; إندونيسيا التائهة بين رئيسين! سوهارتو أمام المحكمة.. وحبيبي في مواجهة التوتر | مجلة المجتمع

العنوان إندونيسيا التائهة بين رئيسين! سوهارتو أمام المحكمة.. وحبيبي في مواجهة التوتر

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1330

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الإندونيسية جدولًا زمنيًّا للانتخابات المقبلة عادت المظاهرات الطلابية للظهور مع أعمال عنف دينية قليلة، وبرزت قضية محاكمة الرئيس السابق سوهارتو لتشغل الرأي العام مرة أخرى مع بدء التحقيق معه بعد ضغوط تعرض لها الرئيس الحالي حبيبي الذي يواجه من جانبه توترًا دينيًّا متزايدًا لا يدري كيف يوقفه.

صرح الرئيس السابق سوهارتو بأنه مستعد للمساءلة من قبل المدعي العام، وأنه كغيره من المواطنين لن يهرب من القانون، لكن له الحق في الدفاع عن نفسه.

قال ذلك ردًّا على إعلان المدعي العام عزمه على التحقيق معه خلال الأسبوع الجاري، لكن الشكوك تدور حول مدى استعداد الحكومة الحالية لعقد المحاكمة فعلًا، علمًا بأن الرئيس حبيبي كان أصدر قرارًا رئاسيًّا بتعجيل التحقيق مع سوهارتو بعد ضغوط طلابية وتراجع عن تأسيس لجنة مستقلة بدلًا من مكتب المدعي العام، وهي الفكرة التي لاقت انتقادًا من أطراف عدة لأنها ستكون لجنة جمع معلومات دون أي صلاحية.

وما زال الطلبة وبخاصة في جامعة تريساكتين ينتظرون اعتقال سوهارتو أو وضعه تحت الإقامة الجبرية على الأقل.

وزير الدولة أكبر تانجونغ ورئيس حزب غولكار الحاكم، لمّح إلى إمكان وضع سوهارتو قيد الإقامة الجبرية إذا بدأ التحقيق معه من قبل أندي غالب المدعي العام الذي من المقرر أن يكون قد أرسل رسالة رسمية إلى سوهارتو قبل أيام، كما وعد الطلبة، كما أنه لم يستبعد استدعاء وزراء آخرين للتعاون معه في توفير بعض المعلومات المهمة.

بعض المحللين الغربيين وقبل أن يسقط سوهارتو قدروا ثروته هو وعائلته بـ ٤٠ مليار دولار، لكن الرقم لم يثبت حتى الآن رسميًّا، إلا ما كشف عنه خلال الأسابيع الماضية، يعتبر مقدمة لمعرفة معلومات مثيرة عن ثروة رئيس يعتبر نموذجًا لأمثلة كثيرة في أسيا وإفريقيا وغيرها من دول العالم الثالث.

المدعي العام -من جهته- كشف وجود مبلغ قدره 2,6 ملايين دولار كحساب لسوهارتو في ۷۲ بنكًا من ضمنها 8 بنوك أجنبية، وهو مبلغ ليس كبيرًا، ثم عاد فقال إنها مودعة في ثلاثة بنوك محلية فقط.

وقد صرح سوهارتو في آخر حديث صحفي معه، بأن هذا المبلغ قد جمعه بصورة شرعية من راتبه منذ أن كان جنرالًا في الجيش قبل توليه الرئاسة، وكذلك من إيجار منزلين لأجانب. 

وأنكر أن يكون لديه أموال في الخارج.

وعن أراضيه قال إن لديه 3 هكتارات فقط في صولو جاوة الوسطى مسقط رأس زوجته!

 وفي المقابل سلم سوهارتو للحكومة أموال سبع مؤسسات أسسها بهدف توفير الخدمات الاجتماعية برأس مال قدره ٥٣٠ مليون دولار.

 ولعل أبرز ما اكتشف حتى الآن ما صرح به وزير الزراعة والغابات مسلمين ناسوشين في مطلع الشهر الجاري أن وزارته قد كشفت امتلاك سوهارتو وعائلته وأصدقائه تسعة ملايين هكتار على الأقل أو ما يساوي مساحة جزيرة جاوة، وهي موزعة في أقاليم عديدة ومنها شرق كاليمنتان الذي يمتلك هو وأصدقاؤه 77% فيه من أراضيه.

محامي سوهارتو من جهته حذر من أن محاكمة سوهارتو قد تجر رؤوسًا كبيرة من الحكومة الحالية أو من المسؤولين السابقين الذين كانوا معه، وهو تصريح يدل على احتمال تحول قضية سوهارتو إلى قضية محاكمة نظام بأكمله وهو أمر صعب قد لا يتحقق فيتأزم الوضع في الوقت الذي ينتظر الجميع الانتخابات بعد خمسة أشهر.

أول الرؤوس التي حقق معها رئيس البنك الحكومي المعروف باسم بنك الشعب الإندونيسي بتهمة فساد مالي ضمت عشرات الملايين من الدولارات، ومليارات من الروبيات.

حبيبي أمام عاصفة

من جهته يقف الرئيس حبيبي أمام المظاهرات والعنف الديني كأنه يرى في الأفق مقدمات عواصف عديدة مع أنه تنفس الصعداء عندما حان موعد انعقاد المجلس التشريعي في الشهر الماضي، لكن ذلك لم يكن إلا بداية لأزمات جديدة.

استطلاعات الرأي تجذب أنظار الشعب الإندونيسي لنوع آخر من التعبير عن الرأي بصورة سلمية بعيدة عن التظاهر في شؤون عديدة على رأسها أداء الحكومة الحالية. 

فخري علي - مدير معهد دراسة وتعزيز الأخلاق التجارية - أعلن عن نتائج استبانة أجراها معهده على آراء ٥ آلاف من الطبقة المنخفضة الدخل في عشر مدن فانتقد ۸۷% الأداء الاقتصادي للدولة، واعتبروا إنقاذ الاقتصاد أهم ومقدمًا على الإصلاح السياسي.

وفي استبانة أخرى، قال ٧٤,٦% من ٢٠٠٠ مستجوب، إن سوهارتو كان يكذب في آخر أيامه ليحافظ على السلطة، بينما قال ٨٤% إنهم لا يصدقون نفي سوهارتو لامتلاكه أراضي وأموالًا في الداخل والخارج.

 أما الرئيس حبيبي فقد كان موضوع استبانة مجلة تيمبو التي أكدت في تقرير نشرته عن رأي ٥٠٠ إندونيسي أن لحبيبي شعبية لا تتعدى ٧% بين الإندونيسيين، وهو تأييد لاستبانات سابقة لم تتعد في أي منها نسبة شعبية حبيبي الـ ١٥%.

 وقد انخفضت شعبيته بعد حوادث القتل في المظاهرات وحوادث العنف الديني التي راح ضحيتها ٣٠ قتيلًا ومئات الجرحى خلال ثلاثة أسابيع، في حين أن أمين رئيس وميجاوتي ما زالا محافظين على شعبيتهما مقابل تراجع شعبية الرئيس وبنسبة ۳١ و۳۰% على التوالي.

العنف الديني مرة أخرى

بالإضافة إلى المظاهرات الطلابية مع قلة عددها والمشاركين فيها، فإن حوادث العنف الديني لم تتوقف، فبعد حادث ۲۲ من نوفمبر الذي حرق فيه العديد من الكنائس والبنايات المملوكة لنصاري هاجم غوغائيون نصارى يوم ٣٠ من نوفمبر مساجد وجامعة ومدارس ومحلات يمتلكها المسلمون في حادثة اعتبرت خطيرة في وضع متأزم اقتصاديًّا وسياسيًّا.

فقد ذكر شهود عيان أن ستة مساجد على الأقل قد أحرقت في مدينة كوبانغ الواقعة في غرب جزيرة تيمور الشرقية بعد أن خرج القسس في مسيرة سلمية للتنديد بقتل النصارى يوم ٢٢ من نوفمبر.

وقال أحد النصارى إنه لا يدري كيف بدأت أعمال الشغب ولكن فجأة احترقت المساجد!! هذا الحادث وما سبقه دفع الحكومة إلى إقرار خطة لرفع عدد أفراد الشرطة العسكرية من ٢٢٠ ألف شرطي إلى ٢٦٠ ألفًا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وذلك اعترافًا منها باحتمال تدهور الأوضاع أكثر من ذلك قبل انعقاد الانتخابات. 

ومرة أخرى لم يقم بالحادث - كما قال أهالي المدينة - أناس معروفون؛ إذ أحرق ثلاثة مساجد داخل المدينة وثلاثة خارجها، وهو حادث تكرر ضد المسلمين المهاجرين إلى المدن التي تقطنها غالبية من النصارى وأحد أبرز الحوادث السابقة عام ١٩٩٥م في مدينة موميري.

صلاح الدين وحيد أحد السياسيين الجدد ورئيس حزب نهضة الأمة قال: إن حادثة كوبانج قد تكون مؤشرًا على تكرار أحداث العنف الديني داعيًا الرئيس حبيبي مرة أخرى إلى الهدوء وعدم الاستعانة بالعنف في مواجهة التظاهر في الشوارع للدعوة إلى الإصلاح، وذلك بعد لقاء ۱۷ طالبًا مساعدي الرئيس حبيبي ممثلين عن مئات تظاهروا أمام قصره المطالبين بمحاكمة سوهارتو بأسرع وقت ممكن.

من جهته أكد قادة إسلاميون ودينيون آخرون دعوتهم لوقف العنف ونبذ استغلاله لأهداف سياسية، غير أن العنف لو صار ذا بعد ديني فإنه أمر خطير، مع أن عبد الرحمن وحيد وآخرين يعتقدون أنه ليس صراعًا دينيًّا، ولكنه أمر دُبر بليل، ويقول وحيد: صدقوني إنني أعرف من دبّر هذا الأمر، ولكنني لا أريد أن أفصح عن هوياتهم... إن قوى عديدة تريد الاستفادة من حرق المساجد والكنائس.

وقد ذكر محلل في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في تحليل للوضع الديني أن هناك احتمال وجود تحالف خفي بين قوى سياسية عديدة لعرقلة مسيرة الإصلاح ومحاكمة سوهارتو بأعمال العنف.

وهنا يبدو قادة الأديان المختلفة عاجزين عن إيقاف أحداث العنف؛ لأن من يشعلها مدفوع من قبل قوى ليس لأي قائد أو رمز ديني وسائل لمواجهتها.

مثال على ذلك اعتذر مجلس الشباب المسيحي الإندونيسي للمسلمين عن حرق المساجد في نوساتنجارا عاصمة كوبانج وهي بادرة حسنة لكنها لن تمنع استمرار أعمال الحرق والقتل.

وقد دعا إلى وقف العنف كذلك في بيان آخر علي يافي رئيس مجلس العلماء الإندونيسيين، كما اعتذر أحد القسس نيابة عن الكاثوليك في إندونيسيا، ولكن إذا ساء الوضع الاقتصادي وتزامن ذلك مع محاكمة سوهارتو، فإن هناك احتمالًا لتجدد أعمال العنف الديني، وأعمال الشغب...

**********************

هل تصلح الديمقراطية ما أفسده الصرب؟

على مدار يومين ٥-6/12/98 عقد بسكوبيا العاصمة المقدونية مؤتمر أطلق عليه «المنتدى السياسي والديمقراطي من أجل كوسوفا» الذي دعا إليه مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية ومقره واشنطن بالتعاون مع حركة كوسوفا للمبادرات السلمية، ومن قبله عقد مؤتمر آخر بالعاصمة الصربية بلجراد لمناقشة تطوير العملية الديمقراطية في كوسوفا.

وبالطبع فإن هذه المنتديات والمؤتمرات لا تنعقد من تلقاء نفسها أو - للوجاهة - مثلًا.. فالمؤتمران هما نتيجة طبيعية لما توصل إليه المبعوث الأمريكي هولبروك مع الرئيس اليوغسلافي ميلوسوفيتش ثم ما توصل إليه ممثل المجموعة الأوروبية مع ميلوسوفيتش، وخلاصة الأمر أنه «لا تفكير في استقلال الإقليم، ولا بحكم ذاتي يؤدي يومًا ما إلى الاستقلال»، ولكن ما الذي يغري ألبان كوسوفا بقبول العرض الأوروبي الأمريكي، هنا جاءت الفكرة الشيطانية على لسان وزير خارجية النمسا الذي ترأس بلاده المجموعة الأوروبية، بأن الحل هو «إعادة الديمقراطية إلى الإقليم»، ومن ثم يعيش الجميع آمنين.. فالألبان سيفوزون في أي انتخابات -بحكم أغلبيتهم- وبالتالي يتولون حكم أنفسهم بأنفسهم، والصرب لن يتركوا الإقليم، لأنه جزء من صربيا -حسب الاتفاق- ومن حقهم تولي الشؤون الخارجية والدفاع والاقتصاد.. كما أن ألبان كوسوفا بالطبع سيحكمون الإقليم بما فيه من أقليات، وسيكون له رئيس وحكومة والتعليم بلغتهم.. وعلى الطريقة اليهودية «الأمن مقابل السلام»، سيكون الحل الأرض مقابل الديمقراطية في كوسوفا، أي أن على الألبان أن يتخلوا عن الأرض حتى ينعموا بالديمقراطية.

والمنتدى ليس الأول -كما ذكرنا- ولن يكون الأخير فقد أنفقت عدة جهات أوروبية الكثير من الأموال من أجل تجميع بعض القوى الليبرالية سواء في كوسوفا أو في صربيا ومقدونيا من أجل إبراز صيغة تفاهمية تصل إلى توقيع اتفاق على غرار -أوسلو ومدريد- وجاءت هذه المؤتمرات لتؤكد ذلك.

وفي محاولة لتمرير شعار إعادة الديمقراطية كحل لأزمة كوسوفا، ندد البعض بميلوسوفيتش وسياسته ووصفها البعض بأنها سياسة حاقدة، إن لم يكن ميلوسوفيتش هو الحقد بعينه.

وفي الإطار نفسه حاول بعض الليبراليين الصرب تهدئة مشاعر ألبان كوسوفا فقال أحدهم: إن ميلوسوفيتش لن يعيش ألف عام، وبالتالي فعلى ألبان كوسوفا أن يتحملوا ويصبروا حتى يذهب ميلوسوفيتش وساعتها تبدأ المرحلة الجديدة...

د. حمزة زوبع

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل