4 ممارسات تغرس «الأمانة» في النشء
ليس أحب للإنسان
السوي من أن يتحلى أبناؤه بأحسن الأخلاق، ويعرفوا بين الناس بأفضلها، فيدعو من
يراهم لمن قام بتربيتهم.
ومن الأخلاق
التي يهتم بها الآباء والمربون الأمانة، وهي زينة على رؤوس الآباء حين يتصف بها
أبناؤهم، وقد كانت صفة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته ولقب بـ«الصادق الأمين».
يقول تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ
عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ) (الأحزاب: 72)، إذاً كل ما
افترض على العباد فهو أمانة؛ من صلاة وزكاة، وصيام وأداء دَيْن، وأوكدها الودائع،
وأوكد الودائع كتم الأسرار(1).
وقيل: إنها كل
شيء يؤتمن الإنسان عليه، من أمر ونهي وشأن دين ودنيا(2)، وقيل: كل حق
لزمك أداؤه وحفظه(3)، فكيف السبيل لتحويلها لسلوك يومي وعادة أصيلة في
النفس تكون منطلق كل عمل؟
أولاً: ترغيب الشريعة في الأمانة:
يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)، يقول ابن تيمية: قال العلماء: نزلت
في ولاة الأمور: عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن
يحكموا بالعدل، وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل،
فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة(4).
ويقول تعالى في
صفات المفلحين: (وَالَّذِينَ
هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المؤمنون: 8)؛ مراعون لها،
حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد
وبين ربه، كالتكاليف السرية التي لا يطلع عليها إلا الله، والأمانات التي بين
العبد وبين الخلق في الأموال والأسرار(5).
وعن أبي هريرة قال:
بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى
الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره
ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: «أين السائل عن الساعة؟»،
قال: ها أنا يا رسول الله، قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: كيف
إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (أخرجه البخاري).
ثانياً: السبيل نحو مجتمع أمين:
تقع المسؤولية
الكبرى على عاتق الأسرة في غرس الأخلاق، وجعلها عماد المجتمع وأساس التعامل، حيث إن
المؤثر الأول في الطفل والداه، فإذا اتقيا الله في تصرفاتهما أمام الأبناء؛ كانت
النتائج أقرب لمرضاة الله تعالى، فإلى تلك الممارسات لبناء شاب أمين:
الأولى: أمانة التربية وعظمة القدوة:
تتكرر في بيوتنا
مواقف يومية تكشف عن سلوكيات خاطئة للأبناء؛ كأن يحتفظ الطفل بلعبة وجدها دون
البحث عن صاحبها، أو يعود بقلمين بدلاً من قلمه الضائع، أو يتحايل بالغش في
امتحانه ليتصدر فصله؛ وللأسف، غالباً ما يقابل الآباء هذه التصرفات ببرود أو صمت
يشرعن الخطأ، فتتحول هذه السلوكيات إلى أخلاق ملازمة للأبناء.
إن رعاية
الأبناء مسؤولية عظيمة تقع على عاتق الوالدين، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ..» (أخرجه
البخاري).
وأولى خطوات هذه
الرعاية القدوة قبل الوعظ؛ فلا معنى لأن نطلب من الطفل الأمانة والصدق، بينما يرى
والديه يتهربان من الحقوق، أو يخلفان الوعود، أو يمارسان الغش والتحايل في الخفاء.
الثانية: الوفاء بوعودك:
قد يظن بعض
الآباء أن الوعد الذي يقطعونه لأبنائهم أمر يسير، لكن الطفل ينظر إلى الوعد
باعتباره التزاماً حقيقياً يجب الوفاء به، ومع تكرار الحنث بالوعود يغرسون في أطفالهم
أن الالتزامات يمكن تجاوزها والاستهانة بها، والله تعالى يقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ
الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) (الإسراء 34)، ويقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (متفق
عليه).
الثالثة: علّمه أن السر أمانة:
من أكثر صور
الأمانة حفظ الأسرار، فكثير من الأطفال ينقلون ما يسمعونه في البيوت إلى أصدقائهم
أو أقاربهم دون إدراك لخطورة ذلك، وكثير من الأمهات يلححن على أبنائهن في نقل
أخبار الجدة والعمة، فعن أنس بن مالك قال: «أسرَّ إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم
سراً، فما أخبرت به أحداً قط»، فلما سألته أمه عن ذلك قال: «إنه سر»، فقالت: «لا
تخبرن بسر رسول الله أحداً» (رواه مسلم).
واليوم يحتاج
الأبوان إلى تعليم أبنائهما أن أسرار الأسرة ليست مادة للحديث في المجالس، وأن
خصوصيات الأصدقاء لا يجوز إفشاؤها، وأن الصور والمحادثات والمعلومات الشخصية التي
يطلعون عليها تعد أمانة يجب حفظها.
الرابعة: حمّلهم مسؤوليات:
من الأخطاء
الشائعة أن يحرم الآباء أبناءهم من تحمل المسؤوليات بحجة صغر السن، ثم يتعجبون بعد
ذلك من ضعف إحساسهم بالمسؤولية، ولقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم جيلاً كاملاً
على تحمل الأمانة؛ فقد ولى أسامة بن زيد قيادة جيش يضم كبار الصحابة وهو شاب، وبعث
معاذ بن جبل إلى اليمن معلماً وقاضياً وداعية.
وفي داخل الأسرة
يمكن البدء بخطوات بسيطة: تكليف الطفل بالمحافظة على سر معين، أو أمانة معينة،
رعاية الولد الذكر لأخته أثناء الخروج، وكل مهمة ينجح فيها الطفل سوف تشعره أنه
بأنه محل ثقة وعلى قدر المسؤولية، وهنا يجب على الأب أن يشيد بفعل الابن، فالثناء
عليه من أنجح الوسائل في ترسيخ السلوك الإيجابي.
لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ضياع الأمانة من علامات الساعة، وكان يقصد كافة مظاهر ضياع الأمانة؛ ولذلك فإن تربية الأبناء على الأمانة خطوة في بناء مجتمع تقوم علاقاته على الثقة وتحفظ فيه الحقوق وتصان فيه الكلمة.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً