العنوان إيران هي التي تقبض على مقاليد الأمور في سورية
الكاتب أليكس فيشمان
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 2026
نشر في الصفحة 26
السبت 10-نوفمبر-2012
ترجمة: جمال خطاب
- بعد عشرين شهرًا من بدء الاضطرابات أصبح «الأسد» لا يسيطر إلا على أقل من ٥٠% من مساحة سورية.
- في كل يوم يفقد «الأسد» ما بين ٢٥ - ٣٠ عسكريًا بعضهم ضباط كبار.
- مستشارو «الأسد» الحقيقيون الآن هم ولون إيرانيون كبار بينهم رجل مركزي إيراني يقيم بصورة دائمة في دمشق.
التقى الرئيس «الأسد» في الأشهر القليلة الماضية مسؤولين كبارًا من «الصليب الأحمر»، ومبعوثين آخرين من دول غربية ومن دول غير عربية وآخرين، بمبادرات ذاتية، والجميع أسمعوه أفكارًا للتسوية مع الأمريكيين و«إسرائيل»، لكنه ظل يرفض كل المبادرات.
فقد أصبح أسدًا مختلفًا متعلقًا تمامًا بالإيرانيين، ولم تعد إسرائيل ولا الولايات المتحدة تعنيه، وقد كانت الرسالة الأخيرة التي وصلته من الكيان الصهيوني عبارة عن تهديد مباشر بهجوم عسكري، وحدث ذلك قبل عدة أشهر، حينما لاحظت جهات استخباراتية أمريكية أن واحدة من منشآت النشاط غير التقليدي للجيش السوري سقطت بالفعل في أيدي الثوار، وحذرت الإدارة الأمريكية السوريين من أنهم إذا لم يعيدوا الوضع إلى ما كان عليه فسيواجهون هجومًا عسكريًا أمريكيًا - «إسرائيليًا» ماحقًا.
وكان التهديد المباشر مصحوبًا بتصريحات مسؤولين كبار من الإدارة الأمريكية وجهاز الأمن «الإسرائيلي»، ولقد حذروا من احتمال تسرب سلاح كيماوي سوري إلى جهات إرهابية، وفهم «الأسد» الرسالة فورًا، وأعاد جيشه السيطرة في الحال على المنشأة، وقام بنقل بعض مواد القتال الكيماوية إلى منشآت جديدة، وفصل خبراء سوريون المواد المختلفة بعضها عن بعض كي لا يمكن استعمال المركب الفتاك، وتم إفراغ المستودعات في المناطق التي يخشى فيها فقدان السيطرة عليها، وهذا ما يكرره «الأسد» في مناطق أخرى يفقد السيطرة فيها، حيث تنقل مستودعات السلاح الإستراتيجي والصواريخ الثقيلة، إلى أماكن أخرى يستطيع الجيش السوري حمايتها.
الشيء الأهم
لم تعد سورية اليوم تشكل تهديدًا عسكريًا مباشرا لـ«إسرائيل»، فما بقي منها هو احتمال تهديد في المستقبل، ولهذا أصبحت المتابعة الاستخباراتية لما يحدث هناك تختلف عما كانت عليه في الماضي، فأصبحت متابعة تسرب السلاح الإستراتيجي من سورية اليوم أهم من حصر وعد الدبابات السورية في هضبة الجولان، وأصبح الشيء الأهم أن يعلم ما الذي تفعله تلك الوحدات من نشطاء الإسلام المتطرف - كما يدعي الكاتب - التي أنشئت في إطار جيش الثوار، وما الذي يحدث في مناطق التماس القريبة من حدود «إسرائيل» التي لم تعد تحت سيطرة جيش «الأسد».
اليوم، وبعد عشرين شهرًا من بدء الاضطرابات، أصبح «الأسد» لا يسيطر إلا على أقل من ٥٠% من مساحة سورية والمعابر الحدودية مخترقة تمامًا، وانشق أكثر من ١٠% من الجيش السوري النظامي ما بين ٣٠ - ٤٠ ألف شخص، وقتل أكثر من ٣٧ ألف سوري، منهم حوالي ثمانية آلاف جندي وفرد من أفراد قوات الأمن، وفي كل يوم يفقد «الأسد» ما بين ۲۰ ٢٥ عسكريًا، بعضهم ضباط كبار، ومنذ أبريل من العام الحالي لم يعد الجيش السوري يتعب نفسه بنشر أعداد القتلى، فالجيش السوري لم يتحمل هذا العدد من الإصابات في أي حرب، وهناك قرى علوية في كل واحدة أقل من ألف ساكن خسرت ما بين ثلاثين إلى أربعين من أبنائها، ويلفها حداد وحزن ثقيل ولهذا يضطر الجيش السوري إلى تجنيد قوات الاحتياط وإنشاء عصابات مسلحة محلية، وقد أرسل «حزب الله» مئات المحاربين ليحلوا محل جنود سوريين في حراسة منشآت إستراتيجية وحماية المناطق العلوية من هجمات الثوار.
وقد فهمت أجهزة الاستخبارات في «إسرائيل» أن سورية التي عرفناها على مدار ثلاثين سنة لم تعد موجودة، فقد كانت الاستخبارات في «إسرائيل» في ٢٠٠٧م تستطيع أن تحلل صورة اتخاذ القرارات في الجانب السوري، والآن لم يعد معروفا من الذي يشاوره «الأسد»، فقد تم قتل كثير من مستشاريه في خلال الاضطرابات، وحل محلهم آخرون، لكن وزنهم النوعي مختلف فمستشاروه الإستراتيجيون الحقيقيون هذه الأيام هم مسؤولون إيرانيون كبار، يصوغون معه الإجراءات العسكرية والسياسية، بينهم رجل مركزي إيراني يقيم بصورة دائمة في دمشق قريبًا من أذن «الأسد»، وعدد من كبار مسؤولي «حزب الله»، منهم «نصر الله» نفسه.
وقد أنشؤوا له الإستراتيجية التي تقول: إنه يجب للحفاظ على النظام بقمع التمرد بالقوة، وفصل الضواحي عن المدن، وبذل كل جهد كي لا تسقط أي مدينة كبيرة في أيدي المتمردين، فإذا سقطت حلب نشأ تواصل مناطقي للمتمردين مع تركيا، ونشأت قاعدة صلبة للانطلاق نحو دمشق، وهذا التطور قد يخل بالتوازن الموجود فيه الجانبان منذ فبراير من هذا العام.
والواقع أن تعلق «الأسد» بإيران تعلق نفسي أكثر من أن يكون عسكريًا واقتصاديًا ففي اللحظة التي يوقف الإيرانيون فيها رعايتهم له سيتلاشى «الأسد»، والإيرانيون يعلمون ويفهمون تمامًا أن «الأسد» حصان ميت لكنهم يريدون الاستمرار في التمسك بسورية بكل ثمن، وحينما يجدون وريثًا يخدم مصالحهم، فسيضطر «الأسد» إلى الانصراف.
في الوقت الذي لا يترك الجيش السوري حجرًا فوق حجر، حيث أصبحت مدن كثيرة مدن أشباح بعد أن نفذ فيها تطهير عرقي بشع، وخربت قرى سنية في المناطق العلوية وأخليت من سكانها، وهذا أيضًا ما فعله السنة بالعلويين في بعض أحياء المدن المختلطة، حيث أصبح في سورية اليوم أكثر من مليون مهجر، ويقيم في الأردن حوالي ۱۸۰ ألف لاجئ سوري، وفي لبنان ٩٠ ألفًا، وفي تركيا ١٢٠ ألفًا.
وقد أعلن الأتراك أنهم لا يريدون الاستمرار في استيعاب لاجئين بلا تحديد ويلحون على الأمريكيين أن يطبقوا حظر طيران في مناطق معينة في الدولة من أجل إنشاء مخيمات للاجئين في داخل سورية والأتراك يهددون كثيرًا، ولكنهم يحاولون الامتناع عن أي مواجهة عسكرية مسلحة مع سورية؛ لأن السوريين ما يزالون يمسكون بورقة لعب رابعة: وهي ورقة الأكراد، وقد منح «الأسد» الأكراد أخيرًا مناطق ذات حكم ذاتي في داخلها على الحدود التركية، وفي كل مرة يهدد الأتراك سورية يقوم الأكراد بمواجهتهم من داخل تلك المناطق، وفي الشهرين الأخيرين فقط سقط للأتراك ۷۰ شخصًا في معارك مع الأكراد، وهذا هو سوط «الأسد».
وعندما زار رئيس شعبة الاستخبارات اللواء «أفيف كوخافي» هضبة الجولان مؤخرًا، ورفع المنظار ناحية القنيطرة، رأى صورة استخبارية تختلف كليًا عما عرفه عندما كان قائد لواء المظليين أو رئيس لواء العمليات، فلم ير هناك اللواء ٩٠ السوري الذي عرفه، ولم ير التحركات السورية العادية التي اعتادها الكيان الصهيوني لعشرات السنين، وقد نظر إلى المنطقة التي حظيت في الجيش الإسرائيلي بالنعت المعدل «منطقة حدودية».. والواقع أن هضبة الجولان هي في الحقيقة ركن بعيد في الصراع السوري الداخلي، إلا أنها تحكي قصة سورية كلها مع التهديد الكامن فيها.
فالقنيطرة والقرى التي حولها يديرها اليوم مجلس عسكري مؤلف من ثلاثة أطر لوائية مستقلة للثوار، ويوجد في البلدة المركزية في محافظة القنيطرة، وهي جبتا الخشب التي تقع على بعد كيلومترين فقط من الحدود، ولواء «الفرقان» التابع للثوار وهي قوة إسلامية «سلفية» عددها بضع مئات من الأشخاص احتلت القرية في يوليو من العام الحالي، وهناك لواء آخر للثوار هو «نسور الجولان»، مؤلف من سكان المكان ومنشقين آخرين، وإلى جانبه «لواء الصحابة»، وهو ذو توجه إسلامي واضح، وهذا المجلس العسكري وعدده بضعة آلاف من المسلحين يواجه الجيش السوري الذي يحاصر محافظة القنيطرة، ويستعمل المدافع موجهة على تجمعات الثوار في البلدات والقرى وقرب الحدود مع «إسرائيل»، وبين أن وآخر تسقط قذيفة ضلت الطريق في داخل «إسرائيل».
برج ينهار
سورية برج ينهار، وتتناثر منه وتتساقط الكسور هنا وهناك، وما بقي البرج يهتز بشدة، ووضع الكيان الصهيوني الأمني في مواجهة هذه الجبهة أفضل الآن، ولكن البرج قد ينهار محدثًا دويًا هائلًا، وعندما ينهار - تتوقع الاستخبارات العسكرية أن يحدث هذا العام - عندها قد نواجه أسئلة ليس لها جواب الآن، وهي:
ماذا ستفعل تلك الألوية السلفية الموجودة على بعد كيلومترين عن حدود «إسرائيل» بعد سقوط «الأسد»؟ وهل ستنزع سلاحها ويعود المقاتلون إلى المساجد، أو تصبح سورية أرضًا للعصابات المسلحة؟ وهل ستنشب حرب أهلية بين الطوائف المختلفة؟ وفي أيدي من ستقع مستودعات السلاح غير التقليدي والسلاح التقليدي له الأسد؟ ومع من ستتحدث كل من إسرائيل والولايات المتحدة هناك؟ هذا واحد من التحديات الأمنية الأكثر تعقيدًا وإلحاحًا، والذي ستضطر إلى مواجهته أي حكومة تنشأ في «إسرائيل» بعد الانتخابات.
[1]صحيفة «يديعوت أحرونوت»١٩/١٠/٢٠١٢م