أفظع جريمة بحق الإنسانية!

د. أحمد عيسى

18 أبريل 2026

88

ما هي -برأيك- أفظع جريمة بحقّ الإنسانية بين الجرائم الكثيرة ضد الإنسانية في الماضي والحاضر؟! هل هي جرائم الصليبيين والتتار، أم «محاكم التفتيش» الإسبانية، أم قتل وإبادة ومجازر ونقل أوبئة للهنود الحمر في الأمريكتين، أم أهوال النظام الشيوعي السوفييتي ضد المسلمين، أم فظائع بلجيكا في الكونغو التي قضت على نصف سكانها، أم مجازر ألمانيا في ناميبيا، أم الحرب العالمية الأولى الدموية العنيفة التي حصدت أرواح 22 مليون شخص بين عسكري ومدني، أم الحرب العالمية الثانية الأكثر دموية حيث قتل فيها 85 مليوناً، وشهدت استخدام أفظع إبادة على اليابان بأول قصف نووي، أم حرب فيتنام، أم غزو أفغانستان من الجيش السوفييتي، أم جرائم المحتلين لأفريقيا وآسيا؛ مثل قتل الملايين في الجزائر، أم آلاف البراميل المتفجرة التي قتلت في سورية حوالي مليون وهجّرت الملايين، ومن لا ينسى جرائم الصهيونية الفظيعة من مجازر وإبادة جماعية مستمرة، خاصة ضد الأطفال في غزة، وفي بقية فلسطين؟

ولكن في مارس من هذا العام، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يصف جريمة أخرى بأنها «أفظع جريمة بحق الإنسانية» فما هي؟

سرقوا وكبلوا وشحنوا

إنها العبودية بتجارة الرقيق، فلأكثر من 400 عام، سُرق ملايين البشر من أفريقيا خاصة من «ساحل العبيد» على طول ساحل المحيط الأطلسي في غرب أفريقيا، وقُيّدوا بالأغلال، ونُقلوا إلى العالم الجديد للعمل الشاق في حقول القطن ومزارع قصب السكر والبن تحت وطأة الحر الشديد وقسوة السوط، وحُرموا من إنسانيتهم ​​الأساسية، بل وحتى من أسمائهم، وأُجبروا على تحمل أجيال من الاستغلال، ولا تزال آثاره ماثلة حتى اليوم، بما في ذلك التمييز العنصري المستمر ضد السود.

قال قرار الأمم المتحدة: «إن الاتجار بالأفارقة واستعبادهم العنصري يُعدّ أخطر جريمة ضد الإنسانية؛ لما يمثله من وحشية، وقطيعة حاسمة في تاريخ العالم، ولحجمه الهائل، واستمراريته، وطبيعته المنهجية، وعواقبه الدائمة التي لا تزال تُشكّل حياة الناس من خلال أنظمة عنصرية في العمل والملكية ورأس المال»(1).

إجرام أوروبي

فبين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، جرى أسر ما بين 15 إلى 30 مليون رجل وامرأة وطفل من أفريقيا، ونقلوا إلى الأمريكيتين للعمل عبيداً، وقد أرسلوا إلى مستعمرات خاضعة لسيطرة قوى أوروبية، مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا وبريطانيا، ويُعتقد أن نحو مليوني شخص قضوا خلال الرحلة على متن سفن الرقيق سيئة الصيت، ولا تزال آثار قرون من الاستغلال حاضرة حتى اليوم، إذ تعاني الدول التي انطلق منها الأرقاء، وكذلك تلك التي استقبلتهم، من أشكال من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، والتمييز العنصري.

ودعا القرار بدفع تعويضات تُعرف باسم «جبر الضرر»، وأيد القرار 123 دولة، فيما امتنعت 52 دولة عن التصويت، بينها بريطانيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، بينما صوتت الولايات المتحدة والأرجنتين و«إسرائيل» (طبعاً) ضده.

وتطالب الدول المتضررة من العبودية بتعويضات منذ أكثر من قرن، ومن المعروف أن ألمانيا دفعت، منذ عام 1952م، أكثر من 80 مليار دولار لضحايا النظام النازي من اليهود، بما في ذلك مدفوعات لدولة الاحتلال، لكن حتى الآن، لم تدفع أي دولة تعويضات عن العبودية لأحفاد الأفارقة الذين استعبدوا، ولا للدول الأفريقية والكاريبية وأمريكا اللاتينية المتضررة، وقدّر أحد قضاة محكمة العدل الدولية أن 31 دولة مدينة مجتمعة بنحو 107 تريليونات دولار، بينها دول مثل البرازيل والولايات المتحدة التي استفادت من عمل العبيد بعد استقلالها عن البرتغال وبريطانيا(2).

كنيسة إنجلترا مذنبة

وقد اعتذر رئيس أساقفة كانتربري عن ارتباط صندوق استثمار كنيسة إنجلترا في الماضي بتجارة الرقيق، حيث استثمر الصندوق على مدى أكثر من مائة عام مبالغ كبيرة في شركة مسؤولة عن نقل العبيد، وقال الأسقف: إن هذه التجارة البغيضة أخذت الرجال والنساء والأطفال وجردتهم من كرامتهم وحريتهم، ودعم البعض داخل الكنيسة لها واستفادتهم منها هو مصدر عار(3).

العبودية الحديثة

لم تنته العبودية بعد، فقد وصف تقرير للأمم المتحدة تصاعد العبودية الحديثة بأنها تحدٍّ متنامٍ؛ حيث تشير تقديرات منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى أن 50 مليون شخص -أو واحداً من بين كل 150 شخصاً- عالقون في العمل أو الزواج القسريين، وأشارت المنظمة إلى أن جائحة كورونا تسببت بتصاعد الفقر العالمي الشديد، وكذلك خلّفت الحروب والنزاعات المسلّح ظروفاً قاسية، وإلى تجنيد الأطفال للعمل أو الخدمة كجنود، وأجبر تغير المناخ الناس على مغادرة منازلهم والتحول إلى مهاجرين، ليصبحوا عرضة لخطر أشدّ(4).

والعبودية الحديثة مصطلح شامل يغطي استغلال الأشخاص المستضعفين بشكل عام لتحقيق مكاسب اقتصادية، ويترافق معها الإكراه الجسدي أو النفسي أو الاحتيال، من خلال الممارسات التي تشمل:

1- العمل القسري: أي عمل يُجبر الناس على القيام به رغماً عن إرادتهم (28 مليوناً) من بينهم 3.3 ملايين طفل، ويُمارس على أكثر من نصف هؤلاء الأطفال الاستغلال الجنسي التجاري.

2- عبودية الديون: عندما يضطر الناس إلى العمل من أجل سداد الديون المتراكمة عليهم.

3- العبودية المتوارثة: عندما يولد الناس في ظل العبودية ويعاملون كممتلكات شخصية.

4- الزواج القسري: عندما يتزوج شخص ضد إرادته وليس باستطاعته تجنبه (22 مليوناً).

5- العبودية المنزلية: هذه ليست عبودية دائماً، لكن خدم المنازل الذين يتعرضون لسوء المعاملة والاستغلال خلف الأبواب المغلقة.

والعمال المهاجرون الفقراء معرضون بشكل خاص لهذا النوع من العبودية، فيتم إجبارهم للعمل في قطاعات البناء والمناجم والزراعة وصناعة الملابس والأعمال المنزلية، ويتم تقييدهم بتلك الوظائف ولا يمكنهم السفر إلى أوطانهم(5).

محرِّر العبيد

الإسلام محرر العبيد، فالله تعالى خلق الإنسان كامل الإرادة والاختيار، ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة أو سلب ذلك الاختيار، ولا عجب أنك لا تجد في النصوص الإسلامية نصًّا يأمر بالاسترقاق، بينما تحفل آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية بمئات من النصوص الداعية إلى العتق والتحرير، فقد كانت مصادر الرِّق ومنابعه كثيرة عند ظهور الإسلام، بينما طرق التحرُّر ووسائله تكاد تكون معدومة، فقلَب الإسلام في تشريعاته النظرة، فسدَّ مسالك الاسترقاق، وأكثر من مصارف التحرير، بل جعلها ضمن الزكاة الواجبة والطاعات.

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عودوا المريض، وأَّطعِموا الجائع، وفُكُوا العاني» (رواه البخاري)؛ والعاني هو الأسير، وجاء في الحديث القدسيٍ: «ثلاثة أنا خصمهم يومَ القيامة، ومَن كنتُ خصمَه خصمْتُه، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره» (رواه البخاري).

وكان العرف السائد قبل الإسلام أن الأسرى لا حرمة لهم، وهم بين القتل أو الرِّق، ولكن الإسلام حث على طريق آخر بحسن معاملتهم بالعدل والرحمة وفك أسرهم، فقبل المسلمون في «بدر» الفداء، وفي الفتح قيل لأهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وفي «غزوة بني المصطلق» حرر وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث التي أسرت من الحي المغلوب، ليرفع مكانتها، إذ كانت ابنة سيد قومها، فما كان من المسلمين إلا أن أطلقوا سراح جميع الأسرى، وقالوا: أصهار رسول الله، وكانوا مائة بيت من قومها.

لقد خلد التاريخ قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟»، في أول الإسلام، قبل 1200 عام أو يزيد من قرار البرلمان الإنجليزي حظر العبودية عام 1833م، ومن توقيع الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لينكولن قانون تحرير العبيد في عام 1865م(6).

ولكن لا يزال العالم ببعده عن الإسلام يرتكب جرائم أفظع في حق الإنسانية!

الهوامش
  • 1 UN resolution urges reparations for slavery’s ‘historical wrongs’ UN news, 26 March 2026.
  • 2 أفظع جريمة بحقّ الإنسانية: هل آن أوان تعويض ضحايا تجارة الرقيق عبر الأطلسي؟ بي بي سي 27 مارس 2026.
  • 3 كبير الأساقفة يعتذر عن ارتباط كنيسة إنجلترا بتجارة الرقيق، بي بي سي 17 يونيو 2022.
  • 4 تقرير أممي: 50 مليون شخص يعيشون في ظل العبودية الحديثة التي تعتبر انتهاكا أساسيا لحقوق الإنسان، الأمم المتحدة 12 سبتمبر 2022.
  • 5 العبودية: ما أشكالها وكم عدد ضحاياها حول العالم في الوقت الراهن؟ بي بي سي 2 ديسمبر 2022.
  • 6 من هو محرر العبيد؟ أحمد عيسى، مجلة «المجتمع»، العدد (2145)، يوليو 2020.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة