; إندونيسيا: أكبر دولة إسلامية تدار بالسحر والشعوذة! | مجلة المجتمع

العنوان إندونيسيا: أكبر دولة إسلامية تدار بالسحر والشعوذة!

الكاتب أحمد دمياطي بصاري

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

مشاهدات 71

نشر في العدد 1417

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

إندونيسيا 

  • وحيد اعتاد زيارة قبور من يظن أنهم ذوو كرامات لطلب العون.. ويشيع أنه يتحفظ بثمانية خدام من الجن!

  • أفتي بجواز الذبح دون ذكر اسم الله ما دام ذلك بهدف حل مشكلات البلاد!

  • سوكارنو وسوهارتو أيضًا لجآ إلى السحر والكهانة لكنهما فعلا ذلك في السر.. أما وحيد فلا يري بأسًا من الإعلان عن ذلك. 

بينما كانت أصداء الجدال حول نتائج الاجتماعات السنوية لمجلس الشورى -أعلى سلطة تشريعية في إندونيسيا- تتردد في البلاد، بادر الرئيس عبد الرحمن وحيد- الشهير بلقب محبب إلى نفسه هو «جوس دور» بالمسارعة إلى حضور مراسم احتفال «الاستغاثة» الذي يعرف عند أهالي جاوا بـ «رواتا» والذي انعقد في حي جامعة جاجا مادا، بمدينة يوكياكرتا جاوا الوسطى، في يوم الجمعة ١٨ أغسطس الماضي عقب اختتام جلسة المجلس في اليوم نفسه، وشاهد جوس دور من خلاله عرضًا تمثيليًا للدمى «المصنوعة من الجلد» يعرف بـ «وايانج كوليت» وتدور قصته حول أسطورة «موروا كالا» -عند الجاويين- أشخاص الأسطورة هم «باتارا جورو» وزوجته «باتارا اوما» التي أنجبت «باتار كالا» العملاق الذي أصبح «رئيس آلهة» يقيم في بحر جنوب جاوا الوسطى، ويعتقد أهل المنطقة بكل جهل وبعد عن العقيدة السليمة أن الصعاب والكوارث هي من عمل «كالا»، ولذلك يقوم أصحاب هذا الاعتقاد بمراسم تسمى «رواتا» يقومون خلالها بقراءة أدعية معينة والاغتسال والتضحية بحيوان سعيًا للتخلص من الكوارث!

جاكرتا: أحمد دمياطي بصاري 

 ذهب وحيد إلى تلك المنطقة وصرح بأن مجيئه ليس إلا لحضور الاستغاثة التي يحاول من خلالها إيجاد مخرج للقلاقل الاجتماعية التي تواجهها إندونيسيا في الوقت الحاضر، وفي الوقت نفسه قدم طلبًا لحاكم يوكياكرنا، سيري سلطان حاميكوبونو العاشر للموافقة على تعيينه رئيسًا لهيئة رعاية الحضارة الوطنية التي ستنشأ قريبًا، واعتبر وحيد نواب البرلمان بمثابة «باراتا كالا» قائلًا: «إن «باراتا كالا» في مجلس الشورى جاء من عدة أحزاب ولذا كنت أصبر، ولكن الآن مضى ذلك الزمن العصيب وسنتمكن من إنشاء هيئة من أجل كفالة صيانة الحضارة المحلية وثقافتها». وقد خرج وحيد من موقعة «باراتا كالا»، أو مجلس الشورى سالمًا بعد اعتذاره أمام المجلس، ولم يتعرض للعزل من منصبه لعدم اتفاق النواب على عقد جلسة محاسبة لأداء الحكومة، وإن اتفقوا على أن أداءه لمدة 10 أشهر كانت مخيبًا للآمال.

 في بداية شهر أغسطس الماضي وحين كان وحيد مشغولًا بموقفه أمام البرلمان ومحاولات معارضيه استجوابه في فضيحة الفساد التي أطلق عليها اسم بولوك جيت وحجمها ٣٥ مليار روبية وفضيحة بروناي جيت حوالي مليونا دولار حاول عقد جلسة استغاثة، حسبما صرح «وحي موريادي»، رئيس البروتوكول في القصر الجمهوري، في بيان للصحفيين موضحًا أن الجلسة كانت ستنعقد يوم 5 أغسطس الماضي قبل بَدْء اجتماعات البرلمان بيومين فقط، وكان «كي تونجول بانونتون» المسؤول عن إدارة الجلسة بجوار بركان ميرابي عند قرية ديليس في جاوا الوسطى، إلا أنها صادفت خسوف القمر فأشار تونجول إلى أن ذلك سيتسبب في حدوث مشكلات، إما على وحيد خاصة أو على الشعب عامة، قائلًا: «حسب رأي الجاويين فإن خسوف القمر دليل على مصيبة أو كارثة». 

وحسبما اعترف تونجول فإنه سعى لعقد جلسة روانا لميجاواتي «لأنني كنت أتوقع أن تصبح ميجاواتي رئيسة للجمهورية»، لكنها رفضت فجاء جوس دور بدلًا منها ويستطرد تونجول: «فجاء وحيد، فقلت له تعال جوس دور أريدك أن تكون رئيسًا لإندونيسيا»، فقام جوس دور بـ «رواتا»، فعلًا عقب انتخابه العام الماضي في ٧ يونيو ۱۹۹۹م، وكان ذلك في يوم الجمعة ٢٩ يونيو ۱۹۹۹م، على شاطئ بارانج كوسوما بارانتاريتيس، على بعد نحو ٤٥ كيلو متر من مدينة يوكياكرتا في جاوا الوسطى، وقد أكد هذا نصر الدين مجيد صديق تونجول وأحد كبار الشخصيات من حزب الأمانة الوطنية، الذي سجل الجلسة كاملة على شريط فيديو.

 بدأت «رواتا» بإلقاء زهور على موقع يزعم أنه ذو كرامة ثم تلا تونجول أدعية معينة، وقلد وحيد ذلك بكل خشوع، ثم اتجها نحو البحر ووحيد يناجي رب بحر الجنوب -المشهور باسم «نيي راراكيدول»-، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل اتجها نحو إيموجيري، حيث مقابر ملوك ماتارام «المملكة القديمة في جاوا الوسطى ما بين القرنين الثامن والعاشر للميلاد».

 أصبحت كلمة «رواتا» مصطلحًا سياسيًا جديدًا في المعجم السياسي الإندونيسي، بعد أن احتلت مكانة في حلبة السياسة الراهنة وبعد أن كانت معروفة قديمًا عند الجاويين وحدهم انتشرت الآن على السنة السكان بشكل غير مسبوق، خاصة أنها كانت ستعقد قبيل أعمال مجلس الشورى السنوية بيومين فقط، وكتب كثير من وسائل الإعلام المقروءة الكبيرة عن هذا الموضوع، فمجلة بانجيماس مثلًا، نقلته كأهم الأخبار في عدد 19 يوليو الماضي، وتناولته مجلة جائرا ومجلة سبيلي الإسلامية في شهر أغسطس الماضي، وتقول مجلة سبيلي: «إن هذا نوع من استراتيجية وحيد لدفن حالة الشلل التي يعاني منها وعدم قدرته على إخراج إندونيسيا من المشكلات المستمرة والدفاع عن نفسه أمام معارضيه السياسيين». وحسب ما يراه بعض المصادر المطلعة فإن رواتا ليست إلا وسيلة من أجل إبقاء وحيد في الرئاسة، وذلك بناء على اعتقاد أعوانه ومنهم أخوه هاشم وحيد، الشهير بجوس إيم «جوس لقب مشرف لأبناء علماء جاوا» الذي يستنتج من مباحثاته مع الكاهن أجوس سويوتو وجــولاته «الروحانية» الطويلة أن الذين بنوا استنباطهم على حسابات منطقية عقلية وقع معظمهم في هاوية الفشل عند سعيهم لإقامة دولة كالحركة الشيوعية الإندونيسية واتحاد مشاركة المسلمين وحركة سومطرة الانفصالية وحركة ذار الإسلام وغيرها من الحركات ويؤكد سويوتو أن بناء الدولة ينبغي أن يراعي الحسابات «الخرافية والسحرية».

وحيد والخرافات:

إن زيارة مقابر ومحلات من يظن أنهم ذوي الكرامات ليس جديدًا عند وحيد، وحسب مصادر مطلعة فإنه اعتاد على ذلك منذ سنوات، حيث زار مقابر أمثال الشيخ عبد القدير الجيلاني ماسيني وسونان كاليجوجو وسونان امبيل وسونان جونونج ومقابر ملوك جاوا في إيموجيري ويوكياكرنا وغيرها للتبرك، وعندما سأله صديقه الحاج خليل بصري قائلًا: جوس! لماذا تشتكي أمورك إلى المقابر؟» أجابه وحيد بكل بساطة ومزاح هذا أفضل لأن أولئك الموتى لم يطلبوا منا أي إجراء وحسب قول يُوسُف هاشم، عم وحيد فإن الأخير اعتاد الاستعانة بأهل المقابر منذ زمن بعيد وربما منذ عشرين سنة على الأقل، ويقول يُوسُف: «اعتاد وحيد على مثل هذه الزيارات للأمكنة ذات الكرامة منذ ما قبل تعيينه رئيسًا للدولة بزمان» كما يوضح صالح الدين، أخو وحيد، أن ذلك يتم منذ السبعينيات تقريبًا قائلًا: «إنه اعتاد على مثل هذه الزيارات بغية المعونة لمعالجة أمور كثيرة منذ السبعينيات تقريبًا».

جوس دور -أو وحيد-كان يتلقى من مشايخ بمعينه الذين اشتهروا بلقب «علماء الخاص» كانوا يتميزون عن بقية العلماء -خاصة في الأمور الغيبية- ليتلقى منهم العلم و«المعرفة والكشف»، الشيخ أحمد الصديق من مدينة جيمبير، والشيخ عبد الله فقيه من توبان جاوا الشرقية والشيخ عبد الله عباس من جيريبون جاوا الغربية، والشيخ مهتدي، وحسب تأكيد دهليا، بنت الشيخ مهتدي، نشرة «عادل» الأسبوعية بتاريخ ٢٦ مايو الماضي: بقي جوس دور عند أبي عدة ساعات في كثير من المرات، ولعل هذه الزيارات وتلقيه «المعلومات» عنهم هي التي كانت تولد عند وحيد الثقة بالنفس، ويبرر عمه يُوسُف ذلك بقوله: «إن الثقة بالنفس عند الرئيس وحيد في نتيجة لطاقة معنوية حصل عليها خلال هذه الزيارات».

 وعلى جانب آخر، حسبما بين مصدر مطلع في القصر الجمهوري فإن جوس دور كان يداوم على موارد معينة، وكان يدعو خمسة من علماء «الخاص» على قصره لتلاوة سورة الإخلاص وسورة يس وسورة الكهف ثم الدعاء من أجل «سلامته»، وكان يستقبل رجلين أو أكثر في كل ليلة بعد الساعة العاشرة إلى الساعة الواحدة صباحًا، وإضافة إلى ذلك -حسب ما قلت نشرة عادل الأسبوعية عن مصدر مطلع- فإن وحيد يحتفظ بـ 8 خدام من الجن!

 وحسبما نقلت مجلة بانجيماس في ١٩ يوليو الماضي عن شاهد عيان، أن أحد علماء «الخاص» من مدينة بوكياكرنا كان يدعو وحيد -قبل الانتخابات العامة بشهور- إلى شاطئ المحيط الهندي، حيث كان ينغمس في البحر مدة ساعتين تقريبًا لتلقي «الوحي أو الرسالة»، وقد أبلغ الشيخ وحيدًا بأنه سينتخب رئيسًا لإندونيسيا، وحثه إن نجح في الانتخابات أن يمول سفر ٤٠ عالمًا من علماء جمعية نهضة العلماء التي ينتسب إليها لأداء فريضة الحج، الأمر الذي قام به جوس دور بالفعل في موسم الحج الماضي. 

وقد أبلغ وحيد رئيس تحرير جريدة جاكرتا ست سوسانتو في أواخر أبريل ۱۹۹۹م عن ثقته أنه سينتخب رئيسًا لإندونيسيا نقلًا عما سمعه شيخه، وكما يشهد جوهان أفندي أمين الدولة الحالي، ونقلته عنه جريدة كومباس-أكبر الجرائد مبيعًا في البلاد- في ٧ يونيو ۱۹۹۹م، فإن وحيد صرح له بأنه على يقين من تعيينه رئيسًا رابعًا للبلاد وأن ميجاواتي ستعين نائبة له.

وحسب ما بين تونجول -الذي يملك فنادق راقية وله علاقات واسعة مع أشخاص من أمثال جورج سوروس، مضارب البورصات اليهودي المعروف- لمجلة سبيلي فإن وحيد اعترف له بزيارة مقبرة سينوباتي، أحد ملوك جاوا، حيث أنباه أن سوهارتو هو المسؤول عن احتدام المشكلات في البلاد وبالمقابل طلب تونجول من جوس دور إهداء زهرة «تيلون» وخمسة أوراق من شجر جوز الهند والتضحية بدجاج يذبح من غير ذكر اسم الله عليه ثم تلقى هذه الأشياء إلى شاطئ بحر بلابوان راتو بجاوا الغربية، مبررًا ذلك بقوله: «عندي كطالب علم ديني، أن الذبح من أجل إيجاد الوصول إلى حل وسط في البلد من غير ذكر «بسم الله لا بأس به»، «سبیلی ٢٤ أغسطس الماضي».

جمعية نهضة العلماء والخرافات:

 ولا يرى أعضاء جمعية «نهضة العلماء»- التي تأسست في ٣١ يناير ١٩٢٦م بمدينة سورابايا، أي حرمة أو كراهة فيما يفعل رئيسهم ورئيس إندونيسيا عبد الرحمن وحيد إن مثل هذا الاحتفال التقليدي كان سائدًا عند معتنقي عقيدة جاوية تعرف بـ «كيجاوين»- وهي عبارة عن عقيدة تقليدية نجمت من الخلط والاندماج بين تقاليد ومعتقدات هندوسية قديمة سادت قبل مجيء الإسلام إلى هذا الأرخبيل وكانت تحاول أن تعترف بها الدولة وخاصة عند عهد سوهارتو في الثمانينيات.. ويرى شفري سيرين، رئيس مركز البحث عن الثقافة والتغيرات الاجتماعية في جامعة جاجا مادا، أن ٣٠٪ من إجمالي شعب إندونيسيا تقريبًا يؤمنون بمثل هذا الاعتقاد على الرغم من أن نسبة الأمية لا تتجاوز ۱۰ إلى20% ولكن هذه التقاليد تسربت لأعضاء جمعية نهضة العلماء بشكل لا يتصور، بل إن معظم المعاهد الدينية التابعة لهذه الجمعية اشتهرت بمثل هذه التقاليد وحتى بالسحر، وحسب ما ذكرتها مجلة بانجيماس فإن مدارسهم تعلم الطلبة مثل هذه الأشياء السحرية من كتاب شمس المعارف الكبرى ولا يعني ذلك أن كل علماء الجمعية يعرفون السحر ولكن اشتهر معظم النهضويين بتقليد مشايخهم تقليدًا أعمى.

رؤساء إندونيسيا والخرافات:

 بدءًا من أحمد سوكارنو لم يسلم أي رئيس لإندونيسيا من اللجوء إلى الخرافات والسحر والاستعانة بغير الله، وكان سوكارنو يحتفظ بمختلف أنواع العصي والسكاكين والسيوف والأختام التي زعم أنها ذات طاقة سحرية خارقة، أما الرئيس محمد سوهارتو وحسب مقولة كاهن أجوس من مدينة باندونج فقد كان يحميه ١٦٨ كاهنًا، إضافة إلى يضع آلاف من الجن يقومون بحماية قصره وبيته حتى أمكنه البقاء في الحكم مدة ٣٢ سنة!! وحسب رأي أعوان الرئيس وحيد فإن علم إندونيسيا الذي يرفع أمام القصر الجمهوري قد جرت عليه عملية نذر وذبح حيوانات ولذلك غيره وحيد وهذا ما شاهدناه عند الاحتفال بعيد استقلال إندونيسيا يوم ١٧ من أغسطس الماضي، حيث غاب العلم الذي كان يرفع خلال ٣٢ سنة على الأقل.

 وأما المهندس حبيبي فلم يتعود على هذا النوع من البدع لحماية نفسه أو للوصول إلى الحكم والبقاء فيه، ولكن حسب ما ذكرت نشرة عادل فإن بطانة سوهارتو قامت بإعداد الحراس من الجن لحماية حبيبي دون أن يعرف بالأمر، لكنه لم يحتفظ بأي نوع من الأشياء السحرية.

لكن جوس دور يزيد على سابقيه بإظهار حرصه على عقيدة كيجاوين والغريب أنه لم يخف أعماله ونشاطاته الخرافية، كما أخفاها سابقاه سوكارنو وسوهارتو، الأمر الذي أثار الجدال الواسع، فكما يرى حمدي ملك الباحث المتخصص في سيكولوجية السياسة من جامعة إندونيسيا، فإن ظاهرة وحيد تصبح دليلًا بارزًا على عجزه مضيفًا أن على وحيد إدراك أن لرئيس الدولة شخصيتين، شخصية عامة وأخرى خاصة «وينبغي على وحيد التفرقة بينهما لأن الخلط بينهما قد تسبب في أن يصبح أسوة للكثير من الناس، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مستقبل البلاد».

وهذا ما يراه الدكتور كونتوويجوبو، الأستاذ المتخصص في شؤون الحضارة في جامعة جاجا مادا، نوعًا من «سحر السياسة»، التي لها أبعادها الاجتماعية المختلفة التي انطلقت من تقديس وحيد من قبل أعضاء جمعيته حيث يستصوبون كل كلماته مهما كانت غير معقولة أو غير منطقية. 

ويزعم بعض المراقبين أن هم وحيد يتمحور في حشو عقول الناس بأنه أدار البلاد بالإلهام والطاقة السحرية، ويرى آخرون أنه يعتزم أن يصبح الملك العادل المنتظر كما تقول أساطير أهالي جاوا ولا سيما -حسب نشرة عادل- أن جوس دور مصمم على البحث عن «سيكار جيجات»، الذي يحث كل كهانه على العثور عليه أينما كان، ويزعمون أنه به يمكن أن يبصر مرة أخرى ويبقى في الحكم مدى الحياة..

الرابط المختصر :