أحكام زكاة النقود الورقية
استقر عرف البشر
على اتخاذ الذهب والفضة وسيلة أساسية للتبادل، ومعياراً ثابتاً لتقييم السلع
والخدمات، ومخزناً آمناً للثروة، ولأن هذه المعادن النفيسة حظيت بقبول عام مطلق في
الوفاء بالالتزامات، فقد ارتبطت بها الأحكام الشرعية في الإسلام ارتباطاً وثيقاً، ومع
تطور النظم الاقتصادية، حلت النقود الورقية تدريجياً محل الذهب والفضة، لتصبح هي
المهيمنة على التعاملات بين الناس قاطبة.
هذا التحول
التاريخي لم يغير من الجوهر الوظيفي للنقد؛ لذا أجمع علماء الشريعة -إلا من شذ من
آراء لا وزن لها- على أن للأوراق النقدية ذات الأحكام الفقهية المقررة للذهب
والفضة، فهي يجري فيها الربا بنوعيه؛ الفضل والنسيئة، وتجب فيها الزكاة، وتخضع
لأحكام الصرف، ويصح جعلها رأسمال في عقد السلم، وهذا الحكم يمتد ليشمل كل ما اصطلح
الناس على اعتباره نقداً، بما في ذلك النقود الإلكترونية والعملات الرقمية التي
بدأت تفرض نفسها في العقد الأخير كبديل عصري، طالما أنها تؤدي وظائف النقد
الأساسية.
الأدلة الشرعية على وجوب الزكاة في النقود
تنطلق مشروعية
زكاة النقود بمختلف أشكالها من نصوص قطعية في الكتاب والسُّنة، ومن ثم إجماع
الأمة:
يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ) (التوبة: 34)، والوعيد الشديد في الآية يدل على وجود حق لله تعالى في
هذه الأموال، واللافت في النص القرآني قوله: «ولا ينفقونها» بضمير المفرد المؤنث
العائد على الأموال، بدلاً من «ينفقونهما»، وفي هذا إيماء إلى أن المراد هو النقود
أو الدراهم والدنانير المعدة للإنفاق، وبناءً عليه، فإن كل ما يقوم مقام الذهب
والفضة في الإنفاق والتعامل يلحق بهما في وجوب الزكاة، سواء كان ورقاً أو أرقاماً
إلكترونية.
وروى البخاري،
ومسلم، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة،
لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار..»؛ على الذهب
والفضة لكونهما العملة السائدة حينذاك، والقاعدة الفقهية تقول: إن الحكم يدور مع علته
وجوداً وعدماً، وعلة الزكاة هنا هي الثمنية ومطلق النقدية، وهي متوفرة تماماً في
العملات المعاصرة.
المفهوم الاقتصادي والشرعي للنقود
يتطابق رؤية
علماء الشريعة مع أساتذة الاقتصاد في تعريف النقود؛ فهي كل ما يستعمل مقياساً
للقيم، وواسطة للتبادل، وأداة للادخار، وشرطها الأساسي هو القبول العام، وقد سبقت
الرؤية الفقهية النظريات الاقتصادية الحديثة في هذا الصدد؛ حيث قرر شيخ الإسلام
ابن تيمية أن الدراهم والدنانير ليس لها حد طبيعي أو شرعي، بل مرجعها إلى العادة
والاصطلاح، لأن الغرض منها أن تكون معياراً للتعامل وليست مقصودة لذاتها.
وقد وضع الإمام
مالك في «المدونة» قاعدة حين قال: «ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون سكة
وعين لكرهت أن تباع بالذهب والورق نسيئة»؛ وهذا يعني أن الجلود لو اصطلح الناس على
اتخاذها نقداً، لجرت عليها أحكام الذهب والفضة تماماً، ومن هنا، فإن العملات
الرقمية والإلكترونية، رغم حداثتها، تجب فيها الزكاة طالما اكتسبت صفة المالية
والنقدية وبدأ الناس يتداولونها كقيمة تبادلية.
مقدار الواجب وشروط وجوب الزكاة
تجب الزكاة في
النقود بنسبة 2.5% (ربع العشر)، وتستحق مرة واحدة كل عام قمري (حول)، بشرط بلوغ النصاب،
والنصاب هو القدر الذي يعكس حد الغنى الذي تتوجه إليه فريضة الزكاة.
معضلة النصاب.. هل نعتمد الذهب أم الفضة؟
هنا تبرز
المسألة الأكثر حيوية في فقه الزكاة المعاصر، نصاب الذهب هو 20 ديناراً (تعادل 85
جراماً تقريباً)، ونصاب الفضة هو 5 أواقٍ (تعادل 595 جراماً تقريباً)، وبسبب
التفاوت الشاسع في القيمة السوقية الحالية بين المعدنين، حيث أصبح نصاب الذهب
يساوي أضعاف نصاب الفضة، انقسمت الآراء، لكن الاتجاه الراجح الذي استقرت عليه
المجامع الفقهية والمؤسسات الرسمية الاعتماد على نصاب الفضة كمعيار للنقود الورقية
والرقمية، وذلك للأسباب التالية:
1- قوة النص
النبوي: وردت في نصاب الفضة أحاديث في غاية الصحة والوضوح، كقوله صلى الله عليه
وسلم: «ليس فيما دون خمس أواق من الورِق صدقة»، بينما الأحاديث الواردة في نصاب
الذهب شابَ بعضها الضعف عند كبار المحدثين مثل ابن حجر.
2- الانتشار
التاريخي: يوضح د. يوسف القرضاوي أن النقود الفضية كانت هي الشائعة في عصر النبوة؛
لذا نصت عليها الأحاديث المشهورة وحظيت بإجماع لم ينله نصاب الذهب بنفس الدرجة.
3- قاعدة الأحظ
للفقير: وهي قاعدة فقهية مستقرة في المذاهب الأربعة، التقدير بنصاب الفضة (الأقل
قيمة حالياً) يوسع دائرة المكلفين بالزكاة؛ ما يعني توفير موارد مالية أكبر
للفقراء والمساكين، وهو ما يتسق مع مقاصد الشريعة في التكافل الاجتماعي.
4- الأدنى من
النصابين: أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية وفتاوى المجامع الفقهية قرارات
تقضي بأن نصاب النقود أدنى النصابين من ذهب أو فضة، وبما أن الفضة هي الأرخص في
عصرنا، فهي المعتبرة لتحديد حد الغنى.
الزكاة كأداة للتوازن الاقتصادي
إن إحاطة النقود
الورقية والإلكترونية بأحكام الزكاة ليس مجرد قياس فقهي جامد، بل هو استجابة لجوهر
التشريع الذي يمنع اكتناز الثروة وتعطيل دورتها الاقتصادية، فكما كان الذهب والفضة
يمثلان عصب الحياة قديماً، تمثل الأرقام في الحسابات البنكية والمحافظ الرقمية عصب
الحياة اليوم، والالتزام بإخراج 2.5% من هذه الأموال عند بلوغها نصاب الفضة يضمن
تدفق السيولة إلى الفئات المحتاجة، ويحقق التوازن بين حق الملكية الفردية وحق
المجتمع، ويطهر المال من شبهة الكنز والجمود.
وبناءً عليه،
فعلى كل مسلم يملك من النقود (سواء كانت في جيبه، أو حسابه البنكي، أو محفظته
الرقمية) ما يعادل قيمة 595 جراماً من الفضة، وحال عليها الحول، أن يبادر لأداء حق
الله فيها طيبة بها نفسه.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً