فلسفة الصوم (5)
أثر الصيام في ضبط الغضب والانفعال
ليس هناك أصعب
على الإنسان من نفسه التي بين جنبيه إذا تَحكَّمت فيه وصارت سيِّدٍا عليه،
تُسَيِّرَهُ كما تشاء ولا يتحكم فيها، تقُوده لسفاسف الأمور وهو ينقاد لها دون أن
يَعِيها أو يفهمها، فتكون الغاية عنده تُبرر الوسيلة، وأصعب من ذلك أن تخفى على
الإنسان انفعالاته، فتقوده للهلاك دون أن يشعر بها، ودون أن يدري عواقبها.
والغضب الذي
يُوَلد اندفاعاً وشعوراً داخلياً قد يبدو عابراً، ولكنه مع التكرار يؤسس ملامح
شخصية الإنسان، وحينها سيكون الغضب والاندفاع مَلمحا من ملاح شخصيته وإذا لم ينتبه
صاحبها لهذا الأمر ولم يبدأ في تغيير ذلك المَلمح في البدايات فسيصير الغضب
والاندفاع والتهور سَجِيَّة له، وحينها يصعب علاجه وسيكون عسيراً، ولكن العلاج ليس
مُستحيلاً.
وهنا يأتي الصوم
ليخترق تلك المنطقة الصعبة والدقيقة، جاء الصوم ليُمهد الطريق لدفع هذه السلوكيات،
وليهذبها، لا ليكبتها، بل ليضعها في نصابها، وبدون غلو، وليُعيد بلورته ليكون في
مساره الصحيح، جاء الصوم لضبط وتدريب الإنسان على إدارة ذاته، وضبط انفعالاته، وكظم
غيظه، وتحسين سلوكه، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما، أن
النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا
يَصْخَبْ، ـ وفي رواية: ولا يجهل»(1)، وفي رواية: «ولا يُؤذي أحداً(2)،
فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ».
فالصوم هنا يقرر
في نفس المسلم تغيير المسار للأفضل والأقوم، وأن يجعل بينه وبين مشاعره مسافة
ليفكر فيها، ولا يكون أسيرا لمشاعره واندفاعاته، ومع ذلك فإن الصوم لم يأتِ لكبت
المشاعر، بل لنعبر عنها ولكن بالطريقة السوية، "فليقل: إني صائم" تذكير
لنفسه وللمعتدي بأننا مُتلبثون بعبادة عظيمة تمنعنا أن نكون فيها كما كنا قبلها،
صبر ودعوة وتعديل مسار.
الصوم:
تهذيب الغضب.. وضبط الانفعال
الغضب في ذاته
طاقة إنسانية طبيعية، وليس المطلوب مِنَّا أن نمحوه من حياتنا، بل المطلوب مِنَّا
ضبطه وتقويمه، والغضب ليس هو الخطر الحقيقي كما يتصور البعض، ولكن الخطر هو عدم
ضبط الغضب وعدم إدارته، وكثير من الناس وللأسف يعتقد أن القوة والشجاعة في ترك
نفسه تثور وتجول، وغضبه يفتك ويهدم، ولسانه يسب ويشتم، ويده تبطش وتكسر، وهذا
نِتاج تربية خاطئة تقلب الموازين، وتفسر الأشياء بغير حقيقتها، ولذلك جاء حديث
النبي ﷺ ليوضح لنا أن هذا الفهم خاطئ ومقلوب، فقد قال النبي ﷺ: «ليْسَ الشَّدِيدُ
بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»(3).
فالقوة الحقيقية
هي في أن يتحكم الإنسان في انفعالاته، ويضبطها، ويضعها في مسارها الصحيح، دون أن
يمحوها من حياته، ودون أن يجعلها أسيرة عدم فهمه لحقيقة السلوك والنتائج، فيجئ
الصوم ليُعيد الموازين إلى نصابها، وليغرس في المسلم تقويم نفسه، وإدارة غضبه،
وتوجيهه في الاتجاه الصحيح، ليكون المسلم صاحب نضج انفعالي.
النضج
الانفعالي
هو ضبط الإنسان لردود
فعله وإدارتها إدارة سَوية، وتوجيهها التوجيه الصحيح دُون إفراط ولا تفريط، فهو
كظَمَ غيظه لا عن ضعف ولا مذلة ولا مهانة، بل كظم غيظه عن طِيب نفس وقناعة داخلية
وفكرة سَوِّية، وحينها لن يشعر بعد انتهاء الموقف بمعاناة داخلية ولا لوم للذات
بأنه لم يأخذا حقه مثلا، أو لم يرد اعتبار نفسه، لأنه لديه قناعة داخلية بأنه اتخذ
القرار الصحيح في الوقت الصحيح، بل ويشعر بصفاء داخلي وراحة نفسية لأنه يتعبد لله
عزَّ وجل بعبادة "كظم الغيظ"، وعبادة "العفو عن الناس"،
وعبادة "التسامح"،.. إلخ، فالصوم جاء ليُدرب المسلم يوميا على إدارة
انفعاله ليصبح ناضجا انفعاليا، وليغرس فيه القيم الصحيحة، وليكون بداية جديدة
لتهذيب النفس، وتصحيح مسارها،
الصوم..
بوصلة الأخلاق
الصوم يساعد
بقدر كبير في تصحيح الأفكار الخاطئة، ويساعد أيضا بقدر كبير في تهذيب الدوافع قبل
تهذيب السلوك، فتهذيب الصائم لأفكاره وقناعاته يساعده بقدر كبير على تهذيب الدوافع
الخفية، وترويضها، قبل أن تظهر منه السلوكيات، وحينها تستقيم الأخلاق من الجذور وليس
من القشور، لأنه حينما تُهذب الدوافع تستقيم السلوكيات تلقائيا، لأن الأخلاق
الحقيقية هي التي تنبع من عقائد وأفكار وقِيم ثابتة، وهي بذلك تثبت في كل المواقف الإيجابية
والسلبية، وهذا ما كان عليه رسول الله محمد ﷺ من أخلاق حقيقية ثابتة وليست مُصطنعة
كما يصطنعها بعض من لا خَلاقَ لهم في بعض المواقف، فإذا قرأت في سِيرته ومواقفه ﷺ
مع بعض من أخطأ في حقه أو زاد عن حدِّه، تجد أن النبي ﷺ لم يتغير عما هو موصوف به،
ولا تجد في ردّة فعله ما يخرج عن طبيعة صاحب الخُلق العالي، بل تجد منه سواءً في
النفس، وهدوءاً في الطبع، وطمأنينة في الجواب، وحِلما لا يُدانيه حِلم في البشرية،
ولذلك استحق تكريم الله ﷻ له بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٌ) (القلم: 4).
والصائم حينما
يستمر لمدة ثلاثون يوما وهو يُجاهد نفسه على الالتزام بأحسن الأخلاق، ورَدّ السيئة
بالحسنة، والحِلم مع سيئ الخُلق والأناة، ويُمرِّن نفسه على الارتقاء إلى أسمَى
الأخلاق، والبُعد كل البُعد عن السفاسف، فحينها سيُصبح هذا الأمر سجية وطبعا عنده،
ففي علم النفس السلوكي قواعد تقرر هذا الأمر وتُقعِده، ومن هذه القواعد أن «التكرار
يُنتِـج التكيُّف» و «كل سلوك نمارسه باستمرار يتحوّل مع الوقت إلى عادة مألوفة».
في بداية الأمر حينما نبدأ في تحسين بعض سلوكياتنا قد لا نشعر بالارتياح منذ البداية، وقد يظهر لنا أن الأمر عسير، أو نشعر باليأس وأننا لسنا أهلا لذلك، ولكن الالتزام والمثابرة يصنعان الفرق، فعلينا أن لا ننظر للشعور بعدم القدرة على المواظبة، ولكن علينا أن نبدأ ونحن نتمثل فكرة قوية في داخلنا، وننظر معها للهدف الأسمَى، وحينها سيتفضل الله علينا بالتوفيق والسداد والرشاد، مصداقا لقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (النحل: 69).
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً