استراتيجية تفكيك النظام العالمي..
أخطار سباق التسلح.. وتضخم الاقتصاد العسكري
إن الحرب التي
يشهدها العالم اليوم لا يراها الناس في جبهات تقليدية فقط، ولا يسمعونها في صليل
السيوف أو حرائق المسيرات، بل يئنّون منها في أسعار الغذاء والدواء، ويصرخون
بارتفاع نسب التضخم والعجز التجاري والكساد، وحتما يعانون من تراجع الاكتفاء
الذاتي وانهيار الموازنات.. إنها حرب اقتصادية عالمية ثالثة، سلاحها المال
والعقوبات والفوائد والديون، وإنهاء عقود وتجميد أخرى، ووقف تمويل وحرمان من
التصريح والتفسير، وقودها سباق تسلّح يلتهم ما تبقى من موارد الشعوب.. بل من
الشعوب ذاتها بالإبادة.
استدراك
منذ مطلع القرن
العشرين تحوّل الاقتصاد إلى أداة حرب، ومع الحرب الباردة صار السلاح لغة السياسة،
وتحوّل الإنفاق العسكري إلى معيار قوة، وسطوة القلة، وتحويل البلاد إلى ثكنة
عسكرية، كما في منطقتنا العربية، حيث عاشت أكبر دولة عربية تجربة عسكرة ممتدة من
1952 إلى 2025م؛ فبعد معاهدة كامب ديفيد 1979م، تدفقت المساعدات العسكرية
الأمريكية بواقع 1.3 مليار دولار سنويًا، ليصل مجموعها حتى 2020م، إلى نحو 51
مليار دولار.
فهل كانت هذه
المليارات استثمارًا في التنمية أم رهنًا للاقتصاد المدني؟
فمنذ عام 1952
حتى 2025م ظلّت أسيرة معادلة يختلط فيها الحكم بالاقتصاد تحت وصاية العسكريين، غير
أن المنعطف الأخطر جاء بعد 2015م، حين تمدّد نفوذ فئة من المؤسسة العسكرية بدعم
تشريعي وتنظيمي مكّنها من بسط اليد على الأصول والثروات، فتراجعت الشفافية، وضاق
مجال المنافسة، وتآكلت فرص الاستثمار الحر.
استفهام؟
ويُقدَّر عدد
الموظفين العاملين في مؤسسات عسكرية أو مرتبطة بها بشكل مباشر بأكثر من 6 ملايين
موظف -نحو 20% من القوى العاملة- بينما الجهاز المدني يترنح ويعاني من نقص الأيدي
العاملة المنتجة.
العجز الغذائي:
الاكتفاء الذاتي من القمح انخفض إلى 51% بدل الهدف 65%.
العجز التجاري:
يتجاوز 40 مليار دولار سنويًا.
العجز الحكومي:
أكثر من 7% من الناتج المحلي.
هذا وقد أظهرت
الدراسات والمقابلات مع المستثمرين أن هذا التوسع العسكري لم يثمر تنمية، بل أنتج
اقتصادًا مغلقًا يدار بمنطق السلطة لا بمنطق السوق، حيث حلت المحسوبية محل
الكفاءة، وغُيّبت العدالة لصالح الاحتكار، وهكذا كُتب الانهيار على مدى عقود، وعلى
الرغم من تضخم العقود والصفقات في الداخل والخارج، ما زالت المعابر تُخترق،
والحدود تُستباح، والجزر والموانئ والمطارات تُباع، فيما يُقصى العلماء والخبراء
وأساتذة الجامعات، وتُقيد الكفاءات، فأي مستقبل يمكن أن يُبنى على هذا الاقتصاد؟
وهل يمكن
لاقتصاد تُدار أركانه بالاستحواذ والإهدار، أن يبني تعليمًا أو صحة أو يرفع مستوى
معيشة المواطن؟
استقراء
عام 2024م، سجّل
التاريخ إنفاقًا عسكريًا عالميًا بلغ 2.718 تريليون دولار -بزيادة 9.4% عن العام
السابق- وهو ما يعادل 2.5% من الناتج العالمي و7.1% من الموازنات الحكومية.
- الولايات
المتحدة: 997 مليار دولار (37% من الإجمالي)
- الصين: 314
مليار دولار.
- روسيا: 149
مليار دولار (7.1% من ناتجها و19% من موازنتها).
- أوروبا: زيادة
بنسبة 17% متجاوزة الحرب الباردة.
- «إسرائيل»:
46.5 مليار دولار (8.8% من الناتج) بزيادة 65%.
- أوكرانيا: 34%
من ناتجها المحلي للحرب.
أما معركة
الصمود والصعود في غزة سجلت أكثر من 63 ألف شهيد و161 ألف جريح حتى سبتمبر 2025م،
ومجاعة ممنهجة وانهيار في الخدمات الإنسانية، ولعليّ لا أبالغ إن كتبت إنه حتى
ختام المقال سيكون عدد الشهداء قد زاد، أليس هذا الوجه الحقيقي لاقتصاد العسكر حين
يتحوّل السلاح إلى غاية والإنسان إلى وقود؟
استنتاج.. أثر التسلح
الجيوش مسؤولة
عن 5.5% من الانبعاثات الكربونية العالمية، أي ما يعادل انبعاثات دولة رابعة بعد
الهند وروسيا.. قطاع الدفاع ينتج 445 مليون طن CO2 سنويًا، وهي
انبعاثات تعادل إيطاليا بأكملها. فكيف يمكن لأمة أن تتحدث عن تنمية وهي تُنفق على
السلاح ما يلوث هواءها ويفسد مناخها؟
استشراف
على الضفة
الأخرى، ينهض الاقتصاد الأخلاقي كبديل حضاري يقوم على:
- الوفاء
بالعقود لا نقضها.
- شمول البر لا
احتكار النفع.
- الاعتدال في
الإنفاق لا الإسراف على التسلح.
- الكسب من
الحلال لا من صفقات السلاح السوداء.
- تغليب مصلحة
الأمة على الفرد.
فأيهما أولى
بالتنمية؛ اقتصاد يبتلع الموازنات في صفقات تسليح، أم اقتصاد يفتح أبواب التعليم
والغذاء والصحة؟
استدلال واجب
يجيب التساؤل من
يبدأ ومن أين نبدأ؟
نبدأ ممن لا
نعرفه بالاسم؛ وحفظه التنزيل بالوصف؛ لم يُخلّد لقبه بل خلد سعيه؛ لم يذكره بالنوع
ذكرًا؛ بل وصفه بالعزيمة رجلًا؛ وكأن الرجولة فعل وسعي؛ لا لقب ولا اسم ولا وسم
ولا رسم.. خرج بخطوة من أقصى المدينة فأشعل دربه في ليلٍ مظلم؛ وصار يقينه درعًا؛
وصدقه سيفًا؛ وخطاه جسرًا تعبر عليه الأجيال.. حفظه كل مؤمن صادق حتى قيام
الساعة.. وهكذا تُبنى الحضارات: حين يتحول السعي الفردي إلى مشروع مؤسسي؛ فحراك
جماعي؛ وحين تتبنى الأمة فعل الرجل ـ ذكرًا كان أو أنثى ـ فيصير نهجًا للأمة كلها.
استشراف المستقبل.. ما بعد
النظام العالمي
يتفكك بالفعل — ناتو يتصدع، الدولار يواجه منافسين، التحالفات تتبدل، والذكاءالاصطناعي يعيد تشكيل موازين القوى.. السؤال ليس: هل يتفكك؟ بل: ما الذي سيأتي
بعده؟
- اقتصاد عسكري
يستنزف البشر والكوكب؟
- أم اقتصاد
أخلاقي يصوغ بديلًا حضاريًا ويعيد للإنسان معناه؟
في سطور
إلى متى ستبقى
الأمة أسيرة سباق تسلح لا يُنتج إلا عجزًا وديونًا، بدلاً من انتاجه؟ وإلى متى تُدار مواردها بعقلية
الثكنة لا بعقلية التنمية؟ الأيام دول، وما يبدو نزيفًا قد يصبح شريان حياة، وما
يراه الناس تفكيكًا قد يكون ميلادًا. والقرار في النهاية لرجل بأمة.. رجل يسعى
فينهض بأمة كاملة.. رجل يعرف أن المستقبل يُكتب بالسعي لا بالانتظار.. وبالاقتصاد
الأخلاقي لا بالاقتصاد العسكري.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً