مدرسة الكوفة القرآنية

أبو عبدالرحمن السلمي.. ومنهج التلقي القرآني في مدرسة الكوفة

أبو عبدالرحمن السلمي.. ومنهج التلقي القرآني في مدرسة الكوفة

مقال بعنوان: أبو عبد الرحمن السلمي.. ومنهج التلقي القرآني في مدرسة الكوفة، للشيخ خالد نفادي آل عبداللاه، بمجلة المجتمع

أبو عبدالرحمن السلمي، الإمام العلم، مقرئ الكوفة، عبدالله بن حبيب بن ربيعة، من أولاد الصحابة، إذ كان مولده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» أنه قال: «أخذنا القرآن عن قوم، أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم»، وعن تميم بن سلمة: أن أبا عبدالرحمن كان إمام المسجد، وكان يحمل في اليوم المطير.

ليست هذه الكلمات مجرد خبر عن طريقة قديمة في تحفيظ القرآن، بل نافذة على مدرسة كاملة في بناء الإنسان بالوحي، أبو عبدالرحمن السلمي لم يكن قارئًا عابرًا في تاريخ الكوفة، وإنما كان من كبار مقرئيها، امتد تعليمُه زمنًا طويلًا، حتى نقل أبو إسحاق أنه: «كان يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة»، وثبت في صحيح البخاري أنه أقرأ في إمرة عثمان رضي الله عنه حتى زمن الحجاج، إنها سيرة معلّم لم يتعامل مع القرآن بوصفه مادة تُنجز، وإنما بوصفه عهدًا يُتلقى ثم يتحول إلى واقع عملي ومنهج حياة.

كيف تتحول المعرفة إلى مؤسسة باقية؟

أبو عبدالرحمن السلمي لا تظهر قيمته في حدث عابر، وإنما في الاستمرار، فكم من إنسان يشتعل حماسًا في طليعة أيامه، ثم يخبو أثره، لكن ترجمة أبي عبدالرحمن تكشف عن رجل جعل تعليم القرآن مشروع حياته فرفعه القرآن إلى مرتبة الخيرية.

روى البخاري عن عثمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»(1)، ثم جاء في الرواية أن أبا عبدالرحمن أقرأ الناس من إمرة عثمان حتى زمن الحجاج، وقال: «وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا»، فالإقراء عنده لم يكن فضيلة تُروى فحسب، بل تكليفًا شخصيًا أعاد ترتيب حياته.

وهنا تظهر إحدى أعمق سمات القيادة التربوية: أن يتحول المبدأ إلى فكرة، والفكرة إلى واقع عملي ومنهج حياة، فالإنجاز الحقيقي ليس محصورا في المواقع الكبيرة التي يصفق لها الناس، وإنما قد يكون بالجلوس في زاوية مسجد، وتعليم جيل بعد جيل، وتكرار الحروف ذاتها للمبتدئين، وتصحيح أخطاء المتعلمين على مر السنين.

وفي زمن تتغير فيه الأحوال السياسية والاجتماعية بسرعة، يصبح وجود مؤسسة تعليمية ثابتة نوعًا من الحماية الحضارية، فقد تعاقبت على أبي عبدالرحمن مراحل مضطربة من تاريخ العراق، وبقيت حلقته قائمة؛ وكأن تعليم القرآن عنده كان خيطًا يصل الأجيال الأولى بمن بعدها مهما تغيرت وجوه السلطة وأحوال المجتمع.

وهذه رسالة شديدة المعاصرة للمؤسسات التعليمية والدعوية: فالأثر لا يُبنى بالمواسم وحدها، وأن ما يصنع الإنسان هو المنهج الذي يستطيع البقاء بعد انطفاء الحماس الأول.

لماذا كانوا يتعلمون عشر آيات ولا يجاوزونها؟

الجملة المركزية في خبر أبي عبدالرحمن قوله: «إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن»، ثم يفسر المراد بنفسه: «فكنا نتعلم القرآن والعمل به».

إنه انتقال واضح من ثقافة الكم إلى ثقافة التمثل والكيف، فليست القضية كم صفحة انتهى منها المتعلم، وإنما ماذا صنعت الآيات التي انتهى منها؟

ولهذا يلتقي منهجه مع معنى عظيم قرره المفسرون في قوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) (البقرة: 121)، قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)، فقال بعضهم: معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه، ورجح معنى الاتباع(2).

فالتلاوة التي مدحها القرآن ليست مجرد نطق صحيح، مع أهمية ذلك وفضله، وإنما هي تلاوة تحمل معنى الاتباع والانقياد، ولذلك كان السلف يربطون بين العلم والعمل، لأن العلم في التصور الإسلامي ليس زينة عقلية، بل هو مسؤولية وهذا يجعل «العشر آيات» منهجًا تربويًا قبل أن تكون رقمًا، فالطالب يأخذ قدرًا محدودًا، يفهم أمره ونهيه، ويختبر علاقته بنفسه وسلوكه، ثم ينتقل.

وهذا المعنى له نظائر في أخبار السلف؛ فقد ذكر الإمام مالك أنه بلغه «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُهَا»(3)، والبلاغ يعني: أنه مقطوع الإسناد في أوله، وعليه: فيكون الأثر ضعيفاً، والصحيح أنه مكث أربع سنين في تعلُّم سورة «البقرة»، وهو ما رواه ابن سعد في طبقاته بإسناد صحيح متصل عن ميمون عن ابن عمر(4).

قال الإمام الزرقاني: «ليس ذلك لبطء حفظه -معاذ الله- بل لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كراهة الإسراع في حفظ القرآن دون التفقه فيه، ولعل ابن عمر خلط مع ذلك من العلم أبواباً غيرها، وإنما ذلك مخافة أن يتأوله على غير تأويله، قاله الباجي(5).

واقع المحاضن التعليمية المعاصرة: في المدارس وحلقات القرآن والجامعات وبرامج التدريب يمكن أن يتكرر الخلل نفسه حين يصبح إنهاء المنهج أهم من أثره، فقد يحصل الطالب على درجات مرتفعة، ويحفظ نصوصًا كثيرة، لكنه لا يمتلك القدرة على استعمال ما تعلمه حين يحتاج إليه.

ولذا، فإن منهج أبي عبدالرحمن يعيد السؤال إلى موضعه الصحيح: ما الذي بقي في الإنسان بعد انتهاء الدرس؟

أبو عبدالرحمن السلمي وعلاج الفجوة بين ما نعرفه وما نعيشه

قول السلمي: «فكنا نتعلم القرآن والعمل به» يختصر أزمة إنسانية قديمة متجددة: أن تتسع المعرفة دون أن يتحسن السلوك أو يتغير الواقع، أو أن يسمع القول دون أن يرى الفعل؛ ولذا، قد جاء القرآن بالتحذير الشديد من هذا الانفصال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ {2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف).

لكن طريقة السلمي في معالجة هذه الفجوة ليست إقامة خطاب طويل في ذم التقصير؛ بل إعادة تصميم عملية التعلم نفسها، فمن البداية لا يُعد المتعلم قد انتهى من الوحدة القرآنية لمجرد أنه استطاع تلاوتها، لأن «العمل» جزء من مفهوم التعلم.

نقطة فارقة في التربية: كثير من البيئات ربما تعرف القيمة جيدًا لكنها تفشل في تحويلها إلى عادة، نعرف فضل الصدق، والصلاة، والعدل، وبر الوالدين، وضبط اللسان، وإتقان العمل؛ لكن المعرفة إذا بقيت معلقة في الذهن استطاع الإنسان مع الوقت أن يتعايش مع التناقض بين ما يؤمن به وما يفعله.

أما حين يكون التطبيق جزءًا من التعلم، فإن النص يبقى حاضرًا في القرار اليومي، تصبح آية الغيبة حاضرة قبل نشر الرسالة، وآية الأمانة حاضرة عند التعامل بالمال، وآيات العدل حاضرة عندما نختلف مع من لا نحب، وآيات الإحسان حاضرة داخل البيت لا في المنبر وحده.

وهنا يتضح أن منهجية «العشر آيات» لم تكن مبنية على بطء، بل على عمق.

خطر القرآن الذي يمر ولا يستقر

من أبلغ ما ورد في كلام أبي عبدالرحمن تحذيره من قوم «يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم»، إنها صورة قصيرة، لكن مبناها شديد الدلالة.

الماء سريع المرور، وقد يكون الشرب غزيرًا، لكن المشكلة التي يصورها السلمي أن القرآن يمر مرورًا لا يبلغ موضع التحول الداخلي، فالعبرة ليست بكمية ما دخل من الألفاظ، وإنما بمدى نفاذ المعنى.

وتلتقي عبارة «لا يجاوز تراقيهم» من جهة اللفظ والمعنى العام مع التحذير النبوي الوارد في شأن الخوارج، فعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرجُ في آخرِ الزمانِ قومٌ أحداثُ الأسنانِ سفهاءُ الأحلامِ يقرأونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ يقولونَ من قولِ خيرِ البريَّةِ، يمرقونَ من الدِّينِ كما يَمرُقُ السهمُ من الرَّمِيَّةِ»(6).

وهنا تبلغ الصورة قلب أزمة التدين الشكلي: فقد يكثر حضور النص في الصوت ويقل حضوره في القرار، وقد تتحسن التلاوة بينما يظل الخلق خشنًا، وقد تُنشر الآيات يوميًا دون أن تمنع صاحبها من ظلم أو غش أو عدوان.

إن الخطر الذي يخشاه الإمام السلمي ليس قلة القراءة، بل أن تتحول كثرة القراءة نفسها إلى وهم بالاكتفاء؛ فيظن الإنسان أن صلته بالوحي مكتملة لأنه أكثر من المرور على ألفاظه.

ولهذا كان منهجه الوقائي واضحًا؛ أبطئ الانتقال حتى يأخذ المعنى فرصته في النزول من التراقي إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك.

ومن هنا يكون المطلوب إعادة الصلة بين الحفظ ومعناه؛ يحفظ اللسان، ويفقه العقل، ويتأثر القلب، وتتحرك الجوارح، فحين تجتمع هذه الطبقات يصبح القرآن تكوينًا، لا مخزونًا.

المطر والطين.. الثبات والمسؤلية لا الاستعراض

ومما ورد عنه أنه «كان يُحمل في اليوم المطير»، وذكرت بعض الأخبار أنه كان أعمى، وقد تقدمت به السن، ومع ذلك بقي مرتبطًا بمجلسه ومسجده، وقد نقل الذهبي عن أبي حصين قوله: «كنا نذهب بأبي عبدالرحمن من مجلسه، وكان أعمى».

فلم يكن الرجل يثبت مسؤوليته بالكلام عن قيمة الالتزام، بل كان يحمل جسده الضعيف إلى الموضع الذي اختاره لرسالته، ولو احتاج إلى من يحمله في الطين.

وهذه ليست دعوة إلى إهدار الرخص الشرعية التي جاءت بها السنة في المرض والمطر والمشقة، ولا يصح تحويل عزيمة فردية من أحد التابعين إلى حكم يلزم الناس، وإنما الذي تقرؤه السيرة هنا هو اختياره الشخصي، وشدة تعلقه بالمهمة التي نذر لها عمره.

والفرق كبير بين قائد يطلب من الناس التضحية وهو أول المنسحبين عند المشقة، وبين مربٍّ يري طلابه أن ما يدعوهم إليه يحتل مكانًا حقيقيًا في حياته.

وفي واقع العمل المعاصر: قد لا يكون هناك طين ولا من يحمل المعلم إلى المسجد، لكن «اليوم المطير» يتكرر بصور أخرى: تعب، وفتور، واضطراب، وضغط مهني، وتعطل خطط، وتراجع نتائج، وهنا يظهر الفرق بين من ارتبط بالمهمة ما دامت الظروف مريحة، ومن جعلها جزءًا من هويته ومسؤوليته

القيادة الهادئة.. 40 سنة من الجلوس للناس

تصنع الثقافة المعاصرة أحيانًا صورة القائد من اللحظات الاستثنائية؛ خطاب كبير، وقرار جريء، وحدث يلفت الأنظار، أما سيرة أبي عبدالرحمن فتعرض صورة أقل صخبًا وأكثر صعوبة: أن تجلس للناس أعوامًا طويلة، لهذا كان قوله «وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا» كاشفًا لطبيعة الدافع.

فلم يكن جلوسه عادة بلا معنى؛ بل كان استجابة لحديث نبوي عرف به موقعه الذي يستطيع أن ينفع الناس منه، ومن هنا يمكن أن نتعلم أن القيادة ليست دائمًا في التقدم أمام الصفوف؛ بل قد تكون في اختيار موقع نافع ثم عدم هجره.

فالمعلم الذي يتقن تعليم المبتدئين، والأب الذي يثبت على تربية أولاده، والمدير الذي يبني فريقه بهدوء، والداعية الذي يعمل دون أن يربط استمراره بموجات الشهرة؛ جميعهم أقرب إلى منطق هذه القيادة الممتدة من صاحب المشروع الذي يتغير مشروعه كلما تغير تصفيق الجمهور.

المعلم بين نزاهة القلب وقبول الأجر

ومن أخبار أبي عبدالرحمن السلمي أن هدية جاءت إليه بسبب تعليمه ابن رجل القرآن فردها، وقال: «إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرًا».

والمعنى التربوي هنا واضح: كان شديد التحفظ من أن تختلط منزلته التعليمية بالمصلحة الشخصية، وأن يصبح القرآن طريقًا إلى المكاسب والهدايا.

لكن من الضروري ألا يتحول هذا الورع الشخصي إلى حكم فقهي مطلق؛ فقد ثبت في صحيح البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»(7).

وقد بحث الفقهاء مسألة الأجرة على تعليم القرآن والرقية به بتفصيل، وقال البخاري باب: ما يعطي في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب: وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، وقال الشعبي: لا يَشترِط المعلم، إلا أن يُعطَى شيئًا فليقبَلْه، وقال الحكم: لم أسمع أحدًا كرِه أجر المعلِّم، وأعطى الحسن دراهم عشرة.

ومن ثم فموضع الاقتداء في موقف السلمي هو نزاهة القلب والحذر من تضارب المصالح، لا تحريم ما وسعه الدليل والاجتهاد الفقهي.   

واقع المعلمين اليوم: المعلم يحتاج إلى معاش، والمؤسسات تحتاج إلى عقود ورواتب، ولا تناقض بين ذلك وبين الإخلاص، لكن الخطر يبدأ حين يصبح العلم تابعًا للهدية، أو يُمنح بعض الطلاب ما لا يمنح غيرهم طلبًا لمنفعة، أو يتغير الخطاب الشرعي بحسب الممول والمصلحة.

فالنزاهة لا تعني أن يعمل الإنسان بلا مقابل دائمًا؛ بل أن يبقى المقابل خادمًا للعمل، لا أن يتحول العمل إلى خادم للمقابل.

كيف عالج أبو عبدالرحمن السلمي مشكلة وهم الإنجاز؟

إذا جمعنا خيوط هذه السيرة ظهر أمامنا نموذج واضح؛ تلقي قليل متين، وفهم، وعمل، وتعليم، واستمرار؛ هذه المراحل تعالج شيئًا أساسيًا في النفس الإنسانية؛ وهْم الإنجاز؛ فالإنسان يحب الأرقام لأنها تمنحه شعورًا سريعًا بالتقدم؛ كم صفحة قرأ؟ كم كتابًا أنهى؟ كم دورة حضر؟ كم سورة حفظ؟ وهي مؤشرات نافعة في موضعها، لكنها قد تصبح حجابًا إذا استغنى بها عن السؤال الأصعب: ماذا تغير؟

وكم نحن بحاجة إلى تطبيق هذا المنهج، ففي التربية الأسرية لا تكفي كثرة التعليمات إذا لم تتحول قيمة واحدة منها إلى عادة، وفي المؤسسات لا تنفع عشرات الوثائق التي تتحدث عن النزاهة إذا كانت المكافآت الفعلية تشجع على التحايل، وفي الإعلام الدعوي لا تكون وفرة المنشورات دليلاً بمفردها على صناعة وعي، القيمة الحقيقية تبدأ حين يتحول المعلن إلى معاش.

بين مدرسة السلمي وعصر السرعة؟

لعل أخطر ما يجعل كلام السلمي حاضرًا اليوم هو أننا نعيش عصر «شرب الماء»، صفحات تتدفق، ومقاطع قصيرة، واقتباسات متلاحقة، ومعلومات تصل إلى الإنسان قبل أن يجد وقتًا لهضم سابقتها، فلم تعد المشكلة ندرة المحتوى، بل في القدرة على التوقف عنده.

ولهذا قد يكون استعادة مبدأ «لا يجاوزونها حتى يعلموا ما فيها» علاجًا تربويًا واسعًا، لا يعني ذلك إبطاء الحياة كلها، وإنما تخصيص مساحات لا تكون السرعة فيها هي معيار النجاح.

فآية واحدة تُراجع علاقتنا بالناس قد تكون أثقل في الميزان التربوي من صفحات مرّت بلا أثر، وقيمة واحدة تعتمدها مؤسسة ثم تبني عليها شعارها وتطبقها في إجراءاتها، قد تكون أنفع من دليل أخلاقي فاخر لا يقرأه أحد، ومهارة واحدة يتدرب عليها الطالب حتى يتقنها خير له من عشر مهارات يضع أسماءها في سيرته الذاتية ولا يحسن منها شيئًا.

أما إذا تحول التعلم إلى سباق كمي، واستقل اللسان عن القلب، وانفصل العلم عن العمل، تحقق الخوف الذي عبر عنه السلمي بصورته الموجعة: "قرآن يُشرب شرب الماء ثم لا يتجاوز التراقي".

إن السلمي لا يدعونا إلى قلة المعرفة، وإنما إلى منع المعرفة من أن تسبق قدرة الإنسان على استيعابها حتى تنفصل عنه، فحين تُقرأ الآيات على مهل لتُفهم، وتُفهم لتُتبع، ويُتعلم منها ما يستطيع الإنسان أن يحمله إلى بيته وعمله وأخلاقه وعلاقاته، فإن التلاوة تسترد معناها الكامل: اتباعًا وهداية وبناءً للإنسان.

الهوامش
  • 1 أخرجه البخاري (5027)، وأبو داود (1452)، والترمذي (2907).
  • 2 تفسير الطبري (2/ 567).
  • 3 الموطأ (479).
  • 4 الطبقات الكبرى (4/ 164).
  • 5 شرح الزرقاني لموطأ مالك (2/ 27).
  • 6 سنن الترمذي (218).
  • 7 رواه البخاري (5737).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة