أطفالنا.. وصوت الحرب!
في كل مرة تشتعل
فيها نيران الحروب وتتناقل الشاشات مشاهد الدمار، تتسلل إلى مسامع أطفالنا أصوات
الانفجارات، وصرخات الثكالى، ونحيب الأمهات، لا يحتاج الطفل لأن يرى بعيونه كي
ترتعد أوصاله، يكفي أن يستمع، أن يُخبره أحدهم، أن يشعر بالقلق في نبرة والده، أو
يرى دمعة تسقط من عين أمه بصمت، فكيف إذا كانت هذه الأخبار هي طعامه اليومي،
وشرابه المعتاد، بل زاده العاطفي الذي يتجرعه دون أن يجد من يشرح له، أو يرشده، أو
يطبطب على قلبه الصغير؟
لقد كان الإسلام
في تشريعاته الرفيقة بالناشئة سبّاقًا إلى فهم طبيعة تكوين الطفل، وضرورة التدرج
معه، ومراعاة حاله النفسية والعقلية، فكيف نقذف في قلبه صور الحروب دون تأهيل أو
وعي؟ أوليس في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِع القلم عن ثلاثة..» إشارة إلى
إدراك أن الطفل لا يتحمل ما يتحمله الكبير، ولا يدرك كما يدرك البالغ؟
إن لهو الأطفال
في ساحات المدينة المنورة، وقبول الرسول عليه الصلاة والسلام بوجودهم في مجالات
الحياة، كان دلالة على أن بيئة الطفل يجب أن تكون آمنة، لا تهديد فيها ولا خوف.
لكن في المقابل،
كيف لنا أن نعزل أطفالنا عن هموم الأمة؟ كيف نمنع عنهم معرفة ما يجري في فلسطين،
أو في الشام، أو في غيرها من ساحات الجهاد والاضطهاد، بينما نريدهم قادة المستقبل،
وورثة الهم، وصُنّاع التغيير؟ هل نربيهم في صوامع مغلقة، ثم نُخرجهم فجأة إلى واقع
مليء بالتحديات؟ هذا هو التحدي الحقيقي؛ أن نوازن بين حماية الطفولة، وبناء
الشخصية المسلمة المعتزة بأمتها وقضاياها.
تقول المدارس
النفسية والمعرفية الحديثة، لا سيما ما تطرحه نظريات النمو لبيَاجيه وأريكسون: إن
الطفل يمر بمراحل معرفية حساسة، يحتاج خلالها إلى الوضوح، والأمان، والاتساق في
الرسائل التي يتلقاها، فالطفل إن سمع أخبارًا مفزعة دون شرح أو تدرج، قد يُصاب
بالقلق أو الكوابيس أو التوتر المزمن، لكنه إن أدرك السياق، وشعر بالأمان الأسري،
وفهم أن هناك مظلومين يحتاجون إلى دعائه، وتضامنه، وتفهمه –لا إلى هلعه– فقد يتحول
الخوف إلى وعي، والارتباك إلى تعاطف، والرعب إلى مسؤولية.
وهنا تكمن
مسؤوليتنا نحن، كآباء ومربين ومفكرين، ألا نقدم لأطفالنا صورة مشوهة عن العالم،
ولا نكذب عليهم بإخفاء الحقيقة، بل نكون جسرًا بينهم وبين الوعي، نُدخلهم إلى فهم
الحياة والموت، والنصر والخذلان، والعزة والكرامة، بقدر ما تسمح به أعمارهم ونضجهم،
نحدثهم عن غزة، لكن من خلال قصص الصمود لا الجثث، نحدثهم عن القدس، من خلال صور
المرابطين لا بكاء الأطفال، نغرس فيهم أن أمتهم تمرض ولا تموت، تُحاصَر ولكن لا
تُهزم.
ولنا في التاريخ
عبرة، فكم من طفل تربى في كنف الأزمات، فصار من قادة الأمة، كصلاح الدين الذي شب
في جو مشحون بالانقسامات، أو الإمام الشافعي الذي عاش يتيمًا في زمن المِحن، لكنه
لم يتشظَّ، بل تشكل وارتفع، هؤلاء لم يُحموا من قسوة الحياة، ولكن وُجِّهوا بحكمة،
فكانوا نبتًا مباركًا.
إن طفلنا المسلم
يحتاج إلى غذاء معرفي متزن، لا يُدخله في صدمة، ولا يُبقيه في وهْم، نحدثه عن
أمته، عن القضايا، عن الصراع بين الحق والباطل، ولكن بلغة تناسب وعيه، ونسقيه من
معين العقيدة قبل أن نغرقه في تفاصيل السياسة، وبهذا نكون قد حفظنا عليه طفولته،
وربطناه بأمته، وربيناه على ألا يخاف من صوت الحرب، بل يتوضأ ويقول: «اللهم اجعلني
جندًا في نصرتك يوم يكبر سني ويقوى ساعدي».
فلتكن التربية
على التوازن هي شعارنا، بين احتضان الطفل كزهرة لا تتحمل الرياح العاتية، وتقويته
كغرس أصيل لا تقتلع جذوره صراعات الحياة، ولا تزعزعه أخبار الحروب، نعلمه أن يبكي
على المظلوم، ثم نعلمه أن يدعو له، ثم نعلمه أن ينصره بوعيه وعلمه وأخلاقه، هكذا
تبنى الأجيال، وهكذا تصنع الأمة قادتها، من بين أنقاض الحرب وصدى الأمل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً