; إلى حكام الدول العربية والإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان إلى حكام الدول العربية والإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 11-يناير-2003

مشاهدات 67

نشر في العدد 1534

نشر في الصفحة 9

السبت 11-يناير-2003

      حين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها كانت شعوبنا العربية والإسلامية التي عانت من ويلات الاستعمار تتوق إلى عصر تخرج فيه من ربقة الطغيان، ويتأكد فيه حق الشعوب في الاستقلال واختيارها لنظام الحكم الذي ترتضيه في أجواء يخيم عليها السلام، ويشيع فيها العدل، وتنتشر فيها الحرية، وتطبق فيها تعليمات السماء أخذًا بالكتاب والسنة، مصدر عزة هذه الأمة.

     إلا أن القوى الغربية التي حرصت على ألا تتمكن الأمة الإسلامية والشعوب العربية من تنفيذ ما تصبو إليه عملت بكل طاقتها متعاونة مع بعضها البعض لتقسيم البلاد، وزرع الخلافات وتحقيق وعد بلفور الذي زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية، وأخذت تمده بالمال والعتاد.

      وقد اتضح هذا في سياسة بريطانيا التي مكنت للكيان الصهيوني وسياسة الدعم الأمريكي للكيان اليهودي بالسلاح والمال والقروض والهبات لترسيخ قدمه ووجوده في قلب الأمة العربية والإسلامية، وقام الغرب بتحريك انقلابات وقيادات صنعت وفق هواه لتنفيذ سياسته بإياد عربية آثمة، فقامت الانقلابات وجيء بعبد الناصر الذي مكن اليهود بهزائمه التآمرية المتكررة، وابتدع نظامًا اشتراكيًا دمر الاقتصاد والتصنيع والاستثمار، وصادر أموال الناس وحرياتهم، وزج بالمخلصين في السجون والمعتقلات وفق خطة يهودية غربية رسمت له، وعلى المنوال نفسه نسجت انقلابات أخرى في سورية والعراق وليبيا وغيرها دعمت الأحزاب المناوئة للإسلام كحركة بين العرب والبعث واليسار وغيرها، لإحاطة «إسرائيل» بدول اشتراكية صنعت على عين الغرب، واستمرت أمريكا والغرب في دعم الكيان الصهيوني، وتأييد ممارساته العدوانية والمجازر الوحشية لتصفية الشعب الفلسطيني، وزيادة الحصار الخانق حوله، وقصفه بأسلحة الإبادة مع تجريف أرضه، وهدم ألوف البيوت لدفع الشعب الأعزل إلى هجرة دياره أو مواجهة الهلاك جوعًا ومرضًا، وبعد أحداث سبتمبر سنة ۲۰۰۱م انكشف العداء للإسلام وللعرب والمسلمين، والغايات البالغة الخطورة التي تستهدفهم، وأعلن الغرب عن تشكيل حلف لمحاربة الإرهاب بعد أن اعتبر الإسلام والعرب والمسلمين -زورًا- هم مصدر الإرهاب، وسلط حملات الإعلام بجميع وسائله لتهاجم الإسلام، وأبان الغرب عما في أجندته من خطط للتوسع والهيمنة، وفرض النفوذ على عالمنا، كما كشف عن خرائط جديدة تعتمد تفتيت عالمنا وتجزيئه وتغيير معالمه وحدود دوله، ونظم الحكم فيه، وتغيير الفكر ونمط الحياة، وتوالت التصريحات تعلن عن خطوات قادمة لتغيير الحكومات، وإجراءات لصباغة مجتمعاتنا على النمط الغربي، وتطبيع شعوبنا حتى بدا الأمر وكأن ساحتنا قد استبيحت لتطبيق ما يشاء الغرب فيها من نظم وأساليب، فيها سلخ لشعوبنا عن هويتها ومعتقدها، وصارت أبعاد الحملة أكثر وضوحًا بعد الحرب الشعواء على برامج التعليم والمطالبة بتغييرها.

    إن الكارثة ستكون جسيمة إن لم تتحرك الأمة شعوبًا وحكامًا في وحدة صف وكلمة لدفع الخطر، بموقف شجاع من الحكام، وألا تأخذهم في الله لومة لائم، ولتكن مرضاة الله أولى وأهم وأعظم من الخنوع للدول الغربية، وانطلاقًا من النهوض بواجب النصيحة والمشاركة والتكاتف والتآزر فقد أصبح الأمر يحتم المعالجة الناجعة والحازمة من خلال خطوات نحسب أنها لا تغيب عن بال المسؤولين والمهمومين بهموم الأمة، وتتركز في:

  1.  وجوب إصلاح حال الأمة لتغيير الواقع المأساوي إلى المأمول والمنشود، وحال الأمة لن ينصلح اليوم إلا بما صلح به بالأمس، بأن تعود للعيش في ظلال وأجواء قرآن ربها وسنة نبيها وامتثالًا لقول الحق -تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ (سورة الرعد: ۱۱) واستجابة لقول نبينا ﷺ: «تركتفيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي». 

  2. وحكام المسلمين وشعوبهم إنما هم امتداد لأمة ذات عراقة في التاريخ، وذات غناء في المبادئ والقيم بما حملت من أعظم رسالة، وبما كرمت بأقوم منهج وشريعة، إنها أمة الإسلام التي تنزل عليها القرآن تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ (سورة النحل: 89) والشعوب الإسلامية ترى نفسها مسؤولة عن استمرار هذا الخير، وأن واجب حكامهم أن يحرسوا دنياهم بهذا الدين، وأن يسوسوا الأمة لإعلاء شأن الملة، وأن ينصروا الله ورسوله بتعظيم كتاب ربهم وإعزاز سنة نبيهم بالاحتكام إليهما والصدور عنهما، والأخذ منهما، قال -تعالى-: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ (سورة الشورى: ۱۰).

والشعوب الإسلامية تنتظر من حكامها أن يكونوا حراسًا لما ائتمنوا عليه من مسؤولية، وحتى تعيش الأمة شعوبًا وحكامًا في أجواء وظلال القرآن والسنة فلابد من تغيير في برامج التعليم والتربية والإعلام والثقافة، وتغيير في خطوط السياسة والاقتصاد حتى تكون الأمة في مستوى وعد ربها، ووعده الحق والصدق يحفظ للأمة عقيدتها وقيمها واخلاقها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة محمد: 7).

2-إعادة ترتيب البيت العربي والإسلامي، وهو أمر ميسور حين تخلص النيات وتستقيم التوجهات، ونعيش في أجواء تحكمها الخشية من الله والسعي لرضاه، فتكون الوقفة الصادقة لنبذ الخلافات والارتفاع فوق المصالح الشخصية والتجرد لنصرة الحق، ويكون السعي الصادق لتوحيد الصف بالبدء بإصلاح يشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، وبإطلاق الحريات العامة وبالأخص حرية التعبير وإلغاء القوانين المقيدة للحرية، والالتزام بقواعد الشورى والقضاء على صور الفساد المالي والإداري، وعلى مظاهر الانحلال والتفسخ وانهيار القيم والتزام الأمة بالسلوكيات الحضارية النابعة من قيم الإسلام ومبادئه، وتحقيق عدالة توزيع الثروة، وإصلاح برامج التربية والتعليم والثقافة، بدلًا من الثقافة السائدة حاليًا وهي ثقافة الترفيه والجنس والميوعة والانحلال والجري وراء المادة والشهوات والنزوات.

3- دعم الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، وتوفير الآليات لإحياء اتفاقيات الدفاع المشترك، والوحدة الاقتصادية، وكل المخلصين المهمومين بشؤون الأمة يطالبون بقمة عربية وقمة إسلامية، يكون لها قرارها الحاسم الحازم الذي يعتمد سياسة الإصلاح، وتأكيد وحدة الصف وحشد الإمكانات والطاقات، وإزالة الخلافات، والتأكيد على تحقيق أمن الإنسان، إن العدو لا يمارس عدوانه لقلة في عددنا، أو فقر في طاقاتنا وإمكاناتنا، ولكن لفرقة أصابت الصف، وتشتت لحق بالأمة، وخلافات فرقت الشمل، وإن الإسلام الذي وحد صف الأمة وأعزها بالأمس، ومضى بها لتكون صاحبة دور على الساحة العالمية، وجعلها تقدم على التضحية في سبيل ربها، هو وحده الكفيل بتصحيح المسار، ففيه وحي السماء، والنور والضياء، والعزة،والكرامة، والإباء. 

إن الخطر داهم، والعدوان كالطوفان والمسؤولية عظيمة، والحساب أمام الشعوب والتاريخ في الدنيا عسير، أما الحساب أمام الله -عز وجل- فهو أشد من عسير، وصدق الله القائل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 281) .

الرابط المختصر :