أسرار لذة العبادات.. وكيفية الوصول إليها
إن المتأمّلَ في سِيَرِ النبيِّ صلى الله
عليه وسلم وصحبِه الأخيار، ثم في خُطى السلفِ الأبرار، يرى أنهم كانوا يجدون
للصيامِ لذةً تُنسي ألم الجوع، وفي الزكاةِ سرورًا يَغمر الشح، وفي الصلاةِ خشوعًا
يَسلب زينة الدنيا من عيونهم، ومع التلاوةِ نعيمًا لا يحول ولا يزول، فلم تكن العبادة
بالنسبة إليهم دينًا يُقضى، ولا حِملًا يسعون لإسقاطه عن كواهلهم، وإنما كانت
راحتهم في قيامهم وسعادتهم في تلاوتهم وتعبدهم وصيامهم.
لذة العبادة في حياة النبي
فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم كانت
راحته وكمال سعادته في صلاته، فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إلى
من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» (أخرجه النسائي)؛ وقرة العين
كناية عن الفرح والسعادة، ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود ألا يفارقه ولا يبتعد
عنه؛ لما فيه من نعيم القلب، وراحة الروح، وطيب الحياة.
ولذا، تراه يقوم من الليل حتى تتورم
قدماه، وإذا حزبه أمر يفزع إلى الصلاة، وكان ينادي على مؤذنه: «يا بلال، أقم
الصلاة، أرِحْنا بها» (صحيح أبي داود)؛ أي أرحنا بالدخول فيها، إذ لا شيء يدخل
السرور على قلبه بمثل ما تدخله الصلاة لما فيها من معاني القرب وحسن المناجاة للرب،
فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، قال تعالى (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) (العلق: 19).
لذة العبادة في حياة الصحابة
وهذه أمنا عائشة تسير على خطى حبيبها صلى
الله عليه وسلم في تلذذها بالصلاة، فقد أورد ابن الجوزي: عن القاسم بن محمد قال:
غدوت يوماً وكنت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها فإذا هي تصلي الضحى وتقرأ: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا
وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) (الطور: 27)، وتبكي وتدعو وتردد الآية فقمت
حتى مللت وهي كما هي، فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت: أفرغ من حاجتي ثم أرجع،
ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي تردد وتبكي وتدعو(1)! فأي نعيم هذا
الذي كانت تحسه عائشة وهي قائمة تدعو وتردد في خشوع وتبكي، إنه نعيم الطاعة ولذة
القرب والعبادة.
لذة العبادة في حياة التابعين
وهذا عروة بن الزبير أصابت الأكلة رجله،
فهمَّ الأطباء أن يسقوه مرقداً ليقطعوا له ساقه، فقال: لا والله لا يكون أبداً،
ولكن إن كنتم فاعلين، فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة، فإني إن كنت في الصلاة فإني لا
أحس بشيء، فلما دخل صلاته قطع الأطباء رجله بالمناشير وكووا موضع الجرح وما تضور
ولا تأوه، فما مرت عليه ليلته هذه إلا وقد قامها كسائر لياليه(2).
ويقول إبراهيم بن أدهم: لو يعلم الملوك
وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم إذا لجالدونا عليه بالسيوف(3)،
ويقول أبو سليمان الداراني: إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم،
وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها حتى أقول: لو أن أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي
عيش طيب.
أسرار المتلذذين بالعبادة
فللعبادة متعة حكى عنها أهلها ومن عاشوا
حياتهم في ظلالها، يقول ابن القيم: والإقبال على الله تعالى، والإنابة إليه،
والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته؛
ثواب عاجل، وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة، وسمعت شيخ الإسلام ابن
تيمية، قدس الله روحه، يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة(4).
وقال أيضاً في قول الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)
(النازعات)، فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله
والشوق إلى لقائه والفرح به والرضا عنه وبه مأوى روحه في هذه الدار، فمن كانت هذه
الجنة مأواه ها هنا كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد، ومن حُرم هذه الجنة فهو لتلك
الجنة أشد حرماناً، والأبرار في نعيم وإن اشتد بهم العيش وضاقت بهم الدنيا،
والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل:97)(5).
وقال مالك بن دينار: مساكين أهل الدنيا،
خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما أطيب ما فيها، قال: معرفة الله عز
وجل ومحبته.
فطيب الدنيا ولذتها على الحقيقة ليس في
امتلاك الأموال والدولارات، ولا في ركوب أفخم السيارات، ولا في سكنى أجمل الفيلات،
ولا في كنز الذهب والمجوهرات -وإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا- ولكن أطيب وألذ ما في الدنيا العيش في جنة الذكر والطاعة والقرب من
الله، قال تعالى: (وَاسْجُدْ
وَاقْتَرِبْ) (العلق: 19).
إنها جنة الطمأنينة التي تُسكن الروح
وتهدئ النفس وتطمئن الفؤاد القلق، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ
اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).
جنة الحياة الطيبة التي خص الله بها
عباده الصالحين، قال تعالى: (مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ
حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ) (النحل: 97).
جنة قيام الليل الذي هو أنس المحبين،
وروضة المشتاقين، ومدرسة العارفين برب العالمين، فإن لله عز وجل عباداً يحبونه
ويحبهم، ويذكرونه ويذكرهم، يراعون الظلال بالنهار كما
يراعي الراعي الشفيق غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما يحن الطائر إلى وكره عند
الغروب، فإذا جنهم الليل، واختلط الظلام، وفرشت الفرش، ونصبت الأسرة، وخلا كل حبيب
بحبيبه، نصبوا إليه أقدامهم وافترشوا له وجوههم، وناجوه بكلامه وتملقوا إليه
بإنعامه، فهم ما بين صارخ وباك ومتأوه وشاك، وقائم وقاعد وراكع وساجد، يتحملون من
أجله تعب السهر وقرس البرد، ولا يشتكون ضيق العيش حباً له ورضا به سبحانه.
ولذا، يقول أبو سليمان الداراني: لولا
قيام الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وإنه لتمر بالقلب ساعات يتراقص فيها طرباً
بذكر الله.
كيف نحصل لذة العبادة؟
1- تحقيق الإخلاص والمحبة لله تعالى:
قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (البينة: 5)؛ فالقلب إذا تجرد للرب تذوّق حلاوة
القرب، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ أن يكون
الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما» (متفق عليه).
2- معرفة الله بأسمائه وصفاته:
قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:
28)، فعلى قدر معرفة العبد بربه؛ يزداد حبه له، وكلما زاد الحب زاد القرب
واجتهد في الخدمة فحصلت اللذة.
3- مجاهدة النفس والصبر على الطاعة:
قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69)؛ لا شك أن البداية قد تكون ثقيلة، لكن العبد إذا
جاهد نفسه وصابر وثابر وداوم الطرق على باب الملك، فإنه حتماً سيفتح له باب اللذة،
يقول ثابت البناني: كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، ثم تنعمت به عشرين سنة.
4- مجاهدة النفس في البعد عن المعاصي:
قال تعالى: (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا
يَكْسِبُونَ) (المطففين: 14)؛ فمقترف الذنوب لا يوفق لقيام الليل، ولا صيام
النهار، ولا يجد في نفسه إقبالاً على ربه، قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني
أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن البصري:
قيدتك ذنوبك(6).
وقيل لعبدالله بن مسعود: ما لنا لا نستطيع قيام الليل؟ قال أبعدتكم ذنوبكم(7)؛ فالذنب يُمرض القلب، ويذهب خشوعه، ويثقله عن القيام بخدمة الرب سبحانه.
5- طهارة القلب:
قال أمير المؤمنين عثمان: (لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا) (شعب الإيمان) فالقلب إذا طهر صار سريع التأثر، رقيق الإحساس، يجد حلاوة المناجاة، فلا يمل لحظات القرب
6- استحضار عظمة الثواب:
قال تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (السجدة: 17)؛ فمن عرف فضل ما
يطلب هان عليه ما يبذل.
7- حضور مجالس الذكر وصحبة الصالحين:
مجالس الطاعة تذكر بالرب فتُشعل القلب
بالرضا والحب، والصاحب ساحب؛ قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الكهف: 28).
8- الإكثار من النوافل بعد الفرائض:
فهي طريق المحبة الخاصة، قال النبي صلى
الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي: قال الله تعالى: «ولا يزال عبدي يتقرب إليّ
بالنوافل حتى أحبه» (رواه البخاري).
9- الدعاء بطلب لذة الطاعة:
فلذة العبادة قد تأتي هبة من الله تعالى
لبعض الصادقين، ومن قصد ربه صادقاً في طلب أمر؛ فإن الله أعظم وأكرم من أن يرده
ويخيبه.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع له ربه منتهى اللذة وكمال النعيم والسعادة في الصلاة والعبادة، حول همه إلى لذة الآخرة، فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك» (أخرجه النسائي).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً