العنوان من نفحات شهر رمضان المبارك
الكاتب زينب الغزالي الجبيلي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1236
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 28-يناير-1997
المجتمع الأسري
إلى الأخت الداعية:
اعتدت منذ سنوات طويلة، أن أغتنم فرصة حلول شهر رمضان المبارك، فأحبس نفسي على أمرين أساسيين: إقامة الصلاة وقراءة القرآن والتدبر في معانيه، وتكاد تنقطع صلتي بالحياة العامة ودنيا الناس واهتمامات البشر.. كنت أشعر بأنني في حاجة ماسة إلى أن أخلو بنفسي في هذا الشهر الكريم، أتأمل حياتي ورسالتي ودوري والسنة التي مضت وأيامي المقبلة، وأنظر في واقع أمتي فيما مضى منها، وفيما هي مقبلة عليه.. أعيش مع القرآن الكريم قراءة وتدبرًا.. أغوص في معانيه وأسبح في آفاقه، وأتدبر في آياته، وأنهل من نفحاته، فأجد الجواهر والدرر، وتتوهج المعاني والمعالم في قلبي لتضيء دربي، فأنس لها وأرتاح لأنوارها العذبة.. وأشعر بأنها محض فيض من الله وفضل منه سبحانه وعطاء ما بعده عطاء.. ولهذا كانت أشواقي تتجدد لاستقبال خير الشهور.. أروي فيه ظمئي، وأجدد فيه إيماني، وأظهر فيه قلبي ونفسي وأصوغ فيه حلمي وأملي وشوقي وأجدد فيه عزمي وهمتي، وأقوي فيه صلتي بربي وخالقي ورازقي ومدبر أمري.. كنت أشتاق إلى جلاء قلبي من الران الذي مسه قبل شهر رمضان، ولا جلاء إلا بالقرآن في شهر القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس: 57) ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (سورة البقرة: 185).
ولو تأمل المسلمون القرآن وتدبروا في معانيه، ووقفوا عند حدوده، والتزموا بحلاله، واجتنبوا حرامه، وقرؤوه قراءة بحث وفقه أمتنا وتأمل وعمل ودعوة ونظام حياة، لتبدل الحال غير الحال ولتغيرت الأوضاع التي نحياها، ولعادت لأمتنا القيادة والريادة من جديد.. ريادة الحق والعدل وإنصاف المظلوم والوقوف في وجه الظالم.. إن في صدرها الأول في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر صحابته الكرام أحسنت التعامل مع القرآن الكريم أحسنت حفظه ودراسته وفهمه وتدبر معانيه، مثلما أحسنت تطبيقه وحراسة معالمه وأهدافه قولاً وعملاً.. ولن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولن تستقيم حياتنا إلا إذا كان القرآن رائدنا ومنهجنا ودستور حياتنا ولن تتقدم الأمة وتنفض عنها سنوات الهوان والضعف والخذلان إلا إذا كان القرآن هو إمامنا ومرشدنا وقائدنا، وصاحب الأمر فينا.
الصلاة سكينة النفس
أما الصلاة فهي سكينة نفسي وخشوع جوارحي وإخبات قلبي وإشباع روحي.. إنها صلتي بالله سبحانه وتعالى، إليها ألجأ إذا كثرت همومي، أناجي فيها ربي وخالقي، وفيها أسجد له وحده واضع رأسي فوق التراب إجلالاً لعظمته وحكمته ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وما أجمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، وما أروع قوله: «أرحنا بها يا بلال»، إنها الصلاة الخاشعة، الخالصة، الواعية، إنها اللقاء المتجدد مع الله سبحانه وتعالى، وفي شهر رمضان تزداد أنوار الشوق إلى لقاء الله، فيفيض بعطائه الدائم على عباده «من أتى فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إن الصلاة في التذكير اليومي الدائم للمسلم الصادق مع الله، فهلا أديناها وأقمناها على وجهها الصحيح، حتى ننال الخير والبركة والأجر الجزيل.. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (سورة العنكبوت: 45).
وما بين الصلاة وقراءة القرآن: دعاء واستغفار وتسبيح وتحميد وتكبير وتهليل، فأبواب الخير في شهر الخير مشرعة أمام أهل الخير، الذين ينهلون من فضل الله، فيتصدقون ويبذلون من أنفسهم وأموالهم، ويقبلون على الله بدمعات ندم ساخنة في أوقات السحر، عسى الله أن يقبلهم في عباده الصالحين القانتين الصادقين، والله قريب من عباده، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾(سورة البقرة: 186) وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فليكن لكل منا دعاء ورجاء وتوسل وإلحاح أن يعيد الله الرشد لأمتنا، وأن يقوي عزمتها ويشد أزرها ويجنبها الفتن ويحميها من الاختلاف المذموم ويبصرها بالحق دائمًا.
وها نحن على أبواب العشر الأواخر في شهر رمضان المبارك حيث الخير الكثير والفضل العميم، والحاجة إلى مضاعفة الطاعات وشد العزائم للفوز برضوان الله فيها وتحصيل الأجر والثواب.. فيها ليلة القدر.. خير من ألف شهر فهنيئًا لمن أحسن الاستعداد لها، وفرغ نفسه من هموم الدنيا لينال رضا الله وينعم في رحاب الإيمان الصافي.. فاللهم أعنا على طاعتك وحسن عبادتك وارزقنا الفوز بالجنة والنجاة من النار.
والأخت الداعية هي خير من تحسن الاستفادة من شهر رمضان أخذًا وعطاء ومجاهدة وبذلاً وحسن صلة بالله.. إنها تتزود بالوقود الإيماني والمناعة الربانية، تقطف من ثمار هذا الشهر الكريم، وتغترف من خيراته، ونفحاته وعطاءاته الفياضة ليكون ذلك زادها إلى الله عز وجل، ودعامة جهدها وصبرها في طريق الدعوة وفي رحلة التضحية والبذل لتكون كلمة الله هي العليا، وتعود الأمة كما كانت رائدة لكل خير، قائدة لكل حق وعدل، ناشرة لكل فضيلة.. ما أعظم مدرسة الصوم، وما أحوجنا إلى التزود بالكثير من دروسها الرفيعة.. اللهم ارزقنا عزة بعد مذلة.. وقوة بعد ضعف، ووحدة بعد تفرق.. اللهم جئناك تائبين.. نادمين مستغفرين.. فاكتبنا من الفائزين المقبولين في هذا الشهر الكريم.