العنوان إلى الرئيس الأمريكي بوش.. أين مصداقية المبادئ!؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1989
مشاهدات 75
نشر في العدد 922
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 27-يونيو-1989
القاموس السياسي الأمريكي يعج بمصطلحات (الحرية- السلام- الديمقراطية) وسائر المرادفات والألفاظ التي تتصل بمعاني هذه الألفاظ البراقة.. والذي دعا المراقبين- خلال الشهرين الماضيين- إلى محاكمة هذه الألفاظ التي تشكل معالم أساسية في الدستور الأمريكي وجمهورية جورج واشنطن الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية.. نقول إن الذي دعا إلى استبطان ما يختبئ وراء هذه الألفاظ من معانٍ وسلوكيات ومواقف وسياسات.. الخطبة أو الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي جورج بوش في احتفالات الذكرى المئوية الثانية للرئاسة الأمريكية، وتشكل مثل هذه الخطب في العادة أسس السياسة الداخلية والخارجية لرئاسة الجمهورية والبيت الأبيض ومؤسساته.
فعلى الصعيد الداخلي: لخص بوش حياة الأمريكيين خلال مئتي عام من الحياة السياسية
الحرة المتطورة وذلك بوصفه التجربة الأمريكية بقوله «إن الأمريكيين في تجربة من
الحرية جلبت تقدمًا مستمرًّا لا سابق له فضلًا عن نعم وفيرة».
وفي القاعة الفيدرالية في مدينة
نيويورك حيث وجد أول كونغرس أمريكي كان بوش قد تعهد كما تعهد من قبله واحد
وأربعون رئيسًا «بأن يحافظ ويحمي ويدافع عن الدستور الأمريكي».
وعلى صعيد السياسات العامة والخارجية: كرر بوش الشعارات الأمريكية التي يطلقها عادة رؤساء الولايات
المتحدة منذ عهد إیزنهاور... ومنذ الفترة التي تلت مرحلة ما بين الحربين
العالميتين... ففي خطابه بمناسبة ذكرى الرئاسة الأمريكية قال بوش: «إننا اليوم
نعيد المبادئ الأخلاقية والنبل والقوة»... وأصر بوش على أن مهمة الرئاسة الأمريكية
تأكيد الثوابت في «حرية الاختيار... وحرية تقرير المصير، والديمقراطية بالنسبة
للأمم».
وقبل أن ينهي خطبته أعلن بوش أن مهمة الولايات
المتحدة «يجب أن تتناول الاشتراك في خدمة الآخرين».
ويلاحظ أن بوش الذي ركز على رغبته في
المزيد من رفاه الشعب الأمريكي.. حاول أن يجمّل الوجه الأمريكي أمام شعوب العالم،
ولا سيما تلك التي ما زالت تراه قبيحًا.. ولا شك فإن تلك الشعوب- وعلى الأخص شعوب
العالم النامي (الثالث)- تسخر من الأسلوب الأمريكي؛ لأنها تعي أنه بلا
مصداقية على صعيد السياسة الخارجية فيما يتعلق بـ(المبادئ الأخلاقية، والنبل وحرية
الاختيار، وحرية تقرير المصير، والديمقراطية بالنسبة للأمم).
ولنضرب بعض الأمثلة الصارخة التي عاشتها شعوب
الأمم في العالم النامي لنقيس بميزانها المصداقية الأمريكية في
المبادئ التالية:
1- حق تقرير المصير.
2- الديمقراطية.
3- المبادئ الأخلاقية.
1- حق تقرير المصير: عقب
الحرب العالمية الثانية ظهرت الولايات المتحدة في الساحة السياسية الدولية كقوة
دولية جديدة بين القوى التقليدية (فرنسا- بريطانيا- روسيا- ألمانيا) منادية
بانسحاب قوى الاستعمار العسكري ولا سيما (الفرنسية والبريطانية) من أراضي الشعوب
المستعمرة، لكن الولايات المتحدة كانت تعد لوراثة الاستعمار التقليدي بأسلوب
الاستعمار السياسي، ففي البلدان العربية- على سبيل المثال- تحدث سلسلة من
الانقلابات العسكرية باسم الحرية والسلام والوحدة وغير ذلك.. بيد أن التفكير
الأمريكي لم يُلغِ أسلوب التدخل العسكري نهائيًّا، حيث تقتضي الضرورة الاستعمارية
إليه إذا عجزت الحكومات العميلة عن الثبات والاستمرارية، وهذا ما حصل في
فيتنام وعدد من دول أمريكا اللاتينية.
أما بالنسبة لفلسطين، فالولايات المتحدة تعرف
أنها قطر عربي، لكن (مصداقية حرية تقرير المصير للأمم) هنا تتعلق في التفكير
الأمريكي- كما هو ثابت من سياسة البيت الأبيض- باليهود الوافدين الذين اغتصبوا
فلسطين وشردوا أهلها في أنحاء العالم.. وإذا كان الرئيس بوش يريد أن يثبت
مصداقيته، فلماذا لا يعالج قضية فلسطين وشعبها من خلال إثبات المعاني الحقيقية لمبدأ
تقرير حرية المصير للأمم؟ وذلك لئلا تُقابَل المبادئ الأمريكية عند الشعوب
المظلومة بالسخرية والاستهزاء.
2- الديمقراطية:
قد تنال المبادئ الديمقراطية التي يطرحها الرئيس بوش
أمام شعوب العالم الإعجاب، لكن الممارسة الحقيقية للسياسة الأمريكية هي المحك
الصحيح لكل شعار أو مبدأ أمريكي مطروح، وإذا كانت الولايات المتحدة تعلن عن عطفها
على الديمقراطية الذبيحة في جمهورية الصين الشعبية، فلماذا تصمت وتبدو بلسان مقطوع
عندما يذبح عملاؤها وأصدقاؤها في العالم الثالث شعوبهم؟ إنه سؤال للرئيس الأمريكي
من كافة الشعوب النامية، وأنَّى لهذه الشعوب أن تقتنع بمصداقية الرئيس بوش بينما
أصدقاء أمريكا في العالم النامي يصنعون الممالك الديكتاتورية، ويحكمون بالسيف
المسلط على الرقاب، وبسلطة الحزب الواحد أو بسلطة العسكر المحاطة بهوامش هشة من
أشكال الديمقراطية المزيفة؟! لقد أجاد بوش التباكي على شعب الصين لأنه يرغب أن
تنفتح أسواق الصين الشيوعية على مستهلكات العالم الغربي، في الوقت الذي يجيد أسلوب
التجاهل الصامت أمام ما تتعرض له الشعوب المستضعفة في العالم من حكامها... وأمام
ما تتعرض له بلاد المسلمين من تسلط وإرهاب... ومنها الدول التي تحتوي على أقليات
مسلمة مثل الهند، التي يتحدى فيها الهندوك عقائد المسلمين ويسلبونهم كل حق.. حتى
حق العبادة بالاستيلاء على مساجدهم بالقوة.
نعم.. لقد أجاد الرئيس الأمريكي جورج بوش التباكي
على الديمقراطية في الصين في الوقت الذي يذبح فيه اليهود شعب فلسطين بالسلاح
الأمريكي... ولا بد أن الرئيس بوش- المعاصر لتاريخ الشعوب الحديث- يعرف من هم
أصحاب الحق في فلسطين... ويعرف حلم أهلها المضطهدين داخلها والمشردين في أصقاع
العالم خارجها.
إن شعب فلسطين ومعه شعوب العالمين العربي
والإسلامي لن تصدق ما أعلنه بوش من مبادئ في الحرية والسلام والديمقراطية وتقرير
المصير، ولعل بوش سيظل خاسرًا سمعته في ذهنية ما يزيد على (بليون) عربي ومسلم،
لأنه- كأسلافه وسابقيه من رؤساء العهد الأمريكي الأخير- ما زال يتجاهل قضية فلسطين
وهي قضية العرب والمسلمين جميعًا؛ وذلك من أجل إرضاء حفنة من اليهود!!
3- المبادئ الأخلاقية:
وهي التي أراد أن يلخص فيها بوش الضمير الوجداني للسياسة
الأميركية عندما قال: «إننا اليوم نعيد المبادئ الأخلاقية والنبل والقوة وإذا كنا
نتمنى أن يتحقق هذا الضمير الوجداني في سياسة الرئيس بوش القادمة فإننا يمكن أن
نذكر هنا مثالًا بسيطًا جدًّا... قد يعتبره بعض المراقبين عاديًّا أو عارضًا...
لكنه يحمل في ثناياه ذلك المعنى الأخلاقي السلبي الخطير للسياسة الأمريكية، فقد
بثت إذاعة صوت أمريكا مساء الأربعاء ۱۹۸٩/٦/٢١ خبرًا مفاده أن الولايات المتحدة
الأمريكية هددت حكومة تايلاند بقطع المعونات عنها إذا طبقت فعلًا عدم الإعلان عن
(السجائر) في (الراديو والتلفزيون) وقد اعترض عضو في الكونغرس على موقف الحكومة
الأمريكية هذا لأنه يحمل ضررًا للشعوب الأخرى، وطالب عضو الكونغرس حكومته بأن تنظر
لهذه القضايا بمنظار واحد في الوقت الذي أذاعت فيه الإذاعة الأمريكية أن حكومة الرئيس
بوش قررت منع الإعلان عن (السجائر) في الإذاعة والتلفزيون الأمريكيين!!
تری... كيف نقيس الأخلاقية الأمريكية إزاء هذا
الموقف الأمريكي الذي يتدخل سلبًا في الأمور الإنسانية والحياتية والصحية لدولة
أخرى مستغلًّا الضغط المالي ليحقق المصلحة الأميركية المادية في الترويج
(لسجائرها)؟!
- وكيف سيفهم من يستمع إلى الرئيس بوش وهو
يتغنى (بالنبل الأمريكي) عندما كان يتحدث في الذكرى المئوية الثانية للرئاسة؟ وأية
درجة سوف تأخذها مصداقية المبادئ الأخلاقية في السياسة الخارجية للحكومة
الأمريكية؟
مع كل هذا نقول:
لعل الرئيس الأمريكي جورج بوش أراد الإعلان عن
صفحة جديدة مع العالم.. وإذا صح ذلك وكانت المؤسسة الأمريكية الحاكمة (وعلى رأسها
الرئيس جورج بوش) تريد حقًّا فتح صفحة جديدة في بداية المئة الثالثة للرئاسة في
الولايات المتحدة، فإن ذلك سيكون مناسبة للتصحيح بعد مراجعة حسابات السياسة
الأمريكية في العالم الخارجي، والتي ما زالت حتى الآن سياسة للمصالح الأمريكية
الأنانية، على حساب الشعوب التي تموت من أجل ازدهار الأنانية المفرطة والمتطرفة!!!
في الختام نقول: إن شعوب العالمين العربي
والإسلامي شعوب تحب السلام... وتحب الإنسان وتسعى إلى إكرامه وتكريمه وذلك كما أمر
القرآن الكريم، ولدى المسلمين من المبادئ والتعاليم الخاصة بحقوق الإنسان ما
يجعلهم عاملًا كبيرًا وهامًّا في سعادة الإنسانية جمعاء، وقد أثبت التاريخ مصداقية
المسلمين وما زال، فهل يسعى الرئيس الأمريكي جورج بوش للتخلص من العقدة التي أوجدها
اليهود في البيت الأبيض والمؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة؟ وهل يسعى للإمعان
والتفحص في الحق العربي الإسلامي بفلسطين؟ وهل يصل أخيرًا إلى فهم حقيقة اليهود
الذين سوف يدمرون الولايات المتحدة كما دمروا ألمانيا عندما حادت عن رغباتهم
وتطلعاتهم ومطامعهم السياسية؟ إننا نأمل أولًا وأخيرًا أن يعمل الرئيس الأمريكي
بوش في بداية المئة الثالثة للرئاسة الأمريكية على إثبات مصداقية المبادئ
الأمريكية في السلام الصادق وحرية تقرير المصير للشعوب والأمم، وتأصيل حرية
الاختيار الديمقراطي في العالم.. فهل يثبت بوش المصداقية التي ما زالت
مفقودة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل