصيتهم بطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ وبتعلم الإسلام العظيم وإحسان فهمه وبالاعتزاز به ووصيتهم أن يتعلموا العربية لا لأنها لغة العرب لكن لأنها لغة القرآن والإسلام ولا يكتمل فهمهم لهذا الدين العظيم إلا بتعلمها، ثم ختمت كلمتي وجاء الناس للسلام علي وعلى المفتي الذي كان في الجامع وعلى إمام الجامع، وفاتني أن أذكر أن الخطبة كانت باللغة التترية وكانت طويلة فقد استغرقت أربعين دقيقة وكان عهدي بالخطب في تركيا وبلاد العجم الأخرى أن يكون هناك درس قبل الصلاة طويل فإذا جاءت الخطبة كانت قصيرة جدا لا تتعدى الدقائق الخمس والإمام حنفي ولابد - تبعا لمذهب قومه منذ ألف سنة بل تزيد - لكنه جهر بالاستعاذة!! وبالبسملة وقد جهر المأمومون بلفظ آمين، وهذا غريب في الأحناف لكن يبدو أن الاحتلال الروسي والشيوعي الطويلين أثرا في مذهب القوم وما نشأ عليه أسلافهم القدامي.
وقد استغرقت الجمعة وقتًا طويلًا ثم إن الغداء بعدها قد امتد إلى ما بعد الرابعة فلم نصل إلى قاعة المؤتمرات إلا قرابة الخامسة، وكان موعد الجلسة الساعة الثالثة!! والحضور قد انتظرونا طويلا، وهذه زلة كبيرة في تنظيم المؤتمر فاللهم غفرا وسأتحدث عن وقائع هذه الجلسة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل