أحيا الإسلام في قلوب الأتراك وتعرض لمحاولة اغتيال.. من هو الشيخ محمود أفندي؟

محمد سرحان

23 يونيو 2022

156

"سار شيخنا المحبوب محمود أفندي نحو الحقيقة وتوفي إلى الآخرة، تعازيّ لأمة محمد جمعاء"، بهذه الكلمات أعلن طلابه في جامع "إسماعيل أغا" بإسطنبول، وفاة شيخهم الشيخ محمود أفندي، عن عمر 93 عاما، قضاها في خدمة الإسلام بل إحيائه مجددا في تركيا ثم نقله من حي صغير في إسطنبول إلى أفريقيا والبلقان والهند، وتعرض خلالها بسبب دوره الكبير لمحاولة اغتيال ومضايقات كبيرة في ظل حكم الجمهوريين، فمن هو الشيخ محمود أفندي؟
 
 خلال زياراتي لمنطقة الفاتح في إسطنبول كمقيم يحب التجول في هذه الأحياء القديمة، وفي المسافة القصيرة مشيا على الأقدام ما بين جامع الفاتح وجامع يافوز سليم، في إحدى الجولات بحثا عن كتب لفت انتباهي حي عتيق له هيبة كهيبة تاريخ البلاد التي يقع فيها، وهذا الحي يختلف كثيرا عن بقية أحياء إسطنبول، يُشعرك وكأنك تتجول في إسطنبول العثمانية.
هذا الحي يزينه مسجد عتيق عليه لافتة مكتوب عليها "مسجد شيخ الإسلام إسماعيل أغا"، هذا المسجد ورغم صغر حجمه ومساحته لكنك تشعر فيه بروحانيات خاصة، وهو يمثل سُرة الحي وقبلته لا يزال الأذان فيه يُرفع من فوق سطح المسجد، وداخل المسجد وخلف مصلاه تجد مدرسة عثمانية قديمة تسمى "مدرسة الحجر" غرفها عبارة عن قباب متراصة متجاورة تتوسطها نافورة وتطل على مئذنة المسجد، والبنايات المحيطة بالمسجد أيضا تكتظ بالطلاب من حفظة القرآن ودارسي العلوم الشرعية.
داخل المسجد الجميع يتعاملون بمودة ووقار، وفي محيط المسجد يرتدي أغلب من في الحي زيًّا متشابها على الطراز العثماني، القميص الطويل والسروال والجبّة والعمامة للرجال، وتتميز النساء باللباس الأسود الواسع فلا يظهر منهن سوى النصف الأعلى من الوجه، وفي الشارع تجد عشرات المكتبات الإسلامية عن يمينك ويسارك، هنا تشعر وكأنك في دمشق قبل عقود أو في القاهرة العتيقة أو بغداد ومكتباتها فلا تشعر بغربة وإنما ألفة تتسلل إليك في هذا المكان وكأنك تربيت هنا.
بالتعرف على بعض الشيوخ والحديث إليهم عرفت أن العشرات من مثيلات هذه المدارس في مختلف دول أفريقيا بل وفي دول البلقان والهند أيضا خرجت فكرتها من هذا الحي، وعلى بعض الجدران تجد صورا لشيخ يعلوه الوقار وتلف وجهه هيبة، ويتردد اسمه بحب على ألسنة الجميع وذكره حاضر في الدعوات، إنه الشيخ محمود أفندي.
بدأت بالبحث عن هذا الشيخ لكن المعلومات المتوفرة عنه بالعربية لا تكافئ قدر الشيخ وجهوده، وترددت لاحقا على الحي نفسه كالباحث عن سكينة مؤقتة استراحة من قطار الغربة الذي يمضي على قضبانه منذ أكثر من ثماني سنوات، عرفت أن جامع إسماعيل أغا هو منطلق جمعية "إدّف" وكان الشيخ محمود أفندي هو إمامه لعقود، وأن سر بركة هذا الرجل هو حبه للإسلام والعمل على إحيائه في تركيا في وقت أُريد له أن يبقى على هامش الحياة ومحصورا في المساجد التي منع فيها رفع الأذان باللغة العربية.
هنا تعرفت أكثر على "جمعية إدّف" وتشرفت بزيارتهم في المقر الرئيس الذي يقع بالقرب من جامع "أيوب سلطان" والتقيت الشيخ "محمد توران" رئيس مؤسسة إدّف وهو من أقرب تلاميذ الشيخ محمود أفندي، للتعرف على جهودهم خاصة مع انتشار أعمالهم في تركيا وأفريقيا ودول عديدة، جهود في التعليم والعمل الخيري.
وفي مرة زرت إحدى مدارسهم بجوار "جامع يافوز سليم" في إسطنبول، والتقيت الشيخ محمد علي مسعود وهو رئيس الهيئة العلمية في مؤسسة إدّف التابعة لجامع إسماعيل أغا وهي بالمناسبة أسسها الشيخ محمود أفندي، والمدرسة هي مدرسة داخلية يقيم فيها الطلاب إقامة كاملة، قاعات للدراسة وغرف مخصصة للنوم، وفي هذه الزيارة أهداني الشيخ محمد علي مسعود كتابا له خطه قبل فترة، هذا الكتاب يروي قصة الشيخ محمود أفندي.
تعرفت من خلال هذا الكتاب ومن خلال جلسات مع تلاميذه، أن الشيخ محمود أفندي أو "محمود أسطى عثمان أوغلو" ولد عام 1929 في قرية "طوشان لي" في بلدة "أوف" بولاية طرابزون في تركيا لعائلة متدينة، بدأ حفظ القرآن وهو في السادسة على الشيخ محمد رشيد عاشق قوتلو أفندي، وبعد أن أتم حفظ القرآن انتقل إلى قيصري ودرس هناك النحو والصرف واللغة الفارسية على يد الشيخ تسبيحي زاده، ليعود بعد سنة إلى بلدة أوف ودرس القراءات وعلوم القرآن على الشيخ محمد رشدو، كما درس الحديث والتفسير والفقه وأصوله وعلم الكلام عند الأستاذ "درسون فوزي أفندي" وأجيز وهو لم يتجاوز الـ16 من عمره.
وفي قريته كان الشيخ يؤم الناس في الصلاة ويدرَّس الطلاب في مسجد القرية، كما كان يخصص وقتا في السنة يزور فيه عدة ولايات يعلم الناس الإسلام من جديد، ثم في عام 1954 أصبح الشيخ إماما لمسجد "إسماعيل آغا" في إسطنبول.
هذا المسجد له قصة أخرى، ففي بدايات عهد الجمهورية باعت الحكومة آنذاك مسجد إسماعيل أغا الذي تحول إلى ما يشبه المخزن لأحد التجار كمستودع، وبدأ هذا التاجر يخزن فيه الخضروات، ولما رأي الشيخ محمود أفندي هذه الحال التي عليه الجامع، أحزنه جدا ما آل إليه المسجد، فاشتراه من التاجر، وكما يحكي الشيخ محمد توران، حينها ولم تكن الشعائر الإسلامية تقام كما هي اليوم، هنا كان هناك مفتيا يدعى الشيخ "علي حيدر" طالبه الشيخ محمود أفندي أن يبقى بالمسجد.
لكن الشيخ "علي حيدر" تعجب من طلب الشيخ فماذا يفعل في هذا المكان فليس هناك متسع للمظاهر الإسلامية ولا أناس يهتمون بالدين، هنا بدأ الشيخان تنظيف المسجد وتطهيره لإعادته كما كان مسجدا، بعدها سيقدر الله الخير، ومع جهود الشيخ بهدوء خلال سنوات بدأت أعداد قليلة تميل إلى المسجد وكان عدد المصلين يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة بقليل.
ثم بدأ الشيخ محمود أفندي يزور الناس في لبيوت والدكاكين يعرفهم بنفسه ويقول "اسمي محمود وجئت لزيارتكم في الله"، وبعد نحو سنتين كان هناك مبنى قريب اشترى فيه الشيخ الطابق الأرضي وبدأ يدرس للطلاب في الخفاء، وكان عدد الطلاب تقريبا 9 طلاب فقط وخلال حوالي 10 سنوات زاد عدد المدارس في البيوت هكذا في الخفاء بحكم أن تدريس الدين كان ممنوعا، بعدها بدأ الشيخ محمود أفندي يرسل طلابه الذين تخرجوا على يديه إلى ولايات وقرى أخرى خارج إسطنبول بهدف أن يعلموا الناس أمور دينهم، لكن كما كانت بداية شيخهم لم تكن بدايات عملهم سهلة فكانت تنتظرهم مهمة شاقة، وفي فترات حكم عدنان مندريس وتورجوت أوزال ومن بعدها حكومة نجم الدين أربكان كانت الأجواء تساعد الناس على تعلم الدين.
ورغم فترات التضييق بعد كل انقلاب مرت به تركيا والتي كان يتم خلالها تضييق كبير على المظاهر الإسلامية والمدارس، كان الشيخ ينصح طلابه بالاستمرار وعدم التوقف، ولصدق الرجل وإخلاصه كانت شعبيته تزداد، رغم ما تعرض له من مضايقات كبيرة وصلت إلى تعرضه لمحاولة اغتيال في عام 2007، وقبل ذلك وبعد انقلاب 1960 حكم عليه بالنفي إلى مدينة "إسكي شهير" ولاحقا جرى اتهامه بالضلوع في اغتيال مفتي منطقة اسكودار وتمت تبرئته فيما بعد، كما اتهم بتهديد العلمانية من خلال خطبه ودروسه، وفي 1998 اغتيل الشيخ خضر على مراد أوغلو تلميذه وصهره داخل مسجد إسماعيل أغا، وفي 2006 اغتيل أيضا الشيخ بيرام علي أوزتورك أكبر طلابه وصهره أثناء إلقائه الدرس.
وبعد عمل امتد لنحو 50 عاما داخل تركيا، قرر الشيخ محمود أفندي في أوائل عام 2000 التوسع في الدعوة وتدريس الناس الإسلام، وضم الشيخ الجمعيات التي كانت تعمل معه في اتحاد واحد وهو مؤسسة "إدّف" وهي اختصار لاسم "اتحاد الجمعيات التي تقدر البشرية"، وفي العام 2009 وجه الشيخ محمود أفندي تلاميذه بالتوجه إلى خارج تركيا ونشر الدعوة والتعليم الإسلامي في الدول الأخرى، وأول الجهود الخارجية في التعليم ونشرة الدعوة كانت في دولة غينيا كوناكري.
إذا كانت البداية في إفريقيا من دولة غينيا كوناكري بمدرسة مكونة من غرفتين، أصبح لمؤسسة الشيخ الآن مدارس وجامعات إسلامية في أغلب دول أفريقيا، من غينيا إلى غانا ونيجيريا والصومال وساحل العاج وبنين والسنغال وغامبيا وتشاد والنيجر والكاميرون، إضافة إلى مدارس في صربيا وألبانيا وفي الهند وسريلانكا وبنجلاديش.  
وإذا كان الشيخ محمود أفندي توفاه الله اليوم، فإن قافلة عمله تسير فقبل أيام فقط أقيم حفل كبير في جامع يافوز سليم لتخريج 350 طالبا من طلاب مؤسسة إدّف في علوم الفقه والشريعة.
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة