العنوان «نظرية» المقاومة في مواجهة «نظرية» الأمن الصهيونية
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001
مشاهدات 49
نشر في العدد 1461
نشر في الصفحة 22
السبت 28-يوليو-2001
نظرية المقاومة أدت إلى: هجرة مليون يهودي وألحقت خسائر بالاقتصاد القومي تقدر بـ 4 مليارات دولار وانخفاض الإنتاج القومي بنسبة 12٪
نظرًا لأن الكيان الصهيوني مجتمع استيطاني إحلالي فقد ركّز مفكروه الاستراتيجيون على موضوعين: الأرض والأمن، ولتحقيق هدفي الاحتفاظ بالأرض وتأمين الأمن صيغت النظرية الأمنية الصهيونية في إطار مفهوم القوة، وتأكيدًا لهذا المفهوم يقول بن غوريون إن «جنود موسى ويشوع وداود لم يكفوا عن القتال حتى فيما بينهم وكذلك جنود صهيون لن يتوقفوا عن الحرب»، وهذا الالتصاق بمفهوم القوة ليس بسبب حاجة الواقع فقط، إنما تأثر بالبعد الديني، ولطالما استشهد صائغو نظرية الأمن الصهيونية بمقولات التوراة وعلى رأسها قول التوراة «التوراة والسيف نزلا من السماء».
وربما يعبر عن الهاجس الأمني ومدى ضرورته في نسيج الحياة لدى المجتمع الصهيوني باعتباره ضرورة متعلقة بالمصير ما يقوله رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق نتنياهو؛ إذ يقول «في الشرق الأوسط يتقدم الأمن على السلام ومعاهدات السلام، وكل من لا يدرك هذا سيظل دون أمن ودون سلام وفي نهاية الأمر محكوم عليه بالفناء».
ولضحالة العمق الإستراتيجي لهذا الكيان الطارئ بالمضامين الديمغرافية «قلة السكان» والجغرافية «ضيق رقعة الأرض»، والاقتصادية «قلة الموارد ومحدودية السوق التجاري»، فإن المجتمع الصهيوني غير قادر على:
- تلقي ضربة عسكرية قوية مفاجئة، أو تحمل حرب استنزاف طويلة.
واعتمادًا على هذه المعطيات، فقد صيغت نظرية الأمن - وفق المفهوم الشامل للأمن - لتراعي ذلك من أجل حماية الوجود اليهودي في فلسطين وتثبيته من خلال ركائز هي:
- تأمين الهجرة وزرع العنصر اليهودي في الأرض عبر المستوطنات التي شيدت لتحقيق الهدفين الديمغرافي والأمني.
- توفير قوة ردع كافية لمنع الطرف المعادي من التفكير بالحرب.
- تفتيت الوحدة العربية عبر تقسيم المنطقة لدوائر جغرافية محددة والعمل على عدم تلاقي هذه الدوائر مع بعضها البعض.
- تأمين حليف قوي مثل الولايات المتحدة.
ولتحقيق الهدف الأعلى لإستراتيجية الأمن فقد اعتمدت العقيدة العسكرية الصهيونية على عناصر عدة:
- تحقيق التفوق والردع.
- تكوين الجيش النظامي الصغير المحترف بإسناد من احتياطي عريض «الشعب المسلح».
- الردع بالعقاب «الردع الانتقامي».
- الأحزمة الأمنية وإيجاد المقاوم الأمني.
- تقليل زمن الحرب.
- تقليص الخسائر باستخدام كثافة النيران والقذائف الموجهة الذكية لحماية العنصر البشري نظرًا لحساسية المجتمع الصهيوني تجاه الخسائر وخاصة البشرية.
وفي العقد الأخير اعتمدت نظرية الأمن إستراتيجية التسوية السلمية تطبيقًا لنظرية المفكر الإستراتيجي الصهيوني «هاركاني» «الاختراق» الذي قرر بأن الكتلة العربية والإسلامية يصعب تطويعها من خلال المصادمة ولكنها قابلة للاختراق، وفي هذا السياق أوصى بعملية التسوية لتفكيك مكونات الصراع الدينية والقومية وعلى تلك القاعدة جاءت اتفاقية أوسلو وتفريعاتها.
