; إيحاءات حج وإحساسات حاج | مجلة المجتمع

العنوان إيحاءات حج وإحساسات حاج

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 57

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 06-أبريل-1999

إيحاءات حج وإحساسات حاج

بقلم: د. خضير جعفر ([1])

عندما نزلتُ الميقات نويت خلع ثياب المعصية، وارتداء ثوب الطاعة، وحينما تجردت من مخيط الثياب أحسست بنداء خفي يدعوني للتجرد من الرياء والنفاق، وولوج الشبهات، وفهمت عندها أن الغسل اغتسال من الخطايا والذنوب، والتفيؤ بنور التوبة خالصة لله تعالى، ليعقبها نيةُ إحرام تستدعي تحريم كل ما حرم الله عز وجل، وفي التلبية عقدت مع واهب الوجود عهدًا لا تفصم عراه اللذات والشهوات، وحب الحياة، ثم وقعت صدق ما نويت بركعتين تقربنا إليه سبحانه، ويوم اتجهت إلى حيث الكعبة المشرفة، انقطعت إلا منه عز شأنه، وحين دخلت الحرم تيقنت أني في بيت الله الذي لا يبيح لي الدخول فيه بالبعد عن أوليائه الذين جمعني وإياهم كرم ضيافته، وحين قصدت الكعبة نويت أني قصدته سبحانه، وعندما طفت بالبيت تيقنت أني هارب منه إليه، عائذ من غضبه بلطفه، ومن عقابه برجاء رحمته، وعلمت أنه أكرم مقصود، وأعظم مأتي، فتيقنت أني لا أخيب بين يديه، وإن عظمت سيئاتي لأني قد وفدت على كريم لا يبخل:

وفدت على الكرام بغير زاد         من الحسنات والقلب السليم

وحمل الزاد أقبح كل شيء          إذا كان الوفود على كريم

عندما لامست الحجر فعاهدت الله ألا أنقض بعدها عهدي معه بالآثام وملامسة المعاصي، وعندما وقفت عند مقام إبراهيم تذكرت نداءه ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الحج: 78). فنويت أن أكون ابنًا بارًا لهذا الأب العظيم الرحيم.

ورأيت أن أطفئ نيران ظمئي برشفة ماء من بئر زمزم، فعندما أشرفت عليها تيقنت أني أشرفت على ينبوع الطاعة المفضي إلى غض الطرف عن كل محرم، وتوجهت بعدها مترددًا في سعيي بين الصفا والمروة، وأنا أتقلب بين الخوف والرجاء ولسان حالي يخاطب رب البيت بلغة الضمير:

أتتركني يا سيدي هكذا مكتويًا بنار الشوق إليك، والخوف منك؟ ما هكذا الظن بك ولا المعروف من فضلك، فتذكرت قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).

فأنزل الله على كل وجودي مزنًا من برد عفوه، فخرجت راضيًا إلى منى ومناي رضاه، ووقفت بعرفة وقد عرفت أن من وقف بعرفة وظن أن الله لا يغفر له فلن يغفر له، وطالعت جبل الرحمة، فعلمت أن الله يرحم كل مؤمن ومؤمنة، وأنه ولي كل مسلم ومسلمة، وفي «نمرة» غمرني إحساس رهيب يهزني بقوة ليقول لا تأمر حتى تأتمر، ولا تزجر حتى تنزجر، وعندما مشيت بمزدلفة ولقطت منها الحصى غامرني الشعور بضرورة رفع كل معصية وجهل عن نفسي، وتثبيت كل علم وعمل في لوح وعيها، وعندما مررت بالمشعر الحرام أشعرت قلبي إشعار أهل التقوى والخوف من تجاوز حدوده.

وحينما رميت الجمار نويت رمي الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وكل سوء، وحينما حلقت الرأس أحسست بذهاب الإصر والأغلال وكأني قد خرجت من ذنوبي كيوم ولدتني أمي، وحين صليت في مسجد الخيف أوحت لي أجواء خيفته بألا تخاف إلا الله وذنبك، ولا ترجو إلا رحمته ولطفه، وعندما ذبحت الهدي خيل إلي أني مدعو إلى ذبح الطمع وحب الدنيا، وعندما رجعت إلى مكة وطفت فيها طواف الإفاضة، أدركت أن روحي التي بين جنبي قد أفضت إلى رحمة الله، ورجعت إلى طاعته، وتمسكت بوده، وأديت فرائضه، واقتربت منه أو تقربت إليه.

عندها بكيت ولست أدري هل كان بكاء رضا، أم بكاء شوق، أم بكاء خوف من نقض العهد والعودة منه لا إليه، بيد أن قوة رجائي كانت أكبر من خوفي، وطمعي في أن تشملني رحمته كان كما كانت تلك الرحمة أوسع من ذنوبي وآثامي وخطاياي وضمير يصرخ راجيًا: «إلهي من لي غيرك، إلهي من لي غيرك؟».

 

الرابط المختصر :