الثلاثاء 29-سبتمبر-1981
في هذه الأيام يستعد المسلمون لعبادة عظيمة، وهي ركن من أركان الإسلام، فيجهزون أنفسهم روحيًا وماديًا استعدادًا لأداء هذه العبادة العظمى، ثم يشدون الرحال للذهاب إلى هناك.. لزيارة بيت الله العتيق، ويقومون بتلك الرحلة الموصوفة بقوله تعالى:﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج:27). فيأتي المسلمون من كل حدب وصوب، استجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم تلك الاستجابة الفورية دونما تأخير ولا تسويف، ففي الحديث « من أراد الحجَّ فليتعجَّلْ »(ابن ماجه:2349)..
فمن ملك الراحلة والزاد فلا يجوز له أن يتأخر في الذهاب؛ لأنه لا يدري هل سيعيش إلى العام القادم أم لا؟.. لهذا ينبغي أن يسارع المسلم لأداء هذه الفريضة..
وترى كثيرًا من«الحجاج» يعدون أنفسهم ماديًا فيجهزون راحلتهم وطعامهم وشرابهم، ولكنهم ينسون أن يتجهزوا روحيًا وإيمانيًا، حتى ليخيل إلى الناظر لهم أنهم في رحلة عادية «كشتة»، حتى أدوات لهوهم لا تفارقهم، وأوراق اللعب ملازمة لهم، وفي الطريق يتسلون بالغناء أو الغيبة استغناء عن الذكر ... هذه هي حال بعض الحجاج - مع الأسف وليس جميعهم - الذين حرموا أنفسهم لذة الاستشعار بأسرار الحج والتمتع بأداء عبادته..
إن للحج أسرارًا كثيرةً لا تكاد تعد ولا تحصى، فإذا حرمها الإنسان حرم التمتع بالحج، لذلك سنطرح بعض الأسرار التي يجب أن يعيش فيها الحاج لكي يؤتي الحج ثمرته من هذه الأسرار والعبر: عندما يتجرد الإنسان من ملابسه الدنيوية، ويرتدي الثياب البيضاء يشعر أنه قد لبى نداء ربه بخلع الأوساخ الدنيوية والعلائق الأرضية ليرتدي ثيابًا بيضاء تشير إلى الطهارة والنقاء، ويحس أيضًا بيوم موته عندما يتجرد من حوله وقوته ويلف بقطعة قماش بيضاء لينام تحت أطباق التراب في ظلمة قبر الله به عليم..
وعند طوافه بالبيت الحرام يستشعر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يصف فيه البيت المعمور في السماء السابعة فوق الكعبة، وأن الملائكة تحج إليه وتطوف حوله، فيحس بأنه ليس وحيدًا في هذا الكون بل الملأ الأعلى يشاركه السمو والرفعة في التسبيح والتحميد لله وحده...
وهناك بين الصفا والمروة عندما يسعى يلازمه ذلك الشعور الذي لازم «هاجر» أم إسماعيل «عليها السلام»، شعور الاستسلام الله وطلب الرحمة منه، وأنه سبحانه هو الذي يستطيع أن ينقذهما فقط، فيحس برحمة الله تتجلى ولطفه يتعاظم في نفسه، فيلهج ويلح بالدعاء لينال رحمة الله تعالى... وهذا الموقف يذكر المسلم بتعب الحياة وضنكها، وأنها ليست دار قرار بل دار تعب ونصب....
وموقف يقفه الحاج يتجلى فيه كمال الانقياد، ذلك عندما يقبل أو يستلم «الحجر الأسود» مع علمه بأنه حجر لا يضر ولا ينفع، ولكن الله أمر فليستجب لأمر الله منقادًا ذليلًا لا يفكر لماذا يقبل؟ ولماذا يستلم؟ بل يفكر في القيادة وخضوعه الله وحده..
وهناك في «عرفات»ملتقى المؤمنين ومؤتمر الموحدين، يرى الكل قد أتى من كل فج عميق ومن كل حدب وصوب، الأسود والأحمر والأبيض قد تكسرت بينهم الحواجز وتقاربت بينهم القلوب وائتلفت بينهم الأرواح، فما جمعتهم مصلحة دنيوية ولا مطامع مادية، بل جمعهم حب الله ورسوله، ويحس المسلم برجفة من أعماق قلبه تهز كيانه كله عندما يتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم في أن الله يباهي الملائكة بالحجاج، ويقول : «انصرفوا مغفورًا لكم»... أي تفضل هذا وأي تكرم، إنه بعض من قطرات رحمة الله التي ينزلها على عباده المسلمين في الأرض، أما الرحمة الكبرى فهي هناك في المحشر عندما يستظل المؤمنون تحت ظل عرش الرحمن..!!
وعندما تتقاطر قطرات الدم الأحمر القاني من تلك الذبيحة، ينظر إليها الحاج ليستشعر رحمة الله في إنقاذ البشر، وكيف أنه كان من الممكن أن تكون الذبائح أطفالًا أبرياء؟ وكيف كانت البشرية ستعيش؟ ولكن رحمة الله دائما تصاحب الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون؟
وعبرة أخرى في موقف «إبراهيم عليه السلام» عبرة التضحية بالغالي، بل بفلذات الأكباد في سبيل الله واستجابة لندائه تعالى، إن هذا الموقف يمثل التضحية في أعلى وأرقى مستوياتها، حتى لتتضاءل أمام هذا المشهد جميع الدماء التي تقاطرت من الشهداء المسلمين... قد يضحي الإنسان بنفسه وماله ولكنه ليس مستعدًا أن يضحي بولده الوحيد، ولكن إبراهيم «عليه السلام» ضرب أروع الأمثلة في الفداء والتضحية حتى المرأة الأم كانت تستشعر هذه التضحية عندما رمت الشيطان بالحجر لتطرد وساوسه من نفسها، فيتذكر الحاج هذه الحوادث عند الذبح ثم عند رمي الجمرات ليتهيأ لطرد الشيطان ووساوسه من نفسه وليستعد للمعركة معه، وما الجمرات إلا رمز للشيطان، وبعض الحجاج يظنون أن الشيطان هناك فيقذفونه بنعالهم مع كلمات من السب والشتم مع أنهم يحاولون طرده، ولكنهم وقعوا في الشراك التي نصبها لهم.. فنعوذ بالله منه ومن وساوسه. وهناك في مكة ينظر الحاج إلى «جبل النور» الذي يضم بين صخوره منطلق الدعوة ومهبط الوحي ويرى أمامه ما لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أذى واضطهاد في سبيل دعوة الحق، وينظر إلى ما يلاقيه دعاة اليوم ليدرك أن خط الحركة مازال مستمرًا ولا يزال إلى أن تقوم الساعة، ويحس المسلم بأن دربه ليس مفروشًا بالورود والرياحين بل بالأشواك والدماء والأشلاء ولكنه في نهايته مسك الختام .. هناك بعد التعب والنصب جنة الله ورحمته...
هذه بعض خواطر الحاج الذي ينبغي أن يستشعر فيها، وأن يعيش في كنفها ويستظل تحت ظلالها... وحتى يثمر الحج ويعود الحاج كيوم ولدته أمه، لابد أن يعيش مع العبادة بصدق وإخلاص وعبودية..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل