أمجد يوسف.. ذاكرة الدم

أمجد يوسف.. ذاكرة الدم

ليست الكارثة في عدد الضحايا، أو وقت موتهم، أو طريقة الإطلاق عليهم، بل الكارثة الحقيقية في اللحظة التي يفقد فيها الدم معناه، ويصبح القتل مجرد خبر يتكرر ونسمعه كل يوم، حتى إن البعض أصبح لا يشعر بالدهشة حين سماع خبر كهذا!

في «مجزرة التضامن»، لم يكن المشهد مجرد حادثة عابرة في سياق صراعٍ طويل، بل صورة مكثفة لمرحلة كاملة اختل فيها ميزان الإنسانية.

وحين يُذكر اسم أمجد يوسف، فإنه لا يُستحضر بوصفه فردًا فقط، وإنما عنوان لتلك اللحظة القاسية التي انكشف فيها حجم الانحدار الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان حين تُنزع منه معاني الرحمة والمسؤولية.

في سنواتٍ مضت، حين كانت سورية تختنق وتعيش أقسى لحظاتها تحت نظام غاشم جائر، وفي مرحلة قاسية من تاريخها، تجاوزت المأساة حدود الصراع السياسي، لتغدو اختبارًا مريرًا لإنسانية الإنسان، وامتحانًا قاسيًا لضميرٍ يموت.

في ذلك الزمن، وتحديدًا في ظل ذلك النظام الغاشم، سقط أبرياء لم يحملوا سلاحًا، ولم يكونوا طرفًا في معادلة الصراع، بل كانوا مجرد أناس عاديين؛ آباء يبحثون عن لقمة عيش، وأمهات يحمين أبناءهن، وأطفال لم يعرفوا من الدنيا إلا حاراتها البسيطة.

الخسارة لم تكن في موتهم فحسب، وإنما في الطريقة التي أُزهقت بها أرواحهم، وكأنها شيء يمكن تجاوزه، أو رقم يمكن إدراجه ضمن إحصائية عابرة وسينتهي ويُنسى.

ما الذي يمكن أن يقال لطفل بريء ينتظر الحياة أمامه؟ ما الذي يقال لأُمٍ وجدت نفسها فجأة أمام فراغ لا يُملأ؟ لا شيء يوازي هذا الفقد، ولا عبارة تستطيع أن تخفف من ثقله.

الأخطر من القتل ذاته، أن بعض تلك الجرائم لم تقف عند إنهاء الحياة، بل امتدت إلى ما بعدها؛ إلى محاولات إخفاء الأثر، وإخفاء الشواهد، والتعامل مع الجسد الإنساني وكأنه عبء يجب التخلص منه، لا كرامة يجب أن تُصان.

حين يصل الأمر إلى هذا الحد، لا يعود الحديث عن سياسة أو حرب، بل عن انهيار عميق في ميزان الإنسانية.

إن التاريخ لا يحتفظ فقط بالأحداث، بل يحتفظ بطريقة وقوعها، وبالصمت الذي رافقها، وبالأصوات التي حاولت أن تبرر أو تتجاهل.

وهنا، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل كيف سُمح له بأن يحدث؟

إن تخصيص الأسماء في مثل هذه اللحظات ليس غاية في ذاته، وإنما تذكير بأن المسؤولية لا تذوب في العموميات، وإن القرارات التي تُتخذ في أعلى المستويات تنعكس مباشرة على أبسط الأرواح.

ومع ذلك، فإن تذكّر هذه المرحلة اليوم، واسترجاعها لا ينبغي أن يكون لإحياء الألم بقدر ما هو لإحياء العدل وتطبيق القصاص.

ولا ينحصر الأمر في هذا الجانب؛ بل هو إثبات صريح لمعالجة ما مضى، وإعلان واضح بأن ما حدث لن يُسمح له بأن يتكرر.

وفي الوقت نفسه، تحمل هذه الخطوة رسالة واضحة ووعيداً بأن الهروب لن يطوي صفحة الجريمة، حتى وإن ابتعدت المسافة أو طال الزمن أو تغيرت الأسماء.

إن الشعور بأن المساءلة قادمة والحساب لم يُغلق كفيل بأن يعيد حسابات كثيرة، ويكسر وهْم الإفلات الذي طالما شجّع على التمادي والظلم.

لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في تكرار المأساة فحسب، وإنما في تحوّلها إلى أمرٍ مألوف في الذاكرة، أو مقبول في التصور.

لقد تغيّرت المراحل، وتبدّلت الظروف، وتسير سورية اليوم في واقع مختلف عن تلك السنوات القاسية، لكن الذاكرة لا تُمحى بهذه السرعة، ولا ينبغي لها أن تُمحى.

ليس من أجل الانتقام، بل من أجل إقامة ميزانٍ لا يختل؛ أن قيمة الإنسان لا بد أن تُصان، وأن يُدرك أن دمَ البريء لا يمكن أن يُتجاوز، كما جاء في قول الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32).

ما ذنب الذين سقطوا؟!

إن الأبرياء الذين سقطوا لم يتركوا خلفهم خطابات ولا مواقف سياسية، لكنهم تركوا سؤالًا أثقل من كل ذلك: أيُّ ذنبٍ حملته هذه الأرواح لتدفع هذا الثمن؟

والإجابة، مهما حاول البعض الهروب منها، تظل واضحة في وجدان كل من لم يفقد إنسانيته.

ستُطوى الصفحات، وتُكتب أخرى، وستحاول الأيام أن تخفف من حدة ما مضى، لكن هناك أشياء لا تُنسى؛ لأنها أعمق من أن تكون أحداثًا عابرة، فهي علامات فارقة في ضمير الإنسان، وحين يُعاد تذكّرها، لا يكون الهدف أن نبقى أسرى لها، بل أن نتأكد أن ما حدث لا يمكن أن يتكرر ولن يُسمح بأن يتكرر.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة