; «مقال الأسبوع»: تحري الرَّشد | مجلة المجتمع

العنوان «مقال الأسبوع»: تحري الرَّشد

الكاتب د. أحمد عبدالرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992

مشاهدات 92

نشر في العدد 1015

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 08-سبتمبر-1992

الإسلام يدعو إلى التفكير النقدي: رد على مزاعم "الإيمان غير النقدي"

 

المقدمة ومزاعم العلمانيين

 

يحاول العلمانيون الذين يكتبون في المجلات والصحف المصرية والعربية التشكيك في قدرات الإسلام على إقناع العقول باعتناقه، ويزعمون أن ملايين البشر الذين دخلوا فيه لم يبحثوا ولم يفحصوا ولم يفكروا قبل أن يدخلوا فيه. فالعرب والفرس والهنود والترك الذين أسلموا كانوا غير نقديين حين فارقوا أديانهم ومِلَلهم لكي يؤمنوا بـ التوحيد ويموتوا شهداء في سبيله.

 

والعلمانيون عامة دأبوا فيما يكتبون عن الإسلام على المجازفة بتشجيع الإعلام الذي يستحثهم على مثل تلك الكتابات، ويتلقف اقتراحاتهم ويُفسح لها المجالات. ولسوف نرى بالدراسة الموضوعية المتأنية أن الحقيقة هي على عكس ما يزعمون، وأن المهتدين الأفذاذ الأبرار الذين فارقوا أديانهم القديمة وآمنوا بدين الله قد تحروا الرشد. فناقشوا وجادلوا، وفحصوا وبحثوا وقارنوا قبل أن يدخلوا في الإسلام. وأن العرب كانوا غير نقديين حين تلكأوا في نبذ الوثنية واعتناق الإسلام، لا حين دخلوا في دين الله أفواجًا.

 

القرآن شاهداً على المنهج النقدي

 

القرآن الكريم يسجل الكثير من المناقشات والمجادلات العنيفة التي وقعت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين من جهة، وبين المشركين العرب والنصارى واليهود من جهة أخرى. وفي العهود التالية، لم يتوقف الجدال والبحث والفحص، ونشبت معارك فكرية عديدة بين علماء الإسلام وبين فلول الديانات والفلسفات السابقة. ونتيجة لذلك، أُجريت عمليات نقد وتحليل عميقة لكل الأصول والفروع الإسلامية، وثبت انتصار الإسلام علميًا وفكريًا وحياتيًا قبل انتصاره عسكريًا، ودخل فيه الناس من كل جنس عن اقتناع ورضا وإرادة. 


لعبت المصالح والأهواء دورها في عرقلة البعض عن رؤية الحقيقة، فاختاروا الوثنية أو التجسيم أو الحلول أو الإلحاد. وضَمِنَ التسامح الإسلامي للأديان السماوية الحياة، وحمى أتباعها من الاضطهاد والإبادة. وهناك في المقابل أمثلة عديدة مدهشة لأولئك الذين تحرروا من رِبْقَة المصالح والأهواء، وبذلك استطاعوا أن يُقَدِّرُوا عقيدة التوحيد وأن يعتنقوها بمجرد أن اقتنعت عقولهم بصحتها.

 

الإيمان النقدي في التاريخ: سحرة فرعون

 

سحرة فرعون مثال فريد لهذا التحرر من رِبْقَة الشهوات والمنافع، وأنموذج مدهش لجسارة القلب والتضحية بالنفس في سبيل العقيدة. وقد وصف القرآن الكريم موقفهم أروع وصف، وبأبلغ الآيات البينات، وبوسع العلمانيين المغرضين أن يتخذوهم مثالًا للإيمان "غير النقدي" بعقيدة التوحيد!!

 

لقد كان سحرة فرعون علماء عصرهم وكَهَنَتَه وأطباءه، وقد حشدهم فرعون لتكذيب موسى عليه السلام وإفشال معجزته. وقد مضت فترة زمنية بين اللقاء الأول بين فرعون وموسى وبين يوم التحدي، وهي فترة الإرجاء للاستعداد:

{قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ}

 (الأعراف: 111). والمرجح أن كبار السحرة، وهم العلماء والكَهَنة، قد اجتمعوا للتشاور والتنسيق، والأرجح أنهم بحثوا عن حقيقة موسى ودينه. والقرآن يقول:

{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ}

 (طه: 62). فلم يكن إيمانهم تحولًا مباغتًا إذن، ولكنه كان تنفيذًا لقرار يُحتمل أنهم اتخذوه فيما بينهم قبل يوم الزينة. وبعبارة أخرى، كانت هناك فترة تحروا فيها الرشد، وانتهوا منها إلى قرار علّقوه على إثبات المعجزة الخارقة لنبي الله. 

 

التحول الظاهري للصحابة: عمر ونعيم

 

في عهد النبوة، يستطيع العلمانيون أن يعثروا على حالات مماثلة؛ فأخبار إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - توحي، للوهلة الأولى، بأنه قد انتقل بغتة من الكفر إلى الإسلام. وهناك رجال العقبة الستة وكثير من أهل يثرب الذين استجابوا للدعوة على يد مصعب بن عمير، وكذلك حالة نعيم بن مسعود - رضي الله عنهم جميعًا - غير أن دراسة هذه الحالات لن تُفضي إلا إلى نسف مزاعمهم الهشة الكاذبة!

 

يمكن القول إن إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يُعد مثالًا للتحول الظاهري المباغت المُدهش الذي يقلب الموازين. غير أن أخبارًا أخرى تشير إلى أن عمر كان قد بدأ يخفف من عداوته للمسلمين قبل أن يعتنق الإسلام. وتحت تأثير القرآن الكريم وتدبّر آياته انتهى عمر إلى قرار، ودخل في دين الله. وهذا يعني أن عمر قد تحرّى الرشد لمدة ليست بالقصيرة قبل أن يتخذ قراره النهائي. [موقع السيرة النبوية (لتمثيل المرجعية التاريخية):  

والمثال الثاني للتحول الظاهري المباغت هو إسلام نعيم بن مسعود - رضي الله عنه. فقد جاء مع قومه غطفان ليقاتل المسلمين في المدينة في غزوة الأحزاب، ولكنه يذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلن إسلامه ويكلفه - صلى الله عليه وسلم - بالتخذيل عن المسلمين مع كتمان أمر إسلامه. نعيم كان يتردد على المدينة (يثرب)، ومن المؤكد أنه شارك في الجدال العنيف الذي اندلع. لهذا يحق لنا أن نقول إن الرجل قد ناقش وجادل وقارن قبل أن يعلن إسلامه.

 

إسلام الأفواج وتأخر العرب عن التوحيد

 

على نطاق أوسع، تتمثل ظاهرة التحول الظاهري السريع في يثرب، حيث دخل الناس في دين الله أفواجًا على يدي الداعية الكبير مصعب بن عمير - رضي الله عنه. ومرة أخرى نقول إن الإسلام لم يكن جديدًا على الناس كل الجِدّة، فقد كانوا على علم بالدين الجديد وعقيدته الأساسية.

 

وقد ظلت قبائل العرب حوالي عشرين سنة تتحدث عن الإسلام وتجادل فيه، حتى فتح الله تعالى مكة التي أجارها من أصحاب الفيل. وعندئذ أدركوا صدق النبي، ودخلوا في دينه أفواجًا، ولولا رسوخ الوثنية لما طال بهم الجدال حتى عام الفتح. فإن مقارنة يسيرة كانت تكفي لنبذ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. وبعبارة أخرى، كانت عقولهم جامدة وغير نقدية حين تلكأوا في قبول التوحيد ونبذ الأصنام، وهذا يدل على عكس مزاعم العلمانيين.

 

المهتدون المعاصرون والبرهان الحي

 

أما في العصور الحديثة، فلا مجال على الإطلاق لأية مزاعم علمانية حول شبهات الإيمان غير النقدي بالإسلام. فالكتاب والمفكرون الذين نبذوا الفلسفات المادية واعتنقوا الإسلام، لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن أَضْنَوا عقولهم بحثًا عن الحق.

 

ومن المدهش حقًا أن رجالًا مثل محمد أسد، وناصر الدين دينيه، ورجاء جارودي، وموريس بوكاي، وامرأة مثل مريم جميلة أو فاطمة هيرين ساركا قد اعتنقوا الإسلام في وقت كان المسلمون فيه مهزومين عسكريًا وحضاريًا وثقافيًا. ولم تكن ثمة معجزة حسية كعصا موسى، بل معجزة القرآن الكريم المعنوية الأبدية وحدها. [مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية (عن المفكرين الغربيين): 

 


 

الرابط المختصر :