أثر تزكية النفس على اغتنام شهر رمضان

رمضان سباق
عظيم، جوائزه ليست كأي جائزة، ففيه العتق من النيران، ورفع الدرجات في الجنان،
ومدار الفوز هو مدى يقظة القلب، فيفوز فيه من بصر قلبه، ويخسر فيه من لهى قلبه، ولا
يحسن بحال أن يكون الاستعداد له بأمور دنيوية من مأكل ومطعم وملبس فحسب؛ بل لابد
من استعداد القلب له كأحسن ما يكون من الاستعداد، ولذا كان مما ينبغي التذكرة
بأهمية تزكية النفس قبل رمضان وأهم وسائلها.
أهمية تزكية النفس
وموقع تزكية
النفوس من الدين عظيم عظيم، ومنها:
١- أنها مهمة
الرسل عليهم الصلاة والسلام:
حيث قلدهم
الله عز وجل دورًا عظيمًا وهو تزكية نفوس المؤمنين وإصلاحها، يقول الله تعالى: (
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا
مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) [الجمعة:2]، فجعل تطهير النفوس ثاني مهمة
للنبي صلى الله عليه وسلم بعد إبلاغ الوحي ثم أعقبها تعليم أوامر الله عز وجل
ونواهيه، مما يؤكد أثر إصلاح النفوس التي هي محل التعلم على اتباعها للحق.
٢- أن عليها
مدار الفلاح أو الخسران:
فمن المعلوم
أن الله عز وجل إذا أقسم بشيء؛ فهو دليل على عظمته وأهميته، وقد أقسم الله بالنفس،
وبين أن الفلاح متوقف على تزكيتها وإصلاحها، وأن كل الخيبة والخسارة على من تركها
واهملها، قال تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا )
[الشمس: 7 - 10].
٣- أنها رحمة
من الله وفضل:
قال تعالى: (
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
أَبَدًا ) [النور:21]، فلا يغتر العبد بصلاح نفسه، فلولا فضل الله ورحمته ما طهرت
نفسه وما صلحت أبدًا.
٤- أنها سبب
الاستقامة:
فأفعال العبد
بجوارحه تابعة لصلاح القلب، فقد روى النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قوله: (ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ
كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ.) (رواه مسلم)،
فإذا صلح القلب صلح القصد ونشطت الجوارح للطاعة، وإذا فسد القلب فسدت الإرادة
واتبعت الجوارحُ الأهواءَ ومالت عن الحق.
٥- أنها تنجي العبد
في الآخرة:
تحكي آيات
القرآن فهم إبراهيم عليه السلام وبصيرته في دعائه بالنجاة يوم القيامة، قال الله
تعالى: ( وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا
بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) [ الشعراء: 89:87]، فلا
ينفع يوم القيامة إلا موافاة الله بقلب سليم من أمراض الكفر والنفاق وسائر الآفات
المذمومة، ولن يحدث ذلك إلا بتزكية القلب وتعهده بتقوى الله عز وجل.
وسائل تزكية النفس
ومن أهم وسائل
تزكية النفس استعدادًا لموسم الطاعات في رمضان:
١- التوبة
الصادقة:
فهي أول خطوات
تطهير القلب، قال الله تعالى: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [النور: 31]، ولكي تكون التوبة صادقة،
فلابد أن تكون مقرونة بالإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة
إليه، فليستقبل من يريد اغتنام رمضان أمره بالتوبة عن الذنوب.
٢-الإكثار من
ذكر الله:
ففي الذكر
حياة القلب، فعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم ( مثل الذي يذكر
ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) (رواه البخاري)، فذكر الله يطمئن النفس
ويلبسها السكينة ويؤنسها، ويثقل موازين العبد بالحسنات، وينجي الله عباده به من
الهم والغم والبلاء، لذا يجب الإكثار من التسبيح، والتهليل، والتكبير، والاستغفار،
والحوقلة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ مع حضور القلب في كل ذلك.
٣- قراءة
القرآن وتدبره:
فالقرآن هو
النبع الذي ترتوي منه القلوب من ظمئا الروحي، وهو المنهج المتكامل لكل مناحي
الحياة، والهادي لكل خير عاجل وآجل، يقول الله تعالى: ( إنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ
يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) [الإسراء: 9]، لذا ينبغي الاستعداد لرمضان بكثرة
تلاوته، ويعين على ذلك وضع الخطط لختمه وتدبره وتطبيق ما يُتعلَّم منه في الحياة
اليومية.
٤-الإخلاص في
العمل:
الإخلاص
وموافقة الوحي هما شرطا قبول الأعمال، قال الله سبحانه: ( فَمَن كَانَ يَرْجُو
لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ
رَبِّهِ أَحَدَا ) [الكهف: ١١٠]، وعن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى) (رواه البخاري)،
فتجديد النية في جميع العبادات من أهم وسائل الاستعداد لاستقبال رمضان بقلب صادق
لا يرائي ولا يتكلف.
٥-التحلي
بالأخلاق الحسنة:
فرمضان مدرسة
أخلاق القرآن، فهو الأولى بدوام مراقبة الله، وعقل الأمور، وتحري الحسنات، والبعد
عن المنكرات، والتدرب على الصبر، والحلم، والعفو، والكرم، واللين، وغير ذلك من
الأخلاق القرآنية الفاضلة.
٦-محاسبة
النفس:
أمر الله
عباده بمحاسبة النفس ودوام النظر في أعمالها، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [الحشر:18]،
فالمحاسبة تقوي الإرادة وتساعد على تصحيح المسار، لذا يحسن ذلك بخاصة قبل رمضان،
وذلك لتقييم علاقة العبد مع ربه، ومعرفة نقاط تقصيره لتفاديها.
٧-الإكثار من
الصيام والنوافل:
وكان من الهدي
النبوي الإكثار من الصيام في شهر شعبان، فهو يهيئ النفس والجسد لاستقبال شهر رمضان
الكريم، كما أن صلاة النوافل مثل قيام الليل يعين على الاستعداد لشهر رمضان.
وختامًا؛ فإن
الاستعداد لرمضان لا يكون فقط بأمور دنيوية، بل الأهم هو تهيئة القلب والروح لاستقبال
هذا الشهر العظيم، فمن جاهد نفسه قبل رمضان على تزكيتها؛ وجد ثمرة ذلك في رمضان
وبعده، وكان بإذن الله من الفائزين.