فقه العالم عند اشتباه الرايات

أبو العالية الرياحي.. العالم الذي حمل السيف وعرف متى يضعه

رجل يقف على سفج جبل بين فريقين في السهل امامه وكلا الفريقين يحمل راية مكتوب عليها "لا اله الا الله "

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أبي العالية الرياحي رفيع بن مهران(1)؛ حيث قال أبو خلدة: قال أبو العالية: لما كان زمان عليّ، ومعاوية، وإني لشاب القتال أحب إليَّ من الطعام الطيب، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان ما يرى طرفاهما، إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء، وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء، فراجعت نفسي، فقلت: أي الفريقين أنزله كافرًا؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم(2).

تكشف هذه الرواية عن واحدة من أدق لحظات النضج في شخصية أبي العالية الرياحي؛ فهي لا تتحدث عن رجل يكره القتال أو يهرب من ميادينه، بل عن شاب كانت الفروسية والحماسة جزءًا من طبيعته، ثم جاء العلم ليضع هذه القوة في موضعها الصحيح.

فأبو العالية لم يكن ضعيفًا أمام الخطر؛ فقد عرف ميادين الجهاد والفتح، وكان من أهل البذل والمشاركة، لكن الفرق بين العالم وغيره أن العلم لا يزيده اندفاعًا فقط، بل يمنحه القدرة على التمييز؛ متى يكون الإقدام عبادة، ومتى يكون الكف عبادة.

وهنا تظهر قيمة الفقه الحقيقي؛ فالعالم لا يستخدم قوته لمجرد القدرة عليها، ولا يدخل كل معركة ترفع فيها الرايات، وإنما يسأل أولًا: هل هذا هو الموضع الذي أمر الله فيه بالبذل؟ وهل هذه هي الطريق التي تحفظ الدين وتحقق مقصده؟

كيف ضبط العلم الشجاعة والحماسة النفسية؟

يبدأ أبو العالية روايته بعبارة شديدة الصراحة: «وَإِنِّي لَشَابٌّ القِتَالُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ»، وها هنا جملة مفتاحية تنتزع عنه صورة الإنسان الذي انسحب بسبب الخوف أو ضعف العزيمة؛ فهو يقر بأن في نفسه ميلاً طبيعياً إلى الحركة والإقدام، وأن الحماسة كانت جزءاً من شبابه، لكن القوة الحقيقية ليست في اتّباع الهوى وما تميل إليه النفس، بل في جعل العلم والشرع قائداً لها؛ قال الله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) (الشمس)، فالتزكية ليست إلغاء الدوافع البشرية، بل تهذيبها وتوجيهها بالميزان الإيماني، وقد كان أبو العالية يملك شجاعة القتال، لكنه لم يسمح لهذه الشجاعة أن تتحول إلى اندفاع بلا بصيرة.

ويؤكد التابعي الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر هذا التوقف عند ورود الشريعة؛ حيث كان مغلباً الفقه والحذر على الاندفاع والرأي، وكان إذا سُئل عما لا يجزم بشرعيته أو يخشى الفتنة فيه قال: «إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ، وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ»(3)؛ ليرسخ أن كف النفس وتوقيف الحماسة عند عدم استبانة الحق هو عين الفقه والورع.

لماذا لا تكفي النية الصالحة للمعركة؟

يقول أبو العالية: «فَتَجَهَّزْتُ بِجَهَازٍ حَسَنٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ»، لقد اتخذ الأسباب كاملة، واستعد للمعركة، ولم يكن موقفه الأول مبنياً على التردد، وها هنا يظهر معنى تربوي جليل؛ أن حسن النية وكمال الإعداد لا يكفيان وحدهما للحكم على صحة الفعل، بل لا بد من تمحيص طبيعة الميدان نفسه ومآلاته، فقد يدخل الإنسان موقفاً وهو يبتغي نصرة الحق، لكنه يفتقر إلى سؤال أعمق: هل الصورة واضحة؟ وهل الطرف المقابل عدو ظاهر أم مسلم له تأويل واجتهاد وشبهة؟ وهذا هو الفارق الدقيق بين الحماسة المجردة والبصيرة الشرعية.

ويتجلى ذلك في مسلك الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل؛ حين قدم التريث وفقه المآلات الميدانية على ظواهر الحماسة، ونهى جنده عن إيقاد النار في البرد الشديد حمايةً للجيش، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أقر تدبيره.

ويروي ابن أبي شيبة في مصنفه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في غزوة «ذات السلاسل» فأصابهم برد شديد فقال: لا يوقدن رجل نارًا، ثم قاتل القوم، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فقال: يا رسول اللَّه، كان في أصحابي قلة، وخشيت أن يرى القوم قلتهم، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين من وراء الجبل، قال: فأعجب ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم(4).

ويصور الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ضرورة تمحيص الميدان بالدليل الصريح والوقوف عند الشبهة: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَطِيعُونِي تَكُونُوا جُرْثُومَةً مِنْ جَرَاثِيمِ العَرَبِ، يَأْوِي إِلَيْكُمُ المَظْلُومُ وَيَأْمَنُ فِيكُمُ الخَائِفُ، إِنَّا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمُ بِمَا سَمِعْنَا؛ إِنَّ الفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَإِذَا أَدْبَرَتْ بَيَّنَتْ، وَإِنَّ هَذِهِ الفِتْنَةَ بَاقِرَةٌ كَدَاءِ بَطْنٍ.. شِيمُوا سُيُوفَكُمْ(5)، وَقَصِّدُوا رِمَاحَكُمْ(6)، وَأَرْسِلُوا سِهَامَكُمْ، وَاقْطَعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا بُيُوتَكُمْ.. اسْتَنْصِحُونِي وَلاَ تَسْتَغِشُّونِي، وَأَطِيعُونِي يَسْلَمْ لَكُمْ دِينُكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَيَشْقَى بِحَرِّ هَذِهِ الفِتْنَةِ مَنْ جَنَاهَا»(7).

وهذا النص الصريح من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يرسخ أصل العاصم في الفتن؛ حيث قرن الجاهزية العسكرية بأمر غمدها وقطع أوتارها عند اشتباه الميدان، فالبصيرة الشرعية تقتضي ألا يُسَلَّ السيف ولا يُخاض في الدماء إلا بيقين ناصع، وأن التريث والكف وقت الشبهة هو السلامة والدين.

كيف أوقفت الشعائر التكبيرية قرار القتال؟

كان التحول الحقيقي في نفس أبي العالية عند معاينة الواقع: «فَإِذَا صَفَّانِ مَا يُرَى طَرَفَاهُمَا، إِذَا كَبَّرَ هَؤُلاَءِ كَبَّرَ هَؤُلاَءِ، وَإِذَا هَلَّلَ هَؤُلاَءِ هَلَّلَ هَؤُلاَءِ»، هذه العبارة تختصر الأزمة بكامل أبعادها؛ فالمشهد لم يكن بين فريق يرفع شعارات الإيمان وفريق ينقضها، بل رأى رجل أمامه جماعتين تلتقيان في مظاهر العبادة والانتساب إلى التوحيد، ثم تستعدان للاقتتال، وههنا أعمل العلم عمله الحقيقي؛ إذ لم يعد السؤال: من الأقوى؟ أو مع من يسير الناس؟ بل أصبح السؤال الذي يختبر الضمير الإيماني: «أَيَّ الفَرِيقَيْنِ أُنْزِلُهُ كَافِراً؟»، فهو لم يجد في نفسه القدرة على إصدار حكم يجعل أحد الفريقين خارج دائرة الإسلام، ولم يرَ أن دخوله في القتال أضحى واضح المقصد.

ويتجلى هذا المشهد الحاسم في موقف الصحابي الجليل الزبير بن العوام رضي الله عنه «يوم الجمل»؛ حين التقى بعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فذكره عليّ بنص قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُقَاتِلُهُ وَأَنْتَ لَهُ ظَالِمٌ»(8)، فاستحضر الزبير حرمة دماء أهل القبلة، وترك المعركة وانصرف فوراً.

كيف يواجه العالم ضغوط الجماهير والاستقطاب؟

تظهر في هذا الموقف قاعدة محورية في شخصية أبي العالية: أن العالم لا يجعل ضغط الواقع والجماهير بديلاً عن الميزان الشرعي، فالفتن تمتاز بأنها تخلق حالة عارمة من الاستقطاب؛ حيث يصبح الناس مطالبين بالانضمام الفوري، ويشعر المتردد أنه متأخر أو متخاذل، لكن أبا العالية لم ينظر إلى كثرة الصفوف ولا إلى حماسة الناس، بل رجع إلى أصل المسألة ودليلها؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، فالتثبت عند اضطراب الأخبار والمواقف ليس ضعفاً، بل هو عين التقوى والورع.

ويتجلى ترك موافقة الجماهير بدون دليل في موقف الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين رأى أقواماً يجتمعون بالمسجد يعدون التكبير بالحصى، فأنكر كثرتهم وجماهيريتهم بالدليل: «تَعْلَمُونَ إِنَّكُمْ لأَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأَصْحَابِهِ، وإنَّكُمْ لَمُتَعَلِّقُونَ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ»(9).

استقلالية القرار الفردي عند اعتزال الفتن

من أعمق المراجعات في نفس أبي العالية قوله: «وَمَنْ أَكْرَهَنِي عَلَى هَذَا؟»، فهو لم يلقِ مسؤوليته على الجماعة، ولم يقل: «الناس خرجوا، أو القادة دعوا، أو البيئة فرضت عليَّ»، بل عاد إلى موقفه الفردي وسأل: هل أنا ملزم أصلًا بهذا الطريق؟ وهذه علامة استقلال العالم الرباني؛ فهو لا يتحرك لمجرد أن المجتمع يتحرك، ولا يدخل موقفاً لأن الآخرين سبقوه إليه، إن العالم الرباني يملك شجاعة مخالفة التيار السائد إذا رأى أن الدليل لا يسعفه.

ويتجلى هذا الاستقلال والورع عن ضغوط أهل الدنيا والجماعة في موقف التابعي الإمام أبي حازم سلمة بن دينار رحمه الله؛ حين كتب معاتباً الإمام الزهري لانسياقه خلف أهواء الناس والأمراء، ومذكراً إياه بالمسؤولية الفردية أمام الله: فَانْظُرْ أَيَّ رَجُلٍ تَكُونُ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَسَأَلَكَ عَنْ نِعَمِهِ إِلَيْكَ كَيْفَ رَعَيْتَهَا؟ وَعَنْ حُجَجِهِ عَلَيْكَ كَيْفَ قَضَيْتَهَا؟ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ رَاضِيًا مِنْكَ بِالتَّعْذِيرِ وَلَا قَابِلًا مِنْكَ بِالتَّقْصِيرِ، لَيْسَ كَذَاكَ أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) (آل عمران: 187)(10).

يكشف هذا الاقتباس الحرفي الدقيق عن لُب المسؤولية الفردية التي اعتصم بها أبو العالية وأئمة السلف؛ فالعالم يوقن أنه مسؤول عن قراره وحده يوم القيامة، ولا ينفعه اعتذارٌ بضغط الواقع أو متابعة الجمع، مما يوجب عليه الاستقلال بشرعه ودليله مهما كثر المنقادون لسواه.

الفرق بين القتال المشروع وفتنة السيف

تكشف سيرة أبي العالية عن فهم دقيق لمفهوم الجهاد؛ فالجهاد ليس مجرد استعمال للقوة، بل هو عبادة لها شروطها ومقاصدها، فقد يكون القتال في موضعه نصرة صريحة للحق، وقد يكون في موضع آخر باباً لفتنة وسفك دماء لا تحقق مقصداً شرعياً، ولهذا كان العلماء يفرقون بين القتال الذي تكون فيه الراية واضحة والمقصد بيّناً، وبين القتال الذي تختلط فيه الدوافع وتشتبه فيه الأحوال، فالعالم لا يسأل فقط: هل أستطيع أن أقاتل؟ بل يسأل: هل يجب أن أقاتل؟ وهل هذا هو الموضع الذي يرضاه الله؟

ويرسخ الصحابي الجليل عمران بن حصين رضي الله عنه هذا التمييز الفقهي بقطع أسباب القتال في الفتنة، ويروي الإمام أبو داود في سننه والإمام البيهقي في سننه الكبرى أمره ونهيه: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ السِّلاَحِ فِي الفِتْنَةِ»(11)، وهذا ما عرف عنه حتى اثبته البخاري في صحيحه: «وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الْفِتْنَةِ»(12)، يجسد هذا النص النبوي وتطبيق عمران بن حصين رضي الله عنه حقيقة المفهوم الشرعي للجهاد؛ فهو ليس مطلق تحريك للسلاح أو إظهار للقوة العسكرية، بل هو عبادة معللة بحراسة الدين وإعلاء كلمة الله ضد الأعداء الظاهرين، وحين تنحرف الرايات وتتحول المعارك إلى اقتتال بين أهل القبلة، يصبح كف السلاح وحظر تجارته وتجهيزه هو الواجب الشرعي والمقصد الأسمى للحفاظ على دماء المسلمين وصيانة معاقل الإيمان.

ويوضح الصحابي الجليل أيمن بن خريم الأسدي رضي الله عنه -وهو ابن الشهيد البدري خريم بن فاتك- هذا الفهم الدقيق للجهاد والقتال الشرعي حين كف سيفه وآلى على نفسه ألا يشارك في صراعات السلطة وقتال أهل القبلة، فعَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ: أَلَا تُقَاتِلُ مَعَنَا؟ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَعَمِّي شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَانِي أَنْ لَا أُقَاتِلَ، ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُولُ:

وَلَسْتُ بِقَاتِلٍ رَجُلًا يُصَلِّي       عَلَى سُلْطَانِ آخَرَ مِنْ قُرَيْشِ

لَهُ سُلْطَانُهُ وَعَلَيَّ جُرْمِي         مَعَاذَ اللهِ مِنْ فَشَلٍ وَطَيْشِ

أَأَقْتُلُ مُسْلِمًا فِي غَيْرِ جُرْمٍ      فَلَيْسَ بِنَافِعِي مَا عِشْتُ عَيْشِي(13)

يكشف موقف أيمن بن خريم والوصية البدرية التي اعتصم بها عن الفرق الجوهري بين القتال الشرعي المبتغى به وجه الله وبين الاقتتال السياسي؛ فالجهاد عبادة ضبطها الشارع بإعلاء كلمة الله ونصرة الدين، فإذا تحول الميدان إلى منازعة على أريكة السلطان ومكاسب الدنيا بين أهل الصلاة، تحولت الشجاعة الحقيقية والعبادة الفاضلة إلى كف السيف وصيانة الدماء المعصومة، ورفض التضحية بالآخرة لأجل دنيا غيره.

لماذا يعد التراجع عن الفتنة شجاعة؟

قد يرى بعض الناس أن رجوع أبي العالية عن الصفين كان ترددًا أو خوفاً من تحمل المسؤولية، لكن هذا التفسير السطحي لا ينسجم مع بقية سيرته؛ فهو الذي عُرف بحبه للقتال، وشارك بنفسه في الفتوحات الشرقية العظمى ورفع الأذان بما وراء النهر، ولم يكن ممن يفرون من مواطن الشدة، والأقرب أن موقفه كان نتيجة فقه عميق لطبيعة الفتنة؛ فقد رأى أن الإقدام يحتاج إلى يقين شرعي لا مجرد حماسة، فكان انسحابه نوعاً من الشجاعة العالية؛ شجاعة الوقوف أمام اندفاع النفس، وأمام ضغط الجمع، ليقول: لا أقدم حتى أتيقن أنه الحق الذي يرضي الله.

ويجلي الصحابي الجليل أهبان بن صيفي الغفاري رضي الله عنه حقيقة هذا التوقف الفقهي والاعتزال المبني على الوحي؛ إذ كسر سيفه واتخذ سيفاً من خشب زمن الفتنة امتناعاً عن القتال بين المسلمين، مبرهناً أن كفه لم يكن جبناً أو تخاذلاً، بل كان امتثالاً صريحاً لوصية النبي صلى الله عليه وسلم، ويروي الإمام أحمد في المسند بسند صحيح نص موقفه ومحاورته مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عَنِ ابْنَةِ أُهْبَانَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَتَى أُهْبَانَ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ اتِّبَاعِي؟ فَقَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي وَابْنُ عَمِّكِ، يَعْنِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ وَفُرْقَةٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَاكْسِرْ سَيْفَكَ، وَاتَّخِذْ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ»، فَقَدْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَالْفُرْقَةُ، وَكَسَرْتُ سَيْفِي، وَاتَّخَذْتُ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ(14).

يكشف هذا المسلك الميداني الصارم للصحابي أهبان رضي الله عنه عن عمق الانقياد للشرع واستقلال القرار الإيماني؛ فلم يمنعه مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا ضغط الواقع من التمسك بالوصية النبوية الحاضرة في ذهنه، لقد تحول كسره لسيفه الحديدي واتخاذه سيف الخشب إلى رمزيّة عملية بليغة لتعطيل أدوات القتال الداخلي؛ ليكون التوقف عن الخوض في دماء أهل القبلة هو عين الشجاعة، والاعتزال عن الشبهة هو الامتثال الحقيقي لوصية النبي صلى الله عليه وسلم وقت الفتن.

ويؤكد الصحابي الجليل العابد أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه حين امتنع عن الخوض في الفتنة، ويروي الإمام البخاري في الصحيح: عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ(15)، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا(16) فَالْقَاتِلُ(17) وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟! قالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»(18).

يجلي هذا النص الصريح موقف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صلابة الانسحاب الفقهي وتغليب النص الشرعي على حماسة القتال؛ فلم يكن كفّ السيف والرجوع عن الصفين ضعفًا ولا جبناً، بل كان شجاعةً إيمانيةً وضبطًا للنفس بالحديث النبوي الصريح، لقد جعل أبو بكرة رضي الله عنه العاصم من الفتنة هو التراجع والتوقف عند حرمة دم المسلم، ليغدو هذا الرجوع هو عين الفقه والورع الذي اقتدى به أبو العالية والتابعين.

سيطرة العلم الشرعي على اندفاعات السيف

تكشف هذه الرواية جانباً أصيلاً من شخصية أبي العالية؛ فلم يكن علمه مجرد محفوظات يُقرئها في المسجد، بل كان حاضراً في أكثر اللحظات حرجاً، فعندما كان القتال قريباً منه، حضر الفقه ليضبط حركة السيف، وعندما حضرت الحماسة، حضر التثبت ليحمي الدين والدماء، وعندما دعت النفوس إلى الانضمام، حضر سؤال المسؤولية الفردية أمام الله: «فَمَا أَمْسَيْتُ حَتَّى رَجَعْتُ وَتَرَكْتُهُمْ»، ولهذا فإن عظمة أبي العالية ليست فقط في أنه حوى العلم، بل في أنه ترك العلم يقود قراراته؛ فالعالم الرباني ليس من يحمل السلاح مطلقاً، ولا من يتركه مطلقاً، وإنما من يعرف متى يكون حمله عبادة، ومتى يكون تركه عبادة.

ويجسد الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه تحكيم العلم والفقه النبوي على القدرة العسكرية الميدانية؛ إذ ساق أحمد في مسنده الخبر: «عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: حَاصَرَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَصْرًا مِنْ قُصُورِ فَارِسَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَلَا تَنْهَدُ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ كَمَا كَانَ يَدْعُوهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَأَتَاهُمْ فَكَلَّمَهُمْ قَالَ: " أَنَا رَجُلٌ فَارِسِيٌّ وَأَنَا مِنْكُمْ، وَالْعَرَبُ يُطِيعُونِي، فَاخْتَارُوا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ تُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ غَيْرُ مَحْمُودِينَ، وَإِمَّا أَنْ نُنَابِذَكُمْ فَنُقَاتِلَكُمْ "، قَالُوا: لَا نُسْلِمُ، وَلَا نُعْطِي الْجِزْيَةَ، وَلَكِنَّنَا نُنَابِذُكُمْ، فَرَجَعَ سَلْمَانُ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالُوا: أَلَا تَنْهَدُ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقَاتَلَهُمْ فَفَتَحَهَا(19).

يكشف هذا الموقف لسلمان الفارسي رضي الله عنه عن كبح جماح القوة واقتيادها بزمام العلم والسنّة النبوية؛ فلم يدفعه اقتدار جيشه وجاهزيته إلى الاستعجال بالبطش، بل قدّم التثبت وعلم الشريعة والرفق والدعوة على اندفاع السيف، ليكون استعمال القوة محكوماً ومحاطاً بضوابط الشرع لا بفضول القدرة والشجاعة المجردة.

أبو العالية الرياحي لم يكن ليتقدم دون دليل كعادته

وتؤكد سيرة أبي العالية الرياحي أن العالم الرباني ليس من يقوده سلاحه أو تحركه حماسته، بل من يقود علمه قوته ويضبط الفقه قراره، فحين تختلط الرايات وتستعر الفتن، لا تصبح البطولة في مجرد سفك الدماء أو الانسياق خلف ضغط الجمع، بل تتجلى الشجاعة الحقيقية في القدرة على التوقف والتثبت، ومحاكمة الواقع لدليل الشريعة، لقد أدرك أبو العالية أن حراسة الدين وصيانة دماء المسلمين عبادةٌ تقدم على عواطف النفس، فكان رجوعه عن الصفين شهادة ناصعة على أن الفقه هو الذي يعطي السيف معناه، وأن حكمة التوقف عند الشبهة أرفع عند الله من إقدامٍ لا هداية فيه.

الهوامش
  • 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولى لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
  • 3 كتاب مسند الدارمي (1/ 237).
  • 4 كتاب المصنف، ابن أبي شيبة (18/ 528/ 5919)، وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1637)، وورد من حديث قيس عن عمرو بن العاص، أخرجه ابن حبان (4540)، وابن أبي عاصم في الآحاد (804)، وابن عساكر (2/ 27).
  • 5 شام السيف: أغمده.
  • 6 قصدوا رماحكم: اكسروها.
  • 7 كتاب الفتنة ووقعة الجمل، ص141.
  • 8 كتاب الأخبار الطوال، ص147.
  • 9 كتاب المصنف، عبدالرزاق (3/ 498/ 5564).
  • 10 كتاب سير السلف الصالحين (3/ 803).
  • 11 كتاب صحيح البخاري (3/ 184/ 2108).
  • 12 المرجع السابق.
  • 13 كتاب المعجم الكبير للطبراني (1/ 290/ 851).
  • 14 كتاب مسند أحمد (34/ 273)، وأخرجه الطبراني (864) من طريق أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة.
  • 15 يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
  • 16 في رواية أبي ذر، والحَمُّويي، والمُستملي: «بسيفِهما».
  • 17 في رواية أبي ذر: «القاتلُ» بإسقاط الفاء.
  • 18 كتاب صحيح البخاري (6/ 120/ 6875).
  • 19 كتاب مسند أحمد (39/ 149/ 3739).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة