العنوان (18) مليون أفريقي ينتظرون الموت جوعًا
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 72
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
تناقضات العالم: رفاهية وظلم
أي شكل من أشكال التناقض استطاع أن يجمعه هذا العالم؟
وأي وجه من أوجه الظلم استطاع أن يمارسه ويقره المسيطرون على العالم؟
وأية أكذوبة كبرى تلك التي تروج للظلم باسم العدالة والإنسانية؟
عالم في أحد أطرافه تتسابق الدول في بناء أضخم وأفخم المتاحف، وتكرس لذلك المال والرجال، وتتسابق أيضًا في اختراع وتخزين أسلحة الدمار، وتكرس لذلك العقول والقدرات إضافة إلى الأموال، وتتسابق في قدرتها على المحافظة على مستوى اقتصادها، ولا تتورع عن إحراق آلاف الأطنان من الحبوب سنويًا في سبيل ذلك، وفي أحد أطرافه الأخرى يتساقط الأطفال موتى من الجوع، لا أحد يعبأ بهم كأنهم بعوض ليس إلا، ومن يعيش منهم ربما كان أقصى ما يطمع إليه هو وجبة دافئة تعيد إليه نبض الحياة.
نوع آخر من الحزن والألم أن يموت الأطفال جوعًا أمام أعين آبائهم وأمهاتهم، ونحن المسلمون مهما حاولنا التملص والابتعاد وإخلاء ساحتنا من المسؤولية نجد أننا نزداد منها قربًا؛ ذلك لأننا نحمل رسالة إنسانية، ونتجاهلها مع أننا لو حملنا أنفسنا ما يُناط بنا من أعباء لسمعنا صداها يتردد في أنحاء العالم كله، يتردد عدلًا، وتوازنًا، وانسجامًا، وتناسقًا تحت ظل تشريع واحد وأحكام واحدة، عالم لا ينام فيه أحدنا وجاره جائع.
المترجمة
الأصوات الحية في كينيا:
هنا في شمال شرق «كينيا» مجموعة من القش جمعت على شكل أكواخ، توزعت بالآلاف فوق التربة الحمراء الساخنة، تمثل بذلك الفراش الوحيد المتوفر لهياكل عظمية متحركة، لتقدم صورة لأسوأ ما يمكن أن تكون عليه المجاعة، وتكتمل هذه الصورة ببقايا الهياكل العظمية لحيوانات ماتت جوعًا.
إحدى الأمهات اضطرها الجوع إلى مغادرة المخيم الذي كانت تقيم فيه على الحدود الصومالية، فالتحقت بهذا المكان مَشيًا على الأقدام مع أطفالها الثلاثة الذين قتل الإرهاق والجوع واحدًا منهم أثناء الطريق، ولا يزال الصغير ينتظر ساعاته المتبقية والتي لا يتوقع أن تطول كثيرًا، هذا بينما الطفل الأكبر شاخص البصر لا يكاد يتماسك واقفًا.
أبطال هذه اللوحات القائمة في منطقة «فاكييري» كلهم صوماليون، إلا أنهم كينيون بناء على رغبة المستعمر البريطاني الذي أعاد تشكيل الحدود، يموت منهم يوميًا من (5 إلى 6) معظمهم من الأطفال، من إجمالي تجمع يقارب العشرة آلاف شخص حسبما يؤكد مسؤولو المنظمات الإنسانية.
المساعدات الغذائية: لا تسمن ولا تغني من جوع
يضطر المقيمون هنا لقطع طرق شاقة وسط الأشواك الصحراوية كل صباح، بخطى متثاقلة لا تكاد تتحرك؛ من أجل الوصول إلى أقرب مركز للتغذية، هناك حيث يجلس عشرات الأطفال أمام بناء من الصفيح ينتظرون توزيع الحصص: كأس حليب ومزيج من الدقيق والماء المطبوخ.
أما الأطفال المصابون بالدسنتاريا وهم كثير فما تلبث معدتهم أن تلفظ حساء الذرة، ثم ينبعث من أنفسهم الميتة، وعيونهم الذابلة، وشفاههم المنفرجة بكاء أليم، خافت، ضعيف ينذر بالنهاية القريبة، إنهم بحاجة إلى علاج، وهذا يتطلب وجود الإمكانيات اللازمة، أحد القساوسة الذين يوزعون بعض الحبوب والزيت في المركز يقول: «لقد فحصنا (139) طفلًا هذا اليوم فقط، معظمهم مصاب بسوء التغذية الحاد»، أما مسؤولة «الحركة ضد المجاعة» فترسم مخططًا لمرحلة مبدئية بقصد تأمين الغذاء لمساحة تمتد حتى الحدود الإثيوبية شمالًا، وهي مهمة تطويرية يرأسها أطباء من دول متنوعة، ومنظمة الصحة العالمية؛ حيث كشفوا عن فداحة المأساة التي تضرب شمال البلاد، والتي سيروح ضحيتها (280) ألف كيني أمام لا مبالاة الحكومة والعالم، على الرغم من البلاغات المتكررة من قبل المنظمات الإنسانية.
سياسة النعامة: تجاهل الواقع
كينيا على الرغم من البلاغات المهينة تقبلت المجاعة كواقع ملازم لها منذ زمن بعيد، إلا أن أقصى ما تفعله هو دفع التهمة عن نفسها باعتبار هؤلاء المساكين لاجئين صوماليين وليسوا كينيين، كنوع من الاستمرار في إغماض العينين، وتجاهل اتخاذ أية إجراءات أمام هذا الجفاف الذي سيستمر، وإذا كان الكل يعلم أنه سيستمر فماذا يعني الانتظار؟
إن مما يزيد الطين بلة، هو ذلك الكره العميق من نيروبي، المدينة الحديثة الكبيرة، من المواطنين الحضر لبدو الشمال، إضافة إلى غياب الحضور العالمي لضحايا المجاعة الذين يعانون في أوطانهم، هذا إضافة إلى ضعف الأنظمة المحلية، وإصرار كينيا على الظهور بمظهر الدولة المتضررة والصناعية والهروب من مواجهة واقعها، وأيضًا كون معظم الدول المجاورة تعيش حالة مماثلة: السودان، إثيوبيا، الصومال الذي تمزقه الحروب الداخلية، بالإضافة إلى الجفاف؛ مما يؤدي إلى تشرد مئات الآلاف، ففي مقديشيو وحدها يوجد أكثر من نصف مليون طفل وامرأة يتسولون في حقول الخراب والقمامة.
السيناريو المخيف: المستقبل المجهول
أما في الناحية الأخرى من خط الاستواء وحتى أفريقيا الجنوبية فيتصاعد عدد المهددين بالموت ليصل إلى (18) مليون نسمة في أفريقيا الجنوبية والشرقية، ويرجع العلماء سبب ذلك إلى الجفاف الناتج عن التلوث البيئي، حسبما جاء في مؤتمر جنيف الطارئ.
في هذه البقعة من الأرض تظهر اليوم كل مقومات سيناريو المجاعة التي سبق وظهرت في إثيوبيا والسودان: أسعار الذرة ترتفع، الفلاحون يغادرون أراضيهم ويلتحقون بالمدينة للبحث عن الطعام، مواسم القمح لهذه السنة ستكون نصف المعدل في كل دول المنطقة، بينما تنخفض صادرات الذرة في أفريقيا الجنوبية إلى ثلث المعدل الطبيعي، وهذا يعني تزايد حاجات المنطقة حيث ستصل إلى (11,5) مليون طن.
ولتلبية هذه الاحتياجات الضخمة خصصت الأمم المتحدة (4,5) مليار فرنك سيتم جمعها من الدول الغنية وأمريكا، وأمل وصول هذه المعونات يبقى ضعيفًا أمام عوائق عديدة، منها: صعوبة وصول وسائل النقل، سيطرة العصابات وقطاع الطرق، وانعدام الأمن، تعدد الكيانات المسيطرة كما هو حاصل في الصومال؛ حيث لا أحد يدري لمن سيتم إيصال المعونات بالتحديد.
والسؤال المطروح للمرة الألف هو: لماذا اليوم وفي هذا المكان هذه النظرات التي تذكر بقسوة الموت؟
لماذا هذا الشيخ الذي لا يجد ما يأكل سوى قطعة جلد نيئة بنية اللون أشبه بقطعة اقتُطِعت من عجلة سيارة انتزعها من أحد حيواناته الميتة؟
لماذا كل هذا بينما أوروبا وأمريكا تزرع أراضيها؟
ترجمة: ابتهال قدور عن الأوبسرفاتور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل