العنوان إيران: هل التعددية الحزبية تحل مشكلة النظام؟
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989
مشاهدات 48
نشر في العدد 901
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 24-يناير-1989
- التحديدات الطائفية تجعل أسباب الصراع خارج المصالح
العليا للدولة.
أذاعت وكالات الأنباء- نقلًا عن مصادر إيرانية رسمية- بأن أكثر من ١٩ مجموعة وجمعية تقدمت في الأسبوع الماضي بطلبات للحصول على ترخيص رسمي لتأسيس أحزاب سياسية، إثر إعلان وزير الداخلية الإيراني علي أكبر محتشمي في التاسع من الشهر الحالي عن تطبيق قانون تأسيس الأحزاب الذي أقره مجلس الشورى في عام ۱۹۸۱، استنادًا لما نصت عليه المادة ٢٦ من الدستور الإيراني، وظل هذا القانون معلقًا دونما تنفيذ بسبب نشوب الحرب العراقية- الإيرانية، وأبرزت وكالة الأنباء الإيرانية الشرط الأساسي لتأسيس الأحزاب من حيث الالتزام المبدئي بأنه «الولاء الدستور الدولة الإسلامي»، وفي غضون ذلك تقدمت عدة قيادات سياسية من رجالات الحكم والمعارضة طالبة تأسيس أحزاب، وفي مقدمة هؤلاء رئيس الجمهورية علي خامنئي متمسكًا بحزبه القديم الذي جمد نشاطه في الفترة الماضية «حزب الجمهوري الإسلامي».
كما تقدم رئيس مجلس الشورى هاشمي رفسنجاني بإنشاء الحزب الإسلامي التقدمي، وأما رئيس الوزراء الإيراني مير موسوي فيريد تأسيس التجمع الإسلامي الديمقراطي، إيمانًا منه بالنهج الشمولي ذي العلاقة المركزية في التوجيه كما هو قائم في الأحزاب المركزية في البلاد الاشتراكية عمومًا، وفي جانب المعارضة الإيرانية فقد تقدم كل من المهندس مهدي بازركان زعيم حركة تحرير إيران، والدكتور نظام الدين قهاري زعيم حركة جاما، والذي اغتيل زعيمها السابق الدكتور كاظمي سامي في نوفمبر الماضي، كما تقدم أيضًا المهندس لطف الله معصمي زعيم مجاهدي خلق «جناح ليبرالي»المنشق عن حركة مجاهدي خلق، والذي يقود جناحها الآخر مسعود رجوي.
والجدير بالذكر أن إيران شهدت على مدى القرن الحالي مؤسسات حزبية واسعة، إلا أنها لم تحقق «رواجًا» سياسيًا بالقدر الذي يتناسب معها، كما أن فترة قيام الثورة أتاحت المجال للنشاط الحزبي، ألا أن قيام الحرب حال دون تأصيل الحزبية كنظام سياسي في ظل ولاية الفقيه.
التعددية الحزبية والمرحلة
الدعوة للتعددية السياسية لم تعد أمرًا مستغربًا في الفترة الأخيرة، وكأنما هناك تبادل بين «بركات» الوفاق الدولي وعدوى التعددية السياسية، سيما في المنطقة العربية الإسلامية، غير أن الأوضاع المرحلية في إيران بالغة التعقيد، بالرغم من توقف الحرب التي طالت طموحات وأماني الثورة الإسلامية بالقدر الذي استنزفت فيه الموارد والمخططات السياسية.. فإيران حاليًا تعيش أجواء «النقاهة»، وفي نفس الوقت تشهد مراكز التوجيه فيها أزمة تفاعل وصراع، وتنافس داخلي بين قادة الجناح المتشدد الراديكالي والجناح الانفتاحي العملي «البرغماتي»، ويقود الفئة الأولى مير حسين موسوي رئيس الوزراء بدعم من أحمد الخميني «ابن الإمام»، وأما الجناح العملي الانفتاحي ذو السطوة الواسعة في الآونة القريبة، فهو تحت إمرة هاشمي رفسنجاني رجل إيران القوي كما يحلو لأجهزة الإعلام الغربي أن تصفه بذلك.
ومرحلة البناء التي تتطلع القيادة الإيرانية على ارتيادها فهي معركة صعبة للغاية في ظل الأوضاع السائدة محليًا وإقليميًا ودوليًا، فإيران الثورة لم تنس أنها تبشر بمفاهيم وقيم سياسية ودينية، تتصادم في مجملها بالمنظومة الدولية والإقليمية، كما أن التخلي عن تلك المفاهيم الثورية والسياسية سوف تفاقم من درجة الصراع الداخلي بين القيادة السياسية، فأكثرية التيار «الراديكالي» ترى ضرورة الاعتماد على الذات، وتنمية الموارد المتاحة من أجل بناء مستقل وذو طابع أصيل، بالرغم من إدراكها بأن ذلك يعني تأخير إنجاز المرحلة، وتطويل مشوار البناء، في حين أن التيار الانفتاحي العملي «البرغماتي» يرى أن الاستعانة الفنية بالخبرة الأجنبية لا يعد منقصة في قدرة الثورة، بل ربما يعد ذلك إدراكًا متقدمًا في فكر الثورة..
كما أن مرحلة البناء توجب التعاون مع المجموعة الدولية في إطار تبادل المصالح، وهو ما يجعل المبادئ والأفكار بمنأى عن «بازار» التنازلات، إضافة إلى أن الأوضاع الاقتصادية الموروثة من فترة القتال لا تبشر بنهوض ذاتي على وجه الإسراع، فالحرب استنزفت ما يتجاوز مائتي مليار دولار، كما أنها تسببت في دمار الأرض والإنسان، وأخرت كل مجال صناعي وإنتاجي، فالمراهنة على امتصاص آثارها في فترة وجيزة ودون الاستعانة بالآخرين تعتبر قفزة في الهواء، وهو ما يجعل التيار الانفتاحي يتمسك بمد يد التعاون مع الأصدقاء من أجل بناء دولة إيران، ويأتي هنا المبدأ الذي طرحه وزير الداخلية علي أكبر محتشمي بإطلاق حرية التكوينات الحزبية، وهو ما يدعو إلى ضرورة الربط بين التعددية السياسية ومستوجبات مرحلة البناء، أو بمعنى آخر لعل القيادة ترى أن التنفس عبر الأجهزة السياسية الرسمية ربما يأتي بنتائج أعظم مما هو كائن في دائرة الصراع داخل المؤسسة الحاكمة.
تجربة ونماذج
قبل قيام الثورة الإيرانية كانت الأحزاب السياسية في إيران تلعب دورًا رئيسيًا في إدارة الصراع ضد الشاه ونظامه، ولعل مما لا يمكن إنكاره من قبل القيادة الحالية ذلك الدور المميز الذي صاغته الأحزاب الإيرانية في اندلاع ونجاح الثورة ودونما تمييز؛ فقد اتحدت قوى اليسار الماركسي والتيارات الاشتراكية والأحزاب التحريرية «الليبرالية» والتيارات الإسلامية في تأجيج فورة الغضب الشعبي، والتسلح بالوعي الحركي؛ حتى بلغت الثورة مداها الذي أوصل القيادة الحالية لكراسي الحكم، لكن مما يستحيل استيعابه من قبل الثورة- التي تبنت التوجه الإسلامي- أن تتعايش مع تلك التيارات المتناقضة في إطار سياسي جامع واحد، لا سيما وأن كثيرًا من تلك الأحزاب تتنافر أطروحاته بصورة جذرية مع الأطروحات الإسلامية، كما هو الحال في مجاهدي خلق ذات المفاهيم التروتسكية وتصورات الثورة الدائمة، وحزب «تودة» الشيوعي الماركسي التقليدي، أو تلك التي ترى ضرورة اجترار التجربة الغربية الرأسمالية كما هو في دعوات حسن نزيه، أحمد مدني.
والأحزاب التي تبنت تلك الأطروحات تجد من الصعب أن تتبنى الثورة نهجًا واحدًا وغير قابل للحوار مع أطروحاتها، ولذا بدأ الصراع السياسي ينتقل من طور التناوش السلمي إلى التعارك المسلح، وهو ما دعا إلى تصفية التيارات الأكثر تناقضًا، والغريب أن حزب «تودة» الشيوعي الماركسي دخل حلبة الصراع في بداية الثورة مع التيار الإسلامي ضد التيارات اليسارية والليبرالية المنكرة للتوجه الإسلامي، وحينما جفت «تروس» التطاحن كان الفرز هو إبعاد التيار الماركسي وتصفية حزب «توده» ذي التوجهات القوية الصلة بالاتحاد السوفييتي، وقد استطاعت الثورة أن تجرم زعميه نور الدين كيانوري بالتعامل مع الأجانب ضد المصلحة الوطنية الإيرانية «التجسس والعمالة»، وبتصفية الحزب الشيوعي الإيراني «تودة» انزوت التيارات المناوئة لمبادئ الدولة الإيرانية، وخلت الساحة السياسية لأحزاب التيارات الإسلامية.
وعندما صاغت لجان مجلس الشورى التشريعية الدستور الإيراني ضمنته شروطًا واضحة بشأن تأسيس الأحزاب وتكوينها، ونصت القوانين المنظمة لذلك على ضرورة التزام الحزب بالدستور والقيم الإسلامية، وأن يلتزم بمبدأ ولاية الفقيه «ريادة المؤسسة الدينية»، الدولة الإيرانية بذلك تريد أن تتجاوز حيثيات التجربة المرة للحزبية السابقة التي ورثتها من نظام الشاه التسلطي ذي القيادة الصنمية الجامدة، وبالطبع فهي ليست مسؤولة عن ظروف الإفرازات الماضية، ولكنها بالضرورة لا بد من أن تقنن لمؤسسات أجهزتها السياسية التي سوف تضطلع بتأهيل مبادئها ومفاهيمها في الدولةوالنظام والعلائق الخارجية.
الأحزاب والمعارضة
يعد النشاط الحزبي ضمن التعددية السياسية مدخلًا جيدًا لإشعار الجماهير بالمشاركة في القرار السياسي، وهو ما يوفر في أحيان كثيرة درجة من الشرعية السياسية والشعبية للنظام القائم، كما أنه من جانب آخر يوفر قدرًا ليس بالقليل من متبني المرافعة عن سياسات الحكومة ومشروعاتها، مما يمتص تراكمات الغضب والسخط على الأخطاء الحكومية، وكثيرًا ما تلجأ دول العالم إلى طرح التعددية الحزبية من باب تكوين قناعات شعبية بواسطة مؤيدي الحزب أو الأحزاب الحاكمة.. وغالبًا ما تنجح سياسة التعددية السياسية عندما تكون هناك مقومات دولة ناضجة ومؤسسة النظام الاقتصادي.
وفي إيران تجد القيادة الحالية أن الأوضاع الاقتصادية قد أتت عليها آثار الحرب المدمرة، كما أن الرأسمالية الوطنية «البازار» تطمع في سياسات انفتاحية مرنة تأخذ في حساباتها التضحيات الكبيرة التي قام بها رجال «البازار» في فترة الثورة وفترة الحرب أيضًا، وهو ما يجعل الرأسمالية الإيرانية تسعى لفك التوجه المركزي في الاقتصاد، والتحلل من الشمولية الضابطة لحركة السوق، وهنا يأتي دور الأحزاب في مقدرتها الانفتاحية على تبني المصالح لدى طبقات الشعب المختلفة، وإن كانت الطبقات المستضعفة في إيران تجد اهتمامها في أدبيات الثورة الإيرانية ورعاية الحكومة لها؛ فإن طبقة الرأسماليين ورجال السوق «البازار» يجدون ضالتهم في الانفكاك من طوق التداول المركزي، وهم أقدر بالطبع في توجيه الأوضاع السياسية طالما بقيت قدراتهم الاقتصادية.
ومن جانب آخر فإن التناحر داخل المؤسسة الحاكمة بين القيادات السياسية بعد عملا غير شرعي، كما أنه لا يتصف بالنزاهة التي توفرها المؤسسات التعددية، وهو في جانبه الشعبي يزعزع ثقة رجل الشارع البسيط في القيادة، ولهذا فإن الأحزاب السياسية يمكن أن تحول تلك الصراعات إلى عمل شرعي ترعاه قوة الدستور، وتنظمه مواد القانون، وتجعل نظرة الشعب إليه تنطلق من منطق البقاء للصالح، ومن جهة أخرى فإن قيام الأحزاب سوف يربط التجربة السياسية بالحزب الحاكم، وهو ما يجعل التبني المشروعي ليس للدولة وإنما للحزب، وإذا ما فشل في أداء الدور المناط فإن الفشل قابل للإصلاح دونما تعريض أجهزة الدولة لتحمل عقدة الذنب؛ حيث إن الذنب جنته سياسات الحزب الحاكم.... إضافة إلى أن التعددية الحزبية سوف تزيد من درجة الالتفاف حول أطروحات الثورة الإيرانية، وتسحب بالتالي البساط من تحت أقدام المعارضةمنها والسياسية «مجاهدي خلق- مسعود رجوي» أو «الملكيين» دعاة عودة النظام الملكي، أو المعارضة الخارجية «بختيار، مدني» أو الحركات الانفصالية «الأكراد والأذربيجان»، لا سيما وأن محاولة استعادة بني صدر رئيس الجمهورية الأسبق «وحلفائه» كانت مشروطة بتحقيق ديمقراطية حقيقية.
الأحزاب والحرية
إن العمل الحزبي المرشد يقود إلى حرية رشيدة، وما تتطلع له دول العالم الإسلامي هو تحقيق قدرة شورية متوازنة مع إحكام الوحدة الوطنية، والأحزاب قد توفر جوًا صالحًا إذا ما وجهت وفقًا لمبادئ الحرية والعدالة وتحقيق القيم الإسلامية، وهو ما يجعل أطر الحرية فيها لا تحد بالنظرة الإقليمية أو العنصرية، كما أنها أكبر من التحديدات الطائفية، مما يجعل أسباب الصراع خارج المصالح العليا للدولة، وبعيدة في الوقت نفسه عن العدالة ومقاصد الشرع القويم، وعودة الأحزاب في إطار الأوضاع الحالية تجعل أسباب الوحدة الوطنية رهينة بمدى المصداقية في تحقيق العدالة ورفع مستوى الحرية، وكلما كانت الأجواء معافاة من أسباب التعصب الإقليمي والعنصري والطائفي، كلما كانت أسباب الوحدة الوطنية أمتن في نفوس الشعب، لا سيما وأن التوجيه الإسلامي يفرض تحقيق العدالة حتى مع الأعداء طالما التزموا بحدود الشرف في خصومتهم، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (المائدة:8) .
- التحديدات الطائفية تجعل أسباب الصراع خارج المصالح
العليا للدولة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل