; إلى أجهزة الأمن في دولنا المنتسبة للإسلام | مجلة المجتمع

العنوان إلى أجهزة الأمن في دولنا المنتسبة للإسلام

الكاتب محمد مصطفى

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1979

مشاهدات 66

نشر في العدد 449

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 12-يونيو-1979

  • قائمة الاتهامات السياسية الكاذبة هي المبرر المعتاد لضرب الحركة الإسلامية

هل صارت هذه الأجهزة من أسماء الأضداد، فبدلا من أن توفر الأمن لأفراد المجتمع إذا بها تصبح وسيلة لإثارة الرعب والفزع للناس والاعتداء على حرماتهم بحجة حماية الحاكم من المؤامرات والمحافظة على كرسيه من الاهتزاز، ولا نجد ذلك إلا مع الحكام الظالمين، فالحاكم العادل يحب الشعب ويحبه الشعب ويسانده ولا يحتاج إلى هذه الجيوش من الحراس والمباحث والمخابرات السرية والعلنية المدنية والعسكرية.

بدافع النصيحة وحب الخير:

نتوجه إلى إخواننا في أجهزة الأمن في دولنا بهذا الحديث الذي دفع إليه واجب النصيحة وحب الخير لإخواننا في الدين والوطن، فأنتم منا ونحن منكم وليس بيننا عداوة ولا تباعد إلا ما يقيمه الظالمون بيننا تضليلا وافتراء لتحقيق مصلحة لهم، فافتحوا القلوب والعقول لهذه النصيحة الخالصة لوجه الله ففيها خير دينكم ودنياكم وأخرتكم إن شاء الله، وإلا فقد أعذرنا إلى الله وهو حسبنا ونعم الوكيل.

اقدروا أنفسكم وعقولكم:

نعلم أنه في معظم بلادنا يربى فيها الجنود والضباط على الطاعة العمياء التي تكاد أن تلغى معها العقول فيطلب من الجندي أو الطالب أن يحرك الحائط بيديه، وعليه أن ينفذ الأمر ويدفع الحائط بيديه وهو يعلم أن هذا الأمر لا يتفق مع العقل، ويطلب منه أن يقول على الشيء الأبيض إنه أسود ويلغى بصره وعقله ويقول إنه أسود وإلا كان مخالفا للأمر وهكذا.

يقصدون بذلك أن يعودوهم على تنفيذ الأوامر دون اعتراض ودون إعمال للعقل، وفي ذلك إلغاء للشخصية وتعطيل للعقل ليصبحوا آلة طيعة لتنفيذ أغراض أولى الأمر ولو كان في ذلك إغضاب لله وإذلال للشعب.

 لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:

 إن تنفيذكم لأوامر رؤسائكم بتفزيع الناس وإيذائهم وتعذيبهم وقتلهم وخاصة الدعاة إلى الله لن يعفيكم أمام الله وأمام شعوبكم. فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (فاطر:18).

ويقول ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (مريم:95) ولا ينفعكم اعتذاركم بطاعتكم لسادتكم وكبرائكم» ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (الأحزاب:67-68) .

بكل هذا الغيظ يطلبون من الله أن يضاعف لهم العذاب ولعنهم لعنًا كبيرا . ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (غافر:47-48)

 والله سبحانه وتعالى لم يعف جنود فرعون وهامان من الإثم والخطأ فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (القصص:8).

الظالم لا يحقق الظلم إلا بأعوانه:

لو أن الظالم لم يجد جندًا وأعوانًا ينفذون أوامره لما وقع ظلم على أحد ولكنه يظلم ويتمادى في الظلم طالما وجد من يطيعه وينفذ أوامره، ولذلك فإن من يعاون الظالم ظالم مثله ومن يركن إلى الظالم فهو ظالم مثله، وفي معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» نصرك له ظالما بأن تمنعه من الظلم، والله تعالى يقول ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (هود:113).

حكم الوظيفة:

قد يقول قائل منكم أنا أنفذ الأوامر بحكم الوظيفة، وإذا عصيت الأوامر سأتعرض للأذى وأحيانا أكون غير مقتنع بسلامة هذه الأوامر، وأعلم أنها ظلم وأحيانا اقتنع بسلامتها بناء على ما أسمعه من رؤسائي من مبررات فأقول إن هذا القول منكم يحتاج إلى وقفة ومراجعة وتبين، ولا تلقوه بهذه البساطة وتظنون أنكم التمستم لأنفسكم العذر فيما تقدمون عليه من تنفيذ أوامر الظلم.

 اعلموا أن الظالم في كل العصور يمهد لظلمه وبطشه بتزييف الحقائق، واختلاق مبررات أمام الرأي العام لمن يريد أن يوقع بهم الظلم حتى لا يبدو ظلمه ظلمًا مجردًا فيثير عليه الرأي العام. 

ففي الماضي القديم اتهم فرعون موسى بالإفساد وادعى أنه هو الذي يهدي إلى سبيل الرشاد ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (غافر:29).

وكذلك هيئة المنتفعين بشيء من عفن الدنيا من الملأ حول الظالم يشاركون في الصاق التهم وإثارة الشعور ضد أهل الحق: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (الأعراف:127).

وهكذا يتهم الظالم أهل الحق بالفساد، وتضليل الناس في الوقت الذي يقوم هو ومن حوله وأجهزة إعلامه بأكبر حملة تضليل وتزييف للحقائق، وافتراء على الشعب وتزييف إرادته ورأيه باستقبالات مصنوعة واستفتاءات مئوية مزورة.

موقفان:

وينقسم الناس أمام هذا التضليل وإلصاق التهم الباطلة بأهل الحق إلى فريقين.

 فريق يصدقونه بلا إعمال فكر لأن ذلك يصادف هوى عندهم ويهيئ جوا مناسبا لأغراضهم وهكذا يستخفهم الظالم ويطيعون في مقاومة أهل الحق ووصف الله هذا الفريق أنهم فاسقون حيث قال في حق فرعون ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (الزخرف:54)، والفريق الآخر هو فريق المؤمنين الذين يرون بنور الإيمان فيميزون بين الحق والباطل وبين الصدق والافتراء أو الكذب ويتبينون قبل اتخاذ أي موقف امتثالا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات:6)، وها هم سحرة فرعون عندما آمنوا بعدما تبين لهم الحق لم يخفهم وعيد ولا تهديد والتزموا جانب الحق.

وفي التاريخ الحديث:

 وفي تاريخنا الحديث ألصقت التهم الباطلة بالداعين إلى الله في كثير من بلادنا، وقدمت المبررات الزائفة لضرب الحركات الإسلامية في مصر وغيرها ومن قائمة هذه الاتهامات: الإرهاب والنسف والتدمير والثورة المضادة وقلب نظام الحكم والتستر وراء الدين، وتضليل الشباب والكذب وغير ذلك. 

واصطنعت مؤامرات كتمثيلية المنشية عام ١٩٥٤ كمبرر لضرب الإخوان في مصر.

وبعدما انكشف زيف هذه التهم وعلى ألسنة بعض أعوان الظالمين لم يعد دحض هذه الاتهامات يحتاج إلى كبير جهد من أهل الحق ولا إلى إمعان فكر من غيرهم.

وكل الذي نوصي به كل فرد من أجهزة الأمن ألا يلغي عقله وأن يتبين حتى لا يصيب قومًا بجهالة، ويصبح نادمًا على ما فعل ولن ينفعه أحد من سادته ورؤسائه.

 من أخسر الناس:

من أخسر الناس من يبيع آخرته بدنياه إذ إنه يخسر نعيما دائمًا لانهاية له من حيث الزمن ووفق تصورنا من حيث الكيف والنوع مقابل نعیم تافه زائل لحظي، والأخير من هذا الصنف من يخسر آخرته لدنيا غيره.

 وأعوان الظالمين ومنفذو أوامره من هذا الصنف، فهم يجلبون لأنفسهم العذاب وغضب الله بإيذائهم وقتلهم للمؤمنين للتمكين للظالمين والله تعالى يقول ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (النساء:93).

 وفي غالب الأحيان يخسر أعوان الظالمين وجنودهم دنياهم مع أخرتهم حينما يسقط الظالم فتدور الدائرة عليهم فيحاكمون ويسجنون أو يعدمون.

فهل من مدكر؟

العاقل من اتعظ بغيره وأخذ العبرة مما يجري حوله من أحداث، فجند فرعون أغرقهم الله معه - ومن سموهم مراكز القوى وهم في الحقيقة مراكز الضعف كثير منهم اليوم بين مسجون، ومشرد ومن صرعه الله وأخذه أخذ عزيز مقتدر، ثم هؤلاء أنصار شاه إیران وجنده من السافاك وأركان حرب وقواد جيشه هم اليوم يلقون جزاء مناصرتهم له ضد المسلمين فيحاكمون ويعدمون لما جنوه من قتل ألالاف من أفراد الشعب فهل من مدكر، واعلموا أن نصر الله آت لعباده المؤمنين فهذا وعد الله الذي لا يتخلف ﴿إِنَّنا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار (غافر:51-52)، فاعتبروا یا أولی الأبصار.

فتنة الناس وعذاب الله:

أما ما تقوله يا أخي من أنك إذا لم تنفذ أوامر رؤسائك بإيذاء المؤمنين فإنك تتعرض بذلك إلى الإيذاء والعنت والفصل وغير ذلك. 

فاعلم أن أي إيذاء تتعرض له على يد هؤلاء الحكام الظالمين مهما بلغ ولو وصل إلى حد القتل، فإنه لا يذكر وأهون بكثير جدًا من تعرضك لغضب الله وعذابه يوم القيامة في نار جهنم فكل بلاء دون النار عافية.

وشتان بين أن تتعرض لبعض الأذى بسبب عصيانك لهذه الأوامر، وتنال بذاك أجرًا ومثوبة من الله لطاعتك لله بعدم تنفيذها، وبين أن تنفذ هذه الأوامر وتتعرض بسبب ذلك إلى غضب الله وعذاب جهنم، فاعمل عقلك وانظر إلى غدك وحياتك الحقيقية، ولا تنظر تحت قدميك فقط واعلم أن الموت يأتي بغتة، ونكون بذلك قد أعذرنا وحذرنا، اللهم فاشهد.

وخير ما نختم به هذا الحديث الصادق المخلص هو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (إبراهيم: 42 ل 52)

الرابط المختصر :