العنوان إلى متى ستظل سبتة ومليلة تحت الاحتلال الإسباني؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
مشاهدات 79
نشر في العدد 794
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
يبدو أن الحكومة الإسبانية مقرة العزم على تطبيق قانون الأجانب الذي أحدث ضجة بين سكان سبتة ومليلة منذ ظهوره في أوائل هذا العام وهي تستعد للمضي قدمًا في طرد القسم الأكبر من مسلمي مليلة الذين يقدر عددهم بـ 27 ألف نسمة وكانت الحكومة الإسبانية قد عينت زعيم مسلمي مليلة عمر محمدي دودو مستشارًا في وزارة الداخلية وأنشأت لجنة مشتركة في الصيف الماضي مكونة من ممثلين عن المسلمين وممثلين عن وزارة الداخلية لتسوية وضع المسلمين في مليلة ولكن الحكومة الإسبانية لم تكن جادة في حل قضيتهم وكانت غايتها شراء زعيمهم الذي فطن لهذه المناورة فقدم استقالته من منصبه بعد أن تعرض لحملات مسعورة واتهمته الصحف الإسبانية باستغلال قضية الجنسيات المآرب خاصة وهكذا تأزم الوضع من جديد وحلت اللجنة المشتركة وأعلن عن بدء إضراب عام في 22 من الشهر الجاري وعن إرسال بعثة يترأسها دودو الشرح ما يتعرض له المسلمون في مليلة من ظلم وتمييز وما يتهددهم من خطر الطرد. وقد صرح دودو قائلًا: «أن عملية منع الجنسيات الإسبانية لمسلمي مليلة تسير بنفس البطء والتلكؤ الذي كانت تتسم به قبل تشكيل «اللجنة المشتركة» كما قال كيف يكون من المعقول أن تعتبر نحن المسلمين غرباء وأجانب في مليلة وهي أرضنا.»
شهد هذا العام بروز قضية سبتة ومليلة على السطح واحتلالها حيزًا مهمًا في ملف العلاقات الإسبانية المغربية على أثر الأحداث الدامية التي وقعت في شهر فبراير الأخير في مدينة مليلة والتي ما زالت تفاعلاتها متواصلة إلى اليوم مثيرة العديد من التساؤلات بخصوص مستقبل الجيبين المغربيين المحتلين ومذكرة بالأوضاع السيئة التي يعيشها المسلمون فيهما في ظل تسلط وهيمنة العنصر الإسباني المحتل.
لقد شهدت مليلة في مطلع شباط فبراير من هذا العام سلسلة من أعمال العنف والقمع البوليسي الوحشي ضد السكان المسلمين بمن فيهم النساء اللاتي سرن في مظاهرة سلمية للمطالبة بتحسين ظروف العيش السيئة وللمطالبة كذلك بأبسط الحقوق الإدارية والمدنية. فقد شعر السكان أنهم أصبحوا مهددين بالطرد من مدينتهم ومن أرض آبائهم وأجدادهم بعد أن أصدرت الحكومة الإسبانيةقانونًا جديدًا لتنظيم وضع الأجانب وأعطت مهلة إلى شهر مارس آذار 1986م قبل الشروع في تنفيذ هذا القانون القاضي بطرد كل من ليست له أوراق ثبوتية.
ولم يكن هذا القانون ليثير ضجة وقلاقل في سبتة ومليلة لولا أنه كان يستهدف مسلمي هذين الجيين ومعظمهم لا يحمل هوية مغربية أو إسبانية رسمية ومعترف بها وقد قوبل صدور هذا القانون الجديد بتحرك إسلامي منظم فاجأ الحكومة الإسبانية وأرغمتها على التراجع عن معظم مواقفها وقد ظهر هذا التراجع في إعلانها بأن القانون الجديد يستثني مغاربة سبتة ومليلة والتي تنص بالخصوص على تعهد وزارة العدل الإسبانية بالتعجيل بمنح الجنسية الإسبانية للمسلمين المقيمين وعلى بحث حلول لدمجهم في المجتمع الإسباني كان هذا التراجع أشبه بهدنة بين الطرفين وهو لا ينم عن تغيير كبير في سياسة إسبانيا إزاء هاتين المدينتين بدليل أنها نفذت طلب المسيحيين بمليلة بإقالة مندوب الحكومة فيها والذي كان يرتبط بعلاقات ممتازة مع المسلمين وعينت مكانه من كان يتولى جهاز الأمن الخاص برئيس الوزراء منذ سنة 1982م.
وقد جوبه التحرك الإسلامي بتحرك مضاد قام به الإسبان المسيحيون في مليلة والذين تظاهروا مطالبين بتنفيذ «قانون الأجانب» الجديد ورافعين الشعارات مناهضة للمسلمين والجدير بالذكر أن المسلمين في سبتة ومليلة يعانون أشد المعاناة من التفرقة العنصرية بينهم وبين الإسبان ويعيشون في ظروف سيئة للغاية تشبه إلى حد بعيد ظروف الفلسطينيين تحت نير الاحتلال الصهيوني.
الفئات الثلاث:
تعد مليلة حوالي 75000 ساكن منهم 31000 مسلم ينقسمون إلى ثلاث فئات فئة قليلة «7000 ساكن فقط» تحمل الجنسية الإسبانية وفئة ثانية تحمل ما يسمى «ببطاقة إحصاء» وهذه البطاقة تخول لحاملها الإقامة في المدينة فقط ولا تخول له شراء أملاك أو عقارات وفئة ثالثة لا يحمل أفرادها أي أوراق ثبوتية لا مغربية ولا إسبانية وقد يوجد في العائلة الواحدة من يحمل الجنسية ومن يحمل بطاقة إحصاء ومن لا يحمل أية أوراق ثبوتية وهؤلاء الأخيرون هم المهددون أكثر من غيرهم بالطرد إذا ما طبق «قانون الأجانب» أما عن الظروف السيئة التي يعيشها السكان المسلمون فحدث ولا حرج أنهم يتكدسون في بيوت ضيقة تعوزها المرافق الصحية الأساسية ففي حي «لاكانيادا» المسلم في مليلة مثلًا يضطر السكان إلى قضاء حاجتهم البشرية في أكياس من البلاستيك تلقى في جدول من المياه الأسنة يعبر الشارع الرئيسي في الحي.
لقد تحمل هؤلاء المسلمون الكثير من العذاب ومن الذل والإهانة في ظل الاستعمار الإسباني وقد زادت حالتهم الاقتصادية سوء بعد فتح البوابة بين جبل طارق الذي يقع تحت السيادة البريطانية وإسبانيا فتضاءلت مواردهم من السياحة والتجارة ولكنهم تحركوا أخيرًا بعد أن وجدوا ضهورهم إلى الحائط بصدور «قانون الأجانب» الإسباني الجديد الذي يهددهم في استقرارهم بأرضهم وفي مصيرهم. والذي يدعو إلى الاستغراب أن تبقى قضيتهم في ظل التناسي على مر السنين ولولا تحركهم الأخير لما لقيت هذه القضية بعض الانتباه والاهتمام وكأن بعض الأطراف يهمها تحجيم هذه القضية وتركها بعيدة عن الأضواء.
سبتة ومليلة الجغرافيا والتاريخ
سبتة مدينة مغربية صغيرة تتحكم في المدخل الجنوبي الشرقي لمضيق جبل طارق ولا تبعد عن الساحل الإسباني سوى 30 كلم وهي ترتفع عن سطح البحر حوالي 2790 قدمًا مساحتها لا تتجاوز 20 كم مربعًا وهي مرفأ تجاري حر ترسو به 10000 سفينة سنويًا أقيمت على 60 % من مساحتها منشآت عسكرية.
ورغم قلة الوثائق التاريخية عن سبتة فالمعروف أن طارق بن زياد أنطلق منها سنة 711م ليعبر المضيق الذي يحمل اسمه منذ ذلكم اليوم إلى الآن ولينزل بأرض إسبانيا ويؤسس الدولة العربية الإسلامية في الأندلس أما قصتها مع الاحتلال الأجنبي فتبدأ من سنة 1415هـ عندما احتلها البرتغاليون فهب المغاربة لاستردادها وحاصروها وأرغموا البرتغاليين على الاعتراف بأنها جزء من المغرب والالتزام في معاهدة بإعادتها إلى المغرب ولكن ملك البرتغال سرعان ما نكث وعده ودارت الحرب بعد ذلك سجالًا بين البرتغاليين والإسبان طيلة 27 عامًا للسيطرة على سبتة إلىأن تمكن الأسيان من أحكام قبضتهم عليها في فبراير عام 1668م ومنذ ذلك الوقت وسبتة تخضع لاحتلالهم إلا فيما بين 1810م و1814م حيث سقطت في أيدي البريطانيين.
أما مليلة فهي مدينة مغربية صغيرة هي الأخرى تقع على بعد 30 ميلًا غربي الحدود الجزائرية وتبعد حوالي 500 كلم عن الساحل الإسباني مساحتها لا تتجاوز 12 كلم مربعًا احتلها الدوق الإسباني «سيدونيا» في 17 أيلول 1497هـ وسلمها إلى التاج الإسباني عام 1556م ومنذ ذلك التاريخ وهي تخضع للاحتلال الإسباني على الرغم من أربعة حروب خاضها المغرب لاستعادتها وأخرها الحرب التي وقعت فيما بين 1911م و192.
تتبع مليلة إداريًا مقاطعة مالقة الإسبانية وقد استخدمها الإسبان كمركز تموين عسكري ضد ثورة عبد الكريم الخطابي فيما بين 1921م و1926م.
والجدير بالذكر أن سبتة ومليلة ليستا وحدهما الخاضعتين للاحتلال الإسباني بل هناك جزر صغيرة أخرى لا تزال تحت سيطرة الإسبان الذين يرفضون التخلي عنها وهذه الجزر هي جزيرة «حجرة بادس» وجزيرة «حجرة النكور» وجزر «كبدالة» وجزيرة «البرهان».
الموقف الإسباني
في كل مرة يثور فيها المسلمون في سبتة ومليلة على أوضاعهم السيئة ويطالبون بحقوقهم يواجههم البوليس الإسباني بعنف ودموية ويقمع تحركاتهم لإجهاضها وأسكاتهم وقد اعترفت صحيفة «الغارو» اليمينية المتطرفة الصادرة بسيئة والممولة من طرف اليهود المتواجدين بكثافة هناك بجرح عدد كبير من المغاربة في مظاهرات أيلول سنة 1980م وقد تكرر نفس المشهد في مليلة هذا العام حيث لجأت الحكومة الإسبانية إلى إرسال تعزيزات بوليسية لتفريق المظاهرات والمسيرات وهذا التصرف الإسباني حيال المسلمين في سبتة ومليلة ينطلق من اعتبارهما مناطق نفوذ إسبانيةكما ينص على ذلك الدستور الإسباني وقد عملت الحكومات الإسبانية المتعاقبة في عهد خوان کارلوس بعد رحيل الزعيم الإسباني فرنكو على «أسبنة» المدينتين المغربيتين أرضًا وشعبًا ومحو عروبتهما حتى أنه لا يوجد في مليلة سوى مدرسة ابتدائية وحيدة تدرس فيها اللغة العربية وإذا كانت الحكومة الإسبانية قد تخلت للمغرب عن الصحراء الغربية سنة 1976م وقبلها عن منطقتي أفني سنة 1969م وطرفاية سنة 1957م فأنها تبدي حساسية إزاء قضية سبتة ومليلة وتبدو مصممة على البقاء فيهما ولا تريد أي حديث عن فتح ملفهما مع الحكومة المغربية وهنالك تيار كبير في إسبانيا يقدر كميا بنسبة 69 % من الإسبان يطالب بعدم التنازل للمغرب عن هذين الجيبين لأي سبب مهما كان. وخلال التطورات الأخيرة المتعلقة بقانون الأجانب لم يتخلص من تلك الحساسية سوى الحزب الشيوعي الذي طالب الوحدة حكومة مدريد بإنصاف المسلمين في سبتة ومليلة وحل المشكلة نهائيًا بالتفاوض مع المغرب.
الموقف المغربي
إذا كان الموقف الإسباني متشددًا بخصوص هذه القضية فالموقف المغربي على عكس ذلك وهو يميل على عكس ما هو منتظر إلى اللين والمهادنة والغريب أن يخوض المغاربة معارك قاسية وطويلة طيلة القرون الماضية لتخليص بلادهم من هيمنة المستعمرين سواء كانوا فرنسيين أو إسبان أو برتغاليين ويكلون حل قضية سبتة ومليلة إلى الزمن الذي لا بد أن يحلها في يوم من الأيام كما يقول الملك الحسن الثاني. أن النظام المغربي اليوم لا يبدو مستعجلًا لاستعادة سبتة ومليلة والجزر المحتلة وتبريره لذلك أن المطالبة بالمدينتين في الوقت الحالي يفسد العلاقات المغربية الإسبانية ويجلب المتاعب. يقول الملك المغربي في هذا الصدد: «لا نريد حرق المراحل، أنظروا إلى الدول الكبرى ذات التاريخ القديم فأن غالبيتها لم تحصل على حدودها النهائية قبل نهاية القرن الماضي مع أن وجودها يرجع إلى ألاف السنين مثل المغرب.. إذن أمامنا كل الوقت، وكيفما كان الحال لسنا على عجلة من أمرنا.»
ويقول بعض المراقبين أن وراء هذا الموقف إدراك المغرب أن المشكلة ليست محصورة بين المغرب وإسبانيا وأن سبتة ومليلة ليستا مجرد مدينتين صغيرتين فقط بل يمثلان حجرًا على رقعة الاستراتيجية الدولية باعتبار تحكم سبتة في أحد أهم المضايق العالمية الاستراتيجية ويدللون على ذلك يربط قضية الجلاء عن سبتة ومليلة بقضية جلاء البريطانيين عن جبل طارق. ويقول الملك المغربي بهذا الصدد: «أنا أفترض أنه في يوم ما في المستقبل سيتعين على بريطانيا من ناحية المنطق أن تعيد جبل طارق إلى إسبانيا ويتعين بالتالي على إسبانيا أن تعيد لنا سبتة ومليلة... ولكن ليست هناك ضغوط والسياسة المغربية ليست قائمة على الضغوط بل قائمة على الحوار والصراحة.» ولكن المعارضة المغربية تختلف عن الحكومة في موقفها إزاء هذه القضية وقد نادت بقوة ومنذ زمن بعيد بعودة سبتة ومليلة إلى السيادة المغربية وقد استطاع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية تحسيس المغاربة بهذه القضية من خلال حملة شعبية وإعلامية واسعة النطاق خلقت حالة تأييد شعبي عارم الموقف الحزب من هذه القضية وقد وصل الأمر بجريدة المحرر إلى توجيه انتقادات مباشرة إلى الحكومة فقالت في أحد تعاليقها عن الموضوع: «أن سكوت الديبلوماسية المغربية عن وضع سبتة ومليلة غير مقبول من طرف الشعب» ولا تزال القضية تتأرجح بين التسخين المعارض والتهدئة والتبريد الرسم ولكن الحكومة الإسبانية بدأت تقلق وتتخوف أكثر فأكثر رغم العلاقات الوطيدة التي تربطها بالمغرب والتي وصلت إلى حد إجراء مناورات عسكرية مشتركة سنويًا.
نوايا إسبانيا
لا تريد إسبانيا التخلي عن سبتة ومليلة وترفض الربط بين إعادتهما إلى المغرب وعودة جبل طارق إلى سيادتها وهي تتحرك بحذر في مطالبتها البريطانيين بالجلاء عن جبل طارق حتى لا تعطي أي ذرائع أو مبررات للمغاربة لمطالبتها بتسليمهم سبتة ومليلة وقد فسر المراقبون إصدار إسبانيا «قانون الأجانب» الجديد بأنه عمل قصد به أحكام السيطرة الإسبانية على الجيبين لأنه سيدفع المغاربة في المدينتين أما إلى الخروج منهما أو طلب الحصول على الجنسية الإسبانية ويبدو أن إسبانيا تخطط لمنح 30 ألف مغربي في مليلة الجنسية الإسبانية حتى تستطيع القول إن سكان المدينة هم مائة بالمائة إسبان وحتى إذا ما وقع استفتاء لتقرير مصير سبتة ومليلة رجحت كفتها وإذا كانت هذه نوايا إسبانيا فالظاهر أنها تعلمت واستوعبت الدرس من نزاعها مع بريطانيا حول جبل طارق حيث كانت مر خلال كل المفاوضات على استفتاء سكان الصخرة كوسيلة لحسم النزاع حول السيادة على جبل طارق لأنها تعرف أن غالبية سكان الصخرة يفضلون البقاء تحت العلم البريطاني.
غير أن مخطط الحكومة الإسبانية يلقى معارضة شديدة أيضًا من الإسبان المقيمين في سبتة ومليلة الذين يرفضون بشدة تسويتهم بالمغاربة في الجنسية ويقولون إن تسهيل منح الجنسية السكان المسلمين هو بداية لمغربة المدينتين.
وهكذا وجدت الحكومة الإسبانية نفسها في مأزق وبدأت تعيد النظر في سياستها إزاء سبتة ومليلة ولكن على أي أساس؟؟ هذا هو السؤال الذي يحاول المراقبون الإجابة عنه ولكن لم تظهر أية مؤشرات تساعد على الإجابة عليه وما أمكن ملاحظته فقط هو أن المقيمين الإسبان في سبتة ومليلة بدأوا في تحويل ثرواتهم وأملاكهم إلى الساحل الإسباني تحسبًا لأي تطورات.