العنوان إمساكية رمضان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005
مشاهدات 80
نشر في العدد 1672
نشر في الصفحة 54
السبت 08-أكتوبر-2005
إنها تعرف بهذا الاسم في بعض البلاد العربية حينما يهل شهر الصيام، وفيما عداه من الشهور يحل محلها التقويم السنوي الذي نعرف به الأيام والشهور وتواريخها، وكل ورقة نرفعها من هذا التقويم توحي بميلاد يوم جديد، يوم ينادي فينا يابن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
يوم يمكننا أن نملأه بما ينفعنا وينفع الناس من حولنا ويكون لنا به عند الله تعالى رصيد، كما أن هذه الوريقات التي تقطفها يومًا بعد يوم دون انتباه تؤذن بمرور العمر واقتراب الأجل الذي مهما طال فهو ليس ببعيد.
الوحدة الإيمانية
هذا عن التقويم، أما إمساكية رمضان فإنها تتحلى بمواقيت الصلوات وتتزين ببيان وقت السحور والإفطار من أول هذا الشهر الكريم إلى آخره، لذا فهي خاصة بالشهر المبارك، ومهمتها تنبيه المرء وتذكيره ومساعدته على تنظيم وقته فيه، وقد تختلف المواعيد من بلد لآخر باختلاف أوقات شروق الشمس وغروبها تبعاً لموقع كل بلد، إلا أن ذلك. لا يحرمنا من الوحدة الإيمانية التي تتمتع بها في شهر رمضان حيث يكون وقت صيامنا جميعًا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا شك أننا جميعًا ننتظر هذه الإمساكية من العام إلى العام ففي مجيئها حلول شهر الصيام بما يظله من نفحات مباركات وسلام.
قيمة الوقت
إن وجود إمساكية رمضان يذكرنا بقيمة الوقت وفضل المحافظة على الصلوات والأوقات خاصة في هذا الشهر الكريم ولقد عرف الصحابة الكرام والصالحون الأتقياء قيمة أيامه ولياليه فاستغلوها أيما استغلال وتواصوا فيما بينهم على ذلك، فقد مر بعضهم.
الصيام من أهم محطات الوقود اللازم لصلاح نفوسنا وحياة قلوبنا
بقوم وهم يضحكون فقال: «إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون...» وعرفوا قيمة أوقاتهم في الدنيا وأهميتها لتحقيق سكينتهم وسعادتهم المؤقتة فيها ونعيمهم الدائم الخالد في الآخرة، ووعوا قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ﴾ (البقرة: ١٤٨).
فشمروا لها وطرقوا أبواب الخير كل الخير ليكون لهم من كل باب نصيب وعمروا دنياهم بها فأخذوا منها بقدر ما أنفقوا فيها، وجنوا ثمارها من نوع ما بذروا في أرضها وأعطتهم من نفيس دقائقها وساعاتها ما أعطوها من جهد خالص، وعمل نافع وتزود من تقوى فكانت زادهم إلى الآخرة بعد أن تركوا آثارهم وبصماتهم واضحة جلية أمام عيوننا. لذا نجد سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول مذكرًا: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة.
من عرف الدنيا على حقيقتها أيقن أن أعظم وأجمل ما فيها طاعة الرحمن، وأنفع ما للمرء فيها السير على طريقه المستقيم بلا تردد أو اعوجاج.
محطات استشفاء
وإذا ما اضطربت قدماه أو تعثرت أو زلت به، فوقع لمرض ألم به، أو تعب أو ضياع فإن في هذا الطريق الطويل محطات استشفاء لمن يريد أن يستشفي، وعلامات هداية واسترشاد لمن يبغي الهدى ويطلب الثبات يلتقط فيها الغريب أنفاسه ويلملم من شعث نفسه ويراجع التائه طريقه ليسلك دربه الصحيح، ومن أعظم هذه المحطات شهر رمضان الكريم الذي هو كفيل بصقل تلك النفوس ليعود لها بريق فطرتها الذي محته أو شوهته المعاصي والذنوب وما سمي رمضان إلا لأنه يرمض الذنوب ويحرقها، وقد فرض الله تعالى علينا صيامه، لا ليحرمنا بل ليعطينا ويحبونا ويمنحنا ولا ليكبت حاجات نفوسنا ويكسر غرائزها أو ينكرها بل ليحررها من عبودية الهوى وآفات الشهوة والشبع، ويقويها بالإرادة والصبر، ويعزها بالترفع عن هتافات الجسد المادية ووساوس النفس الدنية، إلى نداءات الروح السوية وحاجات سموها وحمايتها من الذل إلا لله وحده خالقها.
طلب الشفاء
ألا ترى الطبيب حين يمنع مرضاه من الطعام الشهي والأكل اللذيذ حرصًا على سلامتهم وصحتهم أينكر ذلك عليه أحد؟! وماذا لو وصف لهم مرّ الدواء طلبًا للشفاء أيتردد المريض في تجرعه طرفة عين؟! هكذا أنت أيها الإنسان - ولله المثل الأعلى - حين يأمرك إلهك الحق ومولاك العظيم لا بد أن تمتثل الأوامر لتزول الأسقام، ولن تجد مزيلًا لها كالتوبة والصيام إذ إنه كلما امتلأت المعدة وتراكم الطعام فوق الطعام، وكلما كثر اللغو ونشط اللسان بغير ذكر وزاد من الكلام قسا قلب المرء وغشيته الظلمة وعلاه الران، ومتى كان الإنسان غافلًا لاهيًا، عابئًا مغرورًا. مخدوعًا بزينة الحياة، لا يعبأ إلا بنفسه تاركًا لهواء الزمام مرض قلبه وما استقام بل أضحى حيًا بجسده مع الأحياء وما يعلم بحال قلبه إلا مقلب القلوب والأبصار.
لذلك كان الصيام من أهم محطات الوقود اللازم والضروري لصلاح نفوسنا وحياة قلوبنا وتجديد طاقاتنا وتقوية علاقاتنا مع خالقنا العظيم سبحانه وتعالى.
■ أم المؤمنين ميمونة بنـت الحارث رضي الله عنها
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن جبير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية. فأما أمها فكانت تدعى هند بنت عوف بن زهير ابن الحرث وأخواتها، أم الفضل «لبابة الكبرى» زوج العباس رضي الله عنهما، ولبابة الصغرى زوج الوليد بن المغيرة المخزومي وأم خالد بن الوليد، وعصماء الحارث زوج أبي بن الخلف، وغرة بنت الحارث زوج زياد بن عبد الله بن مالك الهلالي..
وهؤلاء من أخواتها من أمها وأبيها. أما أخواتها لأمها فهن أسماء بنت عميس زوج جعفر رضي الله عنه، ثم مات فخلفه عليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم مات فخلف عليها علي كرم الله وجه وسلمى بنت عميس زوج حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم مات فخلف عليها شداد بن أسامة ابن الهاد وسلامة بنت عميس زوج عبد الله ابن كعب بن عنبة الخثعمي.
ولهذا عرفت أمها هند بنت عوف بأكرم عجوز في الأرض أصهارًا، فأصهارها أشرف الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه الصديق، وعماه حمزة والعباس ابنا عبد المطلب، وجعفر وعلى ابنا عمه أبي طالب وشداد بن الهاد، رضي الله عنهم أجمعين.
وفي السنة السابعة للهجرة النبوية وهبت ميمونة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ﴾ (الأحزاب: ٥٠) لقد جعلت ميمونة أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودخلت ميمونة رضي الله عنها البيت النبوي وهي لم تتجاوز بعد السادسة والعشرين. وإنه لشرف لا يضاهيه شرف لها. فقد أحست بالغبطة وغمرتها الفرحة عندما أضحت في عداد أمهات المؤمنين الطاهرات رضي الله عنهن جميعًا.
ودخلت أم المؤمنين الحجرة التي أعدها لها الرسول الكريم لتكون بيتًا لها أسوة بباقي أمهات المؤمنين ونساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا ظلت ميمونة تحظى بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتفقه في كتاب الله وتستمع الأحاديث النبوية من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتهتدي بما يقوله، فكانت تكثر من الصلاة في المسجد النبوي لأنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام».
وظلت ميمونة في البيت النبوي وظلت مكانتها رفيعة عند رسول الله.
كانت ميمونة رضي الله عنها ممن وعين الحديث الشريف وتلقينه عن رسول الله وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، روت الكثير من أحاديثه صلوات ربي وسلامه عليه، وكانت شديدة التمسك بالهدى النبوي والخصال المحمدية. وكانت رضي الله عنها من المكثرات لرواية الحديث النبوي الشريف والحافظات له، حيث روت عن رسول الله ستة وسبعين حديثًا.
شهادة الإيمان
وقد زكى الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان ميمونة رضي الله عنها وشهد لها ولأخواتها بالإيمان لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأخوات المؤمنات ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأم الفضل، وسلمى امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن» رضي الله عنهم جميعًا.
الأيام الأخيرة
عاشت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها الخلافة الراشدة وهي عزيزة كريمة تحظى باحترام الخلفاء والعلماء، وامتدت بها الحياة إلى خلافة معاوية رضي الله عنه.
وقيل: إنها توفيت سنة إحدى وخمسين بسرف ولها ثمانون سنة، ودفنت في موضع قبتها الذي كان فيه عرسها رضي الله عنها وهكذا جعل الله عز وجل المكان الذي تزوجت فيه ميمونة هو مثواها الأخير. قال يزيد بن الأصم دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم..
هذه هي أم المؤمنين «ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، آخر حبات العقد النبوي الطاهر المطهر، وإحدى أمهات المؤمنين اللواتي ينضوين تحت قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب:33)