تأثيرات المقاومة على النظرية الأمنية الصهيونية
لا شك أن نظرية الأمن الصهيونية قد تأثرت سلبًا أو إيجابًا خلال العقود الخمسة السابقة بالحروب التي جرت بالمنطقة منذ حرب النكبة وحتى حرب الخليج الثانية، ولكن المتابع للمشهد السياسي والميداني الحالي للمنطقة عربيًّا وفلسطينيًّا وصهيونيًّا، يمكنه ملامسة التآكل الذي أحدثته المقاومة في بعض المكونات الأساسية لنظرية الأمن الصهيونية وما فعلته من تحييد لتأثير بعض المكونات الأخرى لهذه النظرية.
وفي ما يلي إشارات خاطفة لهذا التأثير -وفقًا للمفهوم الشامل للأمن- التي يحتاج كل منها لإفراد ودراسة:
- تهديد الأمن الشخصي للمستوطن اليهودي حتى في مدن العمق الصهيوني وفي جميع مناشط الحياة؛ إذ شملت العمليات الجهادية المستوطنات في الضفة والقطاع وفي المناطق الصناعية وطرق ووسائل المواصلات (الباصات والخطوط الالتفافية) ومراكز التسوق المغلقة والأماكن العامة وحتى المقرات الرسمية، وفي هذا الجو المرعب، أخذ المستوطنون يهرعون لأساليب الشعوذة، وقام المئات منهم بشراء الأحجبة من الحاخام السفاردي الأكبر «مردخاي إلياهو» طلبًا للأمن، وعمدوا لاستخدام الهاتف الجوال وأجهزة الإنذار لطمأنة ذويهم أثناء عبورهم على الخطوط الالتفافية التي أصبحت تسمى شرايين الموت بينما كانت اسمها شرايين الحياة، بل إن الحكومة تصرف سيارة مرسيدس مصفحة لكل عائلة يقتل منها فرد، وهذا ببساطة تفريغ لنظرية الشعب المسلح من معناها.
- إيقاف حالة الاختراق الصهيوني لحصون الأمة، وإسقاط شعار مفهوم ثقافة السلام المزيف وإعاقة الجهود الأمريكية والغربية الرامية لإغلاق الملف الفلسطيني وفق أحلام وطموحات المشروع الصهيوني.
- إعادة الهوية الحقيقية للصراع بمكوناته الدينية والقومية، على أنه صراع عقدي - حضاري بين مشروعين حضاريين لا يمكن لهما أن يتعايشا «صراع وجود ولا صراع حدود»، وبيان زيف المفهوم الذي يروج للصراع على أنه مجرد صراع سياسي يمكن تسويته.
- إعادة الحد الأدنى من التنسيق العربي بعد حالة من التشرذم سادت العقد الماضي بسبب الهيمنة الأمريكية على المنطقة التي أفرزتها حرب الخليج الثانية.
- تحييد خاصية التفوق النوعي العسكري - اختلال ميزان القوى - وتفكيك إستراتيجية الردع الصهيونية ومواجهتها بنظرية المقاومة القائمة على توازنها الرعب بين الطرفين، وفي اجتماع جمع شارون مع رئيس أركانه موفاز صاح الأول بالأخير:
هل أفلستم أين إبداعات الجيش لإيقاف الإرهاب؟ في إشارة لإخفاق الجيش في إيقاف الانتفاضة.
- تحويل المستوطنات من بيئة جذب ديمغرافي إلى مراكز طاردة للسكان، حتى أصبحت تشكل عبئًا أمنيًّا ثقيلًا، وبهذا فقدت المستوطنات قيمتها الأمنية والديمغرافية، وفي هذا السياق تشير التقارير إلى أنه قد تم تفريغ أكثر من 40٪ من المستوطنات من ساكنيها.
- إفشال فلسفة أوسلو في جانبها الأمني القائم على قاعدة المقاول الأمني (التنسيق الأمني)؛ إذ إن الكثير من عناصر الأجهزة الأمنية التي كانت تقدم الحماية للصهاينة أصبحت تمارس بنفسها أعمال المقاومة، وفي هذا الإطار ارتفعت الأصوات في الصحافة العبرية التي تنادي بخطأ إلقاء مسؤولية الأمن على الآخر باعتباره خللاً إستراتيجيًّا، كما أن المقاومة أفشلت فكرة الحاجز الأمني حالة (المقاومة اللبنانية).
- بروز عقدة الميزان الديمغرافي بين الشعبين في ظل رفض فلسطيني عارم للاحتلال وتوحده تحت راية المقاومة بشكل غير مسبوق، وفي إطار العقدة الديمغرافية تشير الإحصاءات إلى أن فلسطين التاريخية تضم حاليًا 4,8 مليون يهودي مقابل 4,2 مليون فلسطيني، وكمؤشر على تعقيد هذه المعضلة عند الصهاينة ما تعبر عنه الزيادة السكانية السنوية للضفة والقطاع البالغة 180 ألف نسمة أي ما يعادل عدد مستوطني غزة والضفة الذي زرعه الاحتلال خلال 34 عامًا منفقًا مليارات الدولارات.
- تألق مصطلح الجهاد وعودة الحيوية له وإزاحة التشوهات التي لحقت به أثناء هجمة ثقافة العولمة خلال العقد المنصرم ومطالبة قطاعات عريضة من الأمة لممارسته.
- إيقاع خسائر بشرية عالية في المجتمع الصهيوني، حيث بلغ عدد القتلى أكثر من 133 قتيلًا ومئات الجرحى والمعاقين، ولأول مرة في تاريخ الصراع يصل ميزان الخسائر البشرية مع الصهاينة إلى نسبة 2 – 5.
- إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ليس ذلك فحسب، بل إن المقاومة كانت سببًا في تنشيط الهجرة المعاكسة؛ إذ يقدر عدد اليهود الذين غادروا فلسطين خلال الانتفاضة بنحو مليون نسمة منهم عشرات الألوف تركوها بشكل نهائي.
- إلحاق خسائر جسيمة في البنية الاقتصادية؛ إذ تشير الإحصاءات الصهيونية بأن الإنتاج القومي قد تقلص بنسبة 12٪، وانخفض رواد المحلات التجارية إلى 30٪، وحسبما يذكر رئيس اتحاد الصناعيين «عوديد طير»، فإن نسبة النمو تقلصت إلى 1,9٪ في بداية عام 2001م، بينما بلغت في الفترة نفسها من عام 2000م نسبة 7,7٪، وتراجع النمو الاقتصادي بنسبة 9,8٪ في الفصل الأخير من عام 2000م، وكذلك بلغت خسائر قطاع السياحة نسبة 58٪ وتم تسريح 70 ألف عامل سياحي، أما الصادرات الزراعية فقد انخفضت إلى 32٪، ولحق بقطاع الإلكترونيات خسائر تقدر بـ 45٪، ويخسر الميزان التجاري 16 مليون دولار يوميًّا بسبب تعثر التجارة مع المناطق المحتلة في الضفة والقطاع، كما قامت الحكومة باقتطاع 800 مليون دولار إضافية من الموازنة لتغطية نفقات الجيش، ويقدر حجم الخسائر الإجمالية للاقتصاد الصهيوني بنحو 4 مليارات دولار.
- إفلاس وعجز العقل الصهيوني عن إنتاج حل للمأزق السياسي الذي أنتجته الانتفاضة، وكمؤشر على ذلك التخبط دعوة رئيس الكيان موشيه قصاب الجمهور لتزويد الحكومة بحلول للأزمة الحالية، وكدلالة على انهيار الروح المعنوية للمجتمع الصهيوني، يشار لاقتراح أستاذ علم الذرة في جامعة تل أبيب إلياهو ليفة فيتش الذي طرح مشروعًا، وسماه «الانسحاب بكرامة»، في إشارة لانسحاب الاحتلال من الضفة والقطاع